أزمة المياه المرعبة في الهند:الاغلى من الذهب

رئيس التحرير
2019.08.18 15:15

 
ميرا سوبرامانيان
كاتبة هندية
 
 
سكان مدينة مدينة تشيناي الهندية يعانون من أزمة مياه كبيرة التي صارت كاس الماء منها اغلا من الذهب لندرتها 
 
تمثّل أزمة المياه في الهند تذكيراً قوياً بتحول ظاهرة التغير المناخي سريعاً إلى حالة طوارئ مناخية. جفت المياه داخل الأنابيب في تشيناي، عاصمة ولاية تاميل نادو الجنوبية، وتواجه 21 مدينة هندية أخرى شبح «اليوم صفر»، عندما تصبح موارد المياه المحلية غير قادرة على تغطية الاحتياجات.
تعتمد مدينة تشيناي، المطلّة على خليج البنغال ويقطنها ثمانية ملايين نسمة، على الرياح الموسمية لتغطية نصف كمية الأمطار التي تهطل سنوياً على المدينة. وفي العام الماضي، قلَّت كمية الأمطار على المدينة بمقدار 55% عن المعتاد، حيث انتهى موسم الرياح الموسمية مبكراً، في ديسمبر/كانون الأول، وجفَّت السماء وبقيت على هذا النحو. وظلّت تشيناي بلا أمطار 200 يوم. ومع انتهاء الشتاء ودخول فصل الربيع، ارتفعت درجة الحرارة إلى 42 درجة مئوية، وتحولت خزانات المياه الأربعة إلى بِرك من الوحل المتشقق.
بعض أجزاء المدينة ظلت بلا مياه في الأنابيب أكثر من خمسة أشهر حتى الآن. وتجلس الآن نساء مرهقات بأباريق بلاستيكية ملونة في انتظار عربات المياه، ويطول انتظارهم أحياناً حتى منتصف الليل. وفي 20 يونيو/حزيران، وصلت الرياح الموسمية الصيفية المتأخرة ولم تكن أكثر من أمطار خفيفة مخيبة للآمال.
 
أصبحت أزمات المياه الآن عالمية ودائمة. سيناريو «اليوم صفر» يضرب المدن من كيب تاون إلى مكسيكو سيتي إلى ساو باولو في البرازيل. ما يقرب من نصف تعداد البشر يعيشون في ظل ندرة المياه، وهناك أماكن مأهولة غير قادرة على تلبية احتياجات سكانها من الاحتياجات المائية للشرب والطهي، والصحة العامة.
 
يدفع الآن أفراد الطبقة المتوسطة والعليا في تشيناي ضعف ما كانوا يدفعونه قبل الأزمة للحصول على المياه من صهاريج عربات نقل المياه، ويمكنهم تحمُّل نفقات حفر آبار جديدة على أعماق تصل إلى ضعف ما كانوا يحتاجونه منذ 15 عاماً. قال أحد أبناء عمومتي من القاطنين هناك: «إننا في حالة حرب». ومثلما هو الحال في معظم الأزمات البيئية، يتأثر الفقراء بشكل كبير، وغير متكافئ. وتسفر أزمة نقص المياه والصرف الصحي عن وفاة 780 ألف شخص سنوياً، من جميع أنحاء العالم.
 
أزمة المياه عالمية، لكن تأثير شح المياه محلي بدرجة وثيقة. وكذلك، تحتاج الأزمة حلولاً محلية أيضاً. وبدلاً من ذلك، تتحول الحكومات في تشيناي وغيرها من المناطق إلى مشروعات بنية تحتية كبرى مثل محطات لتحلية المياه، وغيرها من المشروعات واسعة النطاق مثل ربط الأنهار البعيدة وإنشاء سدود ضخمة.
 
وعد رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، بوصول المياه عبر شبكة أنابيب إلى جميع سكان الهند بحلول عام 2024. وبإمكان الحكومة الهندية تحقيق ذلك الهدف بالنظر إلى ما وراء الحدود الخرسانية الرمادية، والعودة إلى أنظمة المياه الطبيعية القوية التي نجحت في الماضي وقد تنجح مجدداً. تركيز حكومة مودي على المشروعات الضخمة يفتقر إلى جزئية مهمة، وهي أن مشروعات نقل المياه تتطلب وجود مياه من الأساس.
 
كان جنوب آسيا دائماً عرضة للتقلبات الحادة للرياح الموسمية الممطرة التي توفر 70% من إجمالي كمية المياه في بضعة أشهر، إذ تغذي الأنهار والمياه الجوفية وتزين قمم جبال الهيمالايا، حيث توفر المياه الجليدية الذائبة سبل المعيشة لأكثر من 1.65 مليار شخص.
 
لكن حتى في حالة النجاة من حالة الطوارئ المناخية الحالية، تحتاج الهند أكثر من المشروعات الضخمة. تحتاج جهوداً جماعية قوية، على نطاق صغير، تستند إلى الطبيعة لاستعادة الغنيمة الموسمية التي تحمل الخير إلى جميع مناطق جنوب آسيا.
 
اختفت نحو نصف المسطحات المائية البالغ عددها 6 آلاف مسطح، والتي كانت تميّز تشيناي والمقاطعتين المجاورتين، إذ دمّر التطوير الطائش المساحات القادرة على الاحتفاظ بمياه الأمطار الموسمية.
 
لكن في أثناء الإبلاغ عن الأزمات البيئية بأنحاء الهند، شهدت جهوداً فعالة لتجديد رأس المال الطبيعي من خلال بنية تحتية خضراء. في مقاطعة ألوار بولاية راجستان الشمالية، وقفتُ على جانب التل المطل على أحد الوديان الخضراء، والذي كان قاحلاً من قبل، لكن القرويين أعادوه للحياة من خلال بناء سدود ترابية صغيرة تُعرف باسم بـ «جوهاد».
 
ووفقاً لأحد السكان، شيَّد القرويون آلاف السدود الصغيرة في مواقع استراتيجية بالمقاطعة، لتجمع مياه الأمطار الموسمية في شلال منتظم صغير قبل أن «تُهدر هباءً». وبذلك أُُعيدت تغذية المياه الجوفية وعادت الآبار، التي ظلت جافة وقتاً طويلاً، إلى الوجود.
 
توجد جهود مماثلة متناثرة في جميع أنحاء الهند. ففي منطقة تجميع المطر بمقاطعة كومباروادي في ولاية ماهاراشترا الغربية، هناك برنامج يُشرك السكان المحليين في زراعة الأشجار وحفر القنوات الصغيرة، لتمر المياه عبر الأراضي الزراعية. وارتفعت مستويات المياه الجوفية، وتحسنت خصوبة التربة، وزاد الدخل الزراعي بمقدار عشرة أضعاف. وخلال أربع سنوات، انتهى اعتماد السكان على مياه الصهاريج خلال موسم الجفاف.
 
بكل تأكيد تتطلب تلك الأساليب للحفاظ على الموارد الطبيعية محلياً عمالة أكثر، ولكن مع ارتفاع معدلات البطالة إلى أعلى مستوياتها منذ سبعينيات القرن الماضي، يمكن ترجمة تلك الاحتياجات إلى وظائف.
 
مع استخدام 90% من المياه العذبة الثمينة في الزراعة، بإمكان الهند أيضاً دعم ممارسات الحفظ القائمة، وإعادة النظر في تصدير المحاصيل التي تحتاج كميات ضخمة من المياه مثل الأرز والقطن.
 
تتحول الهند من بلد زراعي إلى كتل حضرية بوتيرة سريعة، ووسط هذه الكثافة البشرية تكمن الفرصة. حاولت تشيناي استخدام حصيلة مياه الأمطار في عام 2003 بطريقة تحويل مياه الأمطار المتجمعة على أسطح المباني إلى خزانات تتسلل المياه من خلالها إلى الأسفل، لتعويض وجود الطبقة الخرسانية التي تمنع تغذية المياه الجوفية من مياه الأمطار الموسمية وتتسبب في حدوث فيضانات. لكن بعد ثلاث سنوات، نجح حزب جديد في الانتخابات وتوقف التنفيذ. بالإضافة لذلك، يمكن استخدام العدادات للمساعدة في عزل وإصلاح التسربات التي تهدر ثلث إجمالي المياه في الهند.
 
ويتجاهل تحرُّك حكومة تشيناي نحو إنشاء مزيد من محطات التحلية -بدأت تشيناي للتو إنشاء المحطة الثالثة في أقل من عقد- حقيقة احتياج تلك المحطات إلى كميات هائلة من الطاقة لتحويل المياه المالحة إلى مياه عذبة. وتعاني حكومة الهند بالفعل لتوصيل الطاقة الكهربائية إلى شعبها وتغطية احتياجاتهم من الطاقة، كما ينتج عن تلك المحطات محلول ملحي سام يزيد حالة السواحل المتدهورة سوءاً.
 
من منظور مؤيد للنمو كلياً، فإن التضحية بخدمات النظام البيئي مجرد ضرر جانبي ضروري. لكن الخسائر البيئية تعيق النمو الاقتصادي بشكل أساسي. من دون المياه، ستعاني المدارس والفنادق والمطاعم والصناعات التقنية في تشيناي لتظل قائمة ومفتوحة. ويقدّر البنك الدولي خسائر الهند بنحو 6% من إجمالي الناتج المحلي نتيجة التدهور البيئي.
 
وتأتي الدعوة لزيادة «رأس المال الأخضر» من أعلى مستويات التنمية العالمية. ويقول تقرير حديث للبنك الدولي والمعهد العالمي للموارد إن الاعتماد على تلك الأساليب يضمن الأمن المائي، والقدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية، ويحد من الفقر، ويجعل الأماكن التي نعيش فيها أكثر مرونة وتكيفاً مع التغيرات المناخية.
 
لا يوجد ما يدل على أن حكومة مودي ستتخلى عن مساعيها لإنشاء المشروعات العملاقة، لكن عليه أن يتذكر أنه عندما تفشل المشروعات الكبيرة، يكون الفشل كبيراً. تحتاج الهند مليون إجابة صغيرة لسكانها البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة ويزيدون. الأنظمة الصغيرة التي تستغل الطاقة الهائلة للطبيعة بدلاً من قمعها تتطلب رأس مال أقل، ويمكن أن تبدأ بطرق أسرع لا تقدر عليها الأنظمة الكبرى باهظة التكلفة والتي تحتاج سنوات للتنفيذ.
 
ومع تراجع الحلول الأمريكية فيما يتعلق بالمساعي البيئية، أمام الهند الفرصة للتقدم والريادة، وإعادة كتابة سيناريو التنمية البشرية في القرن الحادي والعشرين وبناء اقتصاد جديد على أسس النمو الأخضر. على العالم أن يسعى إلى معرفة أفضل بالأنظمة الطبيعية التي نعبث بها ونغيرها بسرعة إن كان هناك أي أمل في إرواء عطشنا المتزايد.
 
– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأمريكية.
 
 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
  ذكور ضفادع القصب تذعن قبول ممارسة الحميميه مع ضفدع مثلي ليتجنب أن يؤكل.  لحظة لا تصدق: حيلة الاخطبوط العجيبه كارنافال ترامب : لتحسين عمليات التحقق من مالكي السلاح وتعديل الهجرة بعد مجزرتي إل باسو ودايتون  فرنسا:الزام جميع أسطح المنازل الجديدة بتغطيتها في النباتات أو لوحات #solar عكس كندا ؟؟ شوووووب:شاهد: كيف يبرد السكان أجسامهم بعد أن اجتاحت موجة الحرارة الشديدة الدول الاسكندنافية اتهامات لوائل كفوري:ضرب وحبس وعنَّفَ طليقته وانفصال الممثلة هنا شيحة ووفاة الممثلة البحرينية صابرين  "ويلا" غوريلا تتبختر وتتمنفخ امام والدها وزوار الحديقه مشاهد رافقت انتصار الجزائر اخترناها لك قد تزيد من جعل يومك جيداً  ان لم تستخدم تطبيق FaceApp بعد..احذر أن تعطي روسيا معلومات أخطر مما تتخيل