الفردوس المحترق والعنقاء المؤجلة «أخيراً وصلوا..لكن في توابيت»ومسرحية «غرافيليا

رئيس التحرير
2019.11.12 14:58

 شوقي بزيع

لطالما رأى اللبنانيون وطنهم بوصفه المكان الأكثر جمالاً على سطح الكوكب، والنسخة الأرضية المصغرة للفردوس. صحيح أن النرجسية الجمعية ليست مرضاً يخص اللبنانيين وحدهم، بل نجد تمثلاتها وأعراضها لدى سائر شعوب الأرض، ولكنها تصل عند اللبنانيين إلى ذروتها الأخيرة، وتجد تعبيراتها الرمزية في الشعر والغناء والفولكلور وسائر الفنون. فسعيد عقل، الذي أسهم بشعره وكتاباته في تضخيم صورة الوطن اللبناني وتحويله إلى أسطورة، يتساءل في إحدى قصائده: «هل جنة الله إلا حيثما هنئتْ عيناك؟ كل اتساعٍ بعدُ بهتانُ». ولا يتوانى أمير الشعراء أحمد شوقي، من جهته، عن الإسهام في تظهير هذه الصورة الفردوسية للبلد الذي طالما شغف بجماله، فقال فيه: «لبنان والخلد اختراع الله، لم يزدن بأحسن منهما ملكوتُهُ». ولكن، وقبل ذلك بكثير، كانت صورة لبنان بجباله الشاهقة المكسوة بالثلوج، وتضاريسه المكسوة بالأشجار، ترِد مرة إثر أخرى في أسفار العهد القديم، حيث يهتف أشعياء: «لتفرح البرية والقفر، ولتبتهج البادية ويزهر النرجس، فقد أوتيت مجد لبنان». وفي «نشيد الأنشاد»، يهتف النبي سليمان بعروسه الفاتنة: «هلمي معي من لبنان، أيتها العروس»، فيما تعلن الجوقة المهللة له: «الملك سليمان عمل لنفسه تختاً من أرز لبنان».
 
إلا أن ما ميز الجغرافيا اللبنانية عن سواها هو كونها شديدة الغنى والتنوع، بحيث استطاعت هذه الرقعة الصغيرة من الأرض أن توزع نفسها بين نعومة الرمال وصلابة الصخور، بين المياه المفتوحة على الخارج والجبال المكسوة بالأشجار، التي تقف متعامدة مع الشواطئ. كما أن الطبيعة الخلابة والموقع الفريد، اللذين طالما عدهما اللبنانيون نوعاً من النعمة الإلهية الخالصة، بديا في الوقت ذاته أشبه باللعنة الدائمة التي جرّت على بلدهم المصائب والويلات، واستدرجت إلى غزوه كثيراً من القوى الكبرى التي عمدت إلى احتلاله لعقود، أو قرون، قبل أن تعود من حيث جاءت، تاركة على صخرة نهر الكلب ما يدل على مرورها. وقد عبر ننّوس اليوناني، في القرن الرابع الميلادي، عن مأزق الجغرافيا اللبنانية في قصيدة طويلة له، بعنوان «ملحمة بيروت الميمونة»، حيث الصراع على المدينة يتسبب بحرب لا هوادة فيها بين ديونيسيوس (إله الكرمة والبر) وبوسيدون (إله البحر)، حين زعم كليهما أن بيروت هي امتداد لنفوذه، وجزء من ممتلكاته. وقبل أن تنتهي الحرب لصالح بوسيدون، تدور حروب فريدة من نوعها بين الأمواج والكروم، كما بين زبد البحر وأزهار الزيتون، كدلالة رمزية بالغة على انتصار الخارج على الداخل في تلك المواجهة الضارية التي يتدخل فيها كبير الآلهة للمصالحة بين الطرفين المتقاتلين.
 
لقد بدا كل شيء في هذا البلد الصغير مفتوحاً على نقيضه. فمقابل الطبيعة الخلابة التي يمتلكها، ثمة صدوع في جوف تربته جعلته عبر التاريخ عرضة لكثير من الزلازل التي تسببت غير مرة بتهديم عاصمته، وسائر مدنه وقراه. والطوائف والإثنيات التي احتمى بعضها بجباله المنيعة، هرباً من الملاحقة والاضطهاد، وجيء ببعضها الآخر لحماية سواحله وثغوره من الغزو الأجنبي، تجعل منه في زمن السلم والوئام الأهلي مختبراً نادراً للحداثة والتنوير وتفاعل الثقافات، ولكنها ما تلبث حين تختل الموازين الدقيقة بين الطوائف أن تدخل بين آونة وأخرى في حروب ماحقة تطحن في طريقها كل مظهر للتطور، وتعيده عقوداً إلى الوراء. واللافت أن نظام الملل والتوازنات الطائفية الهجينة هذا أثبت مع الزمن، ورغم هشاشته الظاهرة، أنه أكثر مناعة حتى من أنظمة الاستبداد والفكر الشمولي. والأدل على ذلك أن عشرات النزاعات الأهلية، ومئات الآلاف من الضحايا، لم تفلح في تصديعه وهزيمته، بل كان كلما حطت الحروب أوزارها يلتفّ على عذابات أهله وأحلام بنيه، ويجدد طبقته السياسية ورموز فساده، وينقل سموم الطائفية القاتلة من خانة التفاهمات والأعراف الشفهية إلى خانة النصوص المدونة التي تتضمنها الدساتير.
 
ربما كانت الصدفة وحدها هي التي زامنت، بفارق أيام معدودة، بين الحريق الكارثي لما تبقى على قيد الإخضرار من غابات لبنان وأشجاره، والحراك الأهلي غير المسبوق لمئات الآلاف من المواطنين الذين تنادوا من المناطق والطوائف والأعمار كافة للاحتجاج على نظام التحاصص الطائفي الفاسد، وللمطالبة بحقهم في العيش بكرامة، بعد أن بات الإذلال والانحناء أمام الزعيم الطائفي والمذهبي هو السبيل الوحيد لتجنب الفقر، أو للحصول على الوظيفة والمنصب المنشودين.
 
وإذا كانت الأمطار الغزيرة التي هطلت فجأة على لبنان قد تكفلت بإطفاء حرائقه الكارثية، بعد تقاعس السلطات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها، فإن الجموع المحتشدة في ساحات مدنه وقراه لن تجد ضالتها في تغيير حكومي من هنا، أو تقديم كبش رمزي هزيل من هناك، إذ ليس ثمة أمل يُرجى بالخروج من النفق، ما دامت العصبيات الطائفية المدججة بغرائزها وعقد خوفها هي التي تصنع تاريخ لبنان منذ قرنين من الزمن، وهي التي تقطع الطريق على أي فرصة حقيقية للتغيير. ولم يقصر التاريخ اللبناني في تقديم شواهده الدالة على ذلك، بدءاً من التداعي الدراماتيكي لمفاعيل «عامية أنطلياس» عام 1840، مروراً بالانقضاض السريع على انتفاضة طانيوس شاهين عام 1859، عبر تحويلها من ثورة على الإقطاع إلى صراع طائفي دموي، وليس انتهاء بالحرب الأهلية الأخيرة عام 1975. والخوف كل الخوف أن يتمكن الوحش الطائفي، القابض على ناصية الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان، من أن يختطف مرة أخرى وهج هذه اللحظات النادرة في تاريخنا الحديث. وحيث تبدو دولة العدالة المنشودة بعيدة عن التحقق، لا بد للعنقاء اللبنانية المؤجلة من أن تنهض من رمادها، ولو بعد حين، كما هو حال طائر الرعد الذي يجيء، وفق الهنود الحمر، في اللحظة التي تصل فيها الآلام والتضحيات إلى ذروتها الأخيرة. وهو ما عبّر عنه سميح القاسم بقوله: «ويكون أن يأتي بعد انتحار الريح في صوتي شيءٌ روائعه بلا حدِّ شيءٌ يسمّى في الأغاني: طائر الرعدِ لا بدّ أن يأتي فلقد بلغناها بلغنا قمة الموتِ».
 
«أخيراً وصلوا... لكن في توابيت» للشاعر السوري فراس سليمان
 
عن سلسلة «الإبداع العربي» التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويرأس تحريرها الشاعر سمير درويش، صدر ديوان شعري بعنوان «أخيراً وصلوا... لكن في توابيت» للشاعر السوري المقيم في نيويورك فراس سليمان.
يقع الديوان في 140 صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول بعنوان (أنا هو) ويجسد فيه الشاعر صوت رجل يبدو خائفاً من كل الأشياء، الجزء الثاني بعنوان (أنا هي) ويستعير فيه صوت امرأة متعبة لكن جريئة؛ كما فعل في مجموعته «امرأة مرآتها صياد أعزل»، أما الجزء الثالث فهو قصيدة طويلة، بعنوان «غادرك.. ما زال يغادرك كي لا يقلدك»، كتبت بنفس مغاير. تأتي كترديد للصوتين السابقين، لكن بنفس شعري مغاير.
بين هذه الأبعاد الثلاثة يتحرك الديوان في قوس درامي تطل في ظلاله المأساة السورية، وكأنها جرح مفتوح على الماضي والحاضر والمستقبل، بينما تتحول الحياة تحت وطأة الحرب إلى وجود شبحي، يحاصر الذات في الداخل والخارج.
وكان قد صدر للشاعر عدد من المجموعات الشعرية منها: «المدينة التي أسكنها بعيداً» 1989، و«رصيف» 1992، و«هوامش» 1995، و«امرأة مرآتها صياد أعزل» 2004، ومجموعة قصصية بعنوان «الأشعث والرجل الضليل» 1996، وأحدث مجموعاته الشعرية «نهايات معطلة» 2015، وكتب الشاعر هذه الديوان في الفترة من عام 2000 حتى عام 2015، وتصدرت غلافه لوحة للفنانة التشكيلية الأميركية مارثا فيريس.
من أجواء المجموعة:
«يخرج شبحي مني كل صباح
لا أنتبه لعودته. كنت أظن واهماً أن داخلي مدينة من الأشباح
غير أنه أمس فقط. رأيته
شبحي الذي ومنذ سنين طويلة لا يني يخرج ويدخل
رأيته حاملاً مسامير ومطرقة.
تلك غنائمه من الخارج. إنه الآن يصلب نفسه داخل جسدي
أي ألم عليه أن يحتمله شبحي الجميل!
لقد أهانه العالم كثيراً».
 
 
صراعات اجتماعية بمضامين ومستويات مختلفة
مسرحية «غرافيليا» لماجد الخطيب
 
برلين: كاظم الحبيب
خلال العقدين المنصرمين، صدر للإعلامي والكاتب المسرحي العراقي ماجد الخطيب، عدد من المسرحيات الجادة والملتزمة بالدفاع عن الحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وكشف نواقص مجتمعاتنا في الدول العربية، ونضالها ضد الأمية وعمليات التجهيل واستخدام الدين لأغراض غير إنسانية. وأكثر مسرحياته يمس واقع العراق، وما مرّ به خلال العقود الأخيرة، إضافة إلى ملامسة ذكية للاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية الفاعلة والمؤثرة فيه.
وتتسم بعض مسرحيات الخطيب بالمباشرة، وبعضها الآخر يعمد إلى معالجات رمزية تساعد القراء والقارئات على التصور والتفكير والتحليل والتفسير. وآخر مسرحياته التي صدرت خريف هذا العام 2019 عن «مطبعة صناعة الإشهار»، هي مسرحية «غرافيليا»، التي تدور أحداثها في بلد مغاربي، لكنها تنطبق على واقع معظم البلدان العربية، منها العراق.
تتكون المسرحية من سبعة مشاهد مكثفة تدور بين الفنان التشكيلي، معلم الرسم، أميرو، من جهة، وبين الشخصية النموذجية التي تتبنى زوراً وبهتاناً، وفق مصالحها، التقاليد الدينية والاجتماعية البالية والمشوهة والمزيفة، إنه المعلم في مدرسة المعوقين المسماة «طيور الجنة»؛ حيث يفرض على مديرة المدرسة المسنة ثلاثة شروط لاستمرار تمويل المدرسة غربياً، وإغلاقها من جانب الحكومة، أن تفصل البنات عن الولد، وهم أطفال، أو تلغى دروس الفنون، لا سيما الرسم والموسيقى، وأن تنهي عقد معلم الرسم في هذه المدرسة، رغم الأهمية الفائقة لدراسي الرسم والموسيقى للأطفال المقعدين. ويتحقق ذلك فعلاً في بلد يعيش تحت وطأة وتأثير قوى الإسلام السياسي والتكفيري.
ثم يصطدم الفنان التشكيلي في مجرى حياته اليومية بمنغصات كثيرة، منها ما تبرّزه المسرحية، وهي تلك العلاقة المختلة بين الفنان التشكيلي وحبه للموسيقى وصاحب الدار، حيث يسكن في شقة لديه، الذي يدعي بوقاحة أن سماع الموسيقى من جاره يفسد عليه صلاته، كما تظهر الشياطين أمام زوجته عند سماعها الموسيقى فتصاب بالغثيان، حتى أنه جلب الشرطة لمنعه من الاستماع للموسيقى أثناء رسمه للوحاته.
من خلال ذلك، تعرض المسرحية في مشاهدها السبعة لصراعات تدور في المجتمع، وبمضامين، ومستويات مختلفة، منها صراع بين الفنان الشاب ومديرة المدرسة ذات السبعين عاماً، وآخر بين الفنان ومجموعة من الدجالين وباعة اللوحات الفنية، الذين لا يفقهون من الفن شيئاً، إنهم غرباء عن كل الفنون، وربما أعداء لها، لولا ارتباطها برزقهم اليومي، وثالث بين مالك الدار الذي يسكن في إحدى الشقق الفنان التشكيلي المستأجر والمحب للموسيقى في الموقف من الاستماع للموسيقى.
ثم تبرز المسرحية واقع التمايز بين هواة وباعة اللوحات الأوروبيين، الذين لا ينسون الربح، ولكنهم يفهمون في الفن التشكيلي، ويقدرون الأعمال الفنية، ويحققون ربحاً مجزياً لهم وللفنانين، وبين المهرجين من باعة اللوحات التشيلية في بلداننا.
ويمكن القول عن حوارات المسرحية، إنها خيالية تقترب من واقع الحياة، كما في حوارات الفنان التشكيلي العربي في خلوته أو في أحلامه مع فنانين كبار غادروا هذا العالم، وتركوا للعالم آثاراً رائعة، إلا أنهم في الوقت ذاته مرَّوا بتجارب مريرة ومتنوعة يحاول الكاتب تصويرها لنا، إضافة إلى الشكوى المرة التي يتحدث بها الفنان إلى جمهوره في المسرح، إنها هموم قاسية ومريرة يعاني منها كل الفنانين والفنانات في مجتمعاتنا العربية.
فحواره مع فان غوخ وبيكاسو، أو مع مايكل أنجلو، أو حوارهما النفسي مع الشاعرة وكاتبة القصة والرواية الأميركية سيلفيا بلات المكتئبة دوماً وماتت منتحرة. إنها مناجاة الفنان التشكيلي أميرو مع هؤلاء الفنانين الكبار وشكواه المرَّة التي تجسد معاناته ووضعه النفسي والعصبي، وهي معاناة كل المبدعين الحقيقيين للفنون في بلداننا المكتئبة والحزينة، أو الباكية كثيراً لما تعاني منه في حياتها اليومية.
ومن خلال هذه الحوارات، تطرح المسرحية مشكلة يعاني منها قسم من شعوب الدول العربية، وهي مشكلة الموقف من الفنون عموماً، ومنها الفن التشكيلي والنحت، وهو موقف قوى الإسلام السياسي المتطرفة في ادعائها بأن الإسلام يرفض الفنون جملةً وتفصيلاً، متجاهلة أن الفنون رافقت الإنسان منذ وجوده على الأرض، وأن الطبيعة هي أم الفنون.
والجميل أن ترافق النص المسرحي مجموعة قيمة من اللوحات التشكيلية للفنان المراكشي - البغدادي طه سبع، التي تعبر بصدق عن جملة من إشكاليات الإنسان في الدول العربية، المبتلاة بعلاقات اجتماعية تعيد إنتاج نفسها، لأن علاقات الإنتاج فيها لم تتغير منذ مئات السنين، فظلت مفاهيم القرون الوسطى البالية معشعشة في عقول الكثير.
وتحمل اللوحات عناوين روايات وكتب عالمية مشهورة تبدأ بـ«يوميات عبقري» لسلفادور دالي في الغلاف، و«أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وتنتهي بـ«الخبز الحافي» لمحمد شكري و«الشيخ والبحر» لأرنست همنغواي.

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع مُقارنةً ساخرةً بين قمم العرب وقمّة قادة مجموعة السبع في فرنسا   ذكور ضفادع القصب تذعن قبول ممارسة الحميميه مع ضفدع مثلي ليتجنب أن يؤكل.  لحظة لا تصدق: حيلة الاخطبوط العجيبه كارنافال ترامب : لتحسين عمليات التحقق من مالكي السلاح وتعديل الهجرة بعد مجزرتي إل باسو ودايتون  فرنسا:الزام جميع أسطح المنازل الجديدة بتغطيتها في النباتات أو لوحات #solar عكس كندا ؟؟ شوووووب:شاهد: كيف يبرد السكان أجسامهم بعد أن اجتاحت موجة الحرارة الشديدة الدول الاسكندنافية اتهامات لوائل كفوري:ضرب وحبس وعنَّفَ طليقته وانفصال الممثلة هنا شيحة ووفاة الممثلة البحرينية صابرين  "ويلا" غوريلا تتبختر وتتمنفخ امام والدها وزوار الحديقه