عاريات إسماعيل شمّوط جزء من تراثه الفلسطيني المتألق

رئيس التحرير
2019.10.17 20:58

ليس من السهل أن يرسم أو يكتب أحدهم في موضوع هو، في الحالة الفلسطينية، النكبة والثورة والمقاومة، ثم يمرّ قليلاً على مواضيع كالحب والعري. تماماً كحالة الرسام الفلسطيني إسماعيل شمّوط.


عُرف شمّوط بأنه رسّام النكبة وقد يكون أبا الفن الفلسطيني الحديث. تسيطر على لوحاته صور، كامرأة بثوب فلسطيني يسترها حتى رسغيها، والجماهير تلتف حولها في ترميز للوطن وشعبه. صور لفدائيين يلوّحون بالكفاح المسلّح طريقاً للتحرير، وشيوخ كبار وقد نتأت بثور النكبة على ملامحهم وانحناءات ظهورهم، والعديد من البورتريهات هي في مجملها تصوير رمزي محتشم يُحيل على موضوعات فلسطينية. هكذا عرفنا إسماعيل شمّوط، وهي الصورة الناقصة من سيرته الفنية. أما ما لم نعرفه، فهو العدد غير القليل نسبياً للوحات رسمها شمّوط وقد حملت تمثيلاً إيروتيكياً بحتاً من دون أن يضطر لتحميلها أي وزر وطني. لم يكن من السهل أن يخوض شمّوط في رسم نساء عاريات، لا على جمهوره ولا عليه. بدأ برسم عارياته منذ بداياته في الخمسينات إلى ما قبل وفاته بقليل، وقد بلغت ذروتها في السبعينات. المشكلة تكمن لديه لا في خلق هذه اللوحات بل في خنقها. 
كاتب هذه الأسطر كان فرداً من الجمهور المتلقي الذي لم يعرف لشمّوط إلا موضوعات تنطلق من قضيتنا وتنتهي إليها. هذا لا يعيب الفنان ولا القضية، لكني كنت اعتقد أن رسوم القضية هي مجمل نتاجه. أخيراً فقط اكتشفت العديد من اللوحات لنساء عاريات رسمها شمّوط، وإن يكن بعضها مألوفاً. أي أن مسيرة شمّوط الفنية وصلتنا ناقصة. بحثتُ في الإنترنت لعلّي أكون مخطئاً في أفكاري الأولية تلك، لكن كل ما وجدته عن الإيروتيكا في لوحات شمّوط كان سطراً في حوار أُجري مع زوجته الفنانة تمام الأكحل تنقل فيه مما قاله درويش في تأبين إسماعيل شمّوط عام 2006: نحن رسمنا لإسماعيل صورة رسام النكبة، لكني عندما أرى أعمالاً له لنساء عاريات أستغرب لماذا لا تظهر تلك اللوحات وأقول إن ذلك لا يعود إلى خوف من تمام (الأكحل) بل إلى خوف من أن يُسقِط المجتمع عنه صفة الوطنية. ثم تضيف الأكحل في حوارها أنها أرادت أن تنشر هذه الأعمال التي لم تُنشَر في أي بلد عربي. ولا أدري الآن إن تم ذلك أم لا، لكن حسب ما يمكن الوصول إليه عبر الشبكة، ليس هنالك ما يشير إلى أي معرض أو مقالة تخصّ الأعمال المذكورة.
إذاً، وبحسب محود درويش، لم تُنشر أعمال شمّوط التي صوّرت نساء عاريات كي لا يُسقِط المجتمع عنه صفة الوطنية، وفي ذلك لوم وانتقاد صريح لهذا المجتمع، وكأن الوطنية تُمنح لا تُنتزع، وكأن - وهنا السؤال الأساسي- الوطنية في تناقض تام مع الجمال البحت، مع العري البحت، مع النساء اللواتي جمعن الجمال والعري في عمل جميل، فوق ذلك، فنياً.
أقول ذلك وقد شاركت العري في بعض لوحات شمّوط موضوعات كالأمومة والحب والكفاح والحرية، وقد يطغى أحد هذه الموضوعات في لوحة يكون العري فيها تفصيلاً أنثوياً لا بدّ منه. حتى هذا لم يكن سهلاً على المجتمع أن يتقبله.
خللان في مجتمعنا التقيا، ليحجبا عن التراث الفني والثقافي الفلسطيني والعربي القيمة الجمالية التي تمثّلها هذه اللوحات: أولهما الوطنية الأصولية بمعناها الضيّق المتصلّب الصدئ، التي تحظّر على الفنان أن يخوض في الإيروتيكا. ثانياً المحافظة الاجتماعية والدينية التي لن تتردّد في "سحب" الوطنية من الفنان ذاته إن لم تَحل الوطنية الأصولية دون الجهر بعارياته.
أما هذه اللوحات، فلم تزد فلسطين فناً وثقافةً وتراثاً وفكرةً إلا جمالاً استمدّته أولاً من النساء فيها، وثانياً وثالثاً من عريهن، ورابعاً من ملامحهن الفلسطينية، وخامساً من الحسن في رسم ذلك كله. قيمة جمالية قد ندرك يوماً كم افتقدنا مثيلاتها في تراثنا الفلسطيني

 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
مُقارنةً ساخرةً بين قمم العرب وقمّة قادة مجموعة السبع في فرنسا   ذكور ضفادع القصب تذعن قبول ممارسة الحميميه مع ضفدع مثلي ليتجنب أن يؤكل.  لحظة لا تصدق: حيلة الاخطبوط العجيبه كارنافال ترامب : لتحسين عمليات التحقق من مالكي السلاح وتعديل الهجرة بعد مجزرتي إل باسو ودايتون  فرنسا:الزام جميع أسطح المنازل الجديدة بتغطيتها في النباتات أو لوحات #solar عكس كندا ؟؟ شوووووب:شاهد: كيف يبرد السكان أجسامهم بعد أن اجتاحت موجة الحرارة الشديدة الدول الاسكندنافية اتهامات لوائل كفوري:ضرب وحبس وعنَّفَ طليقته وانفصال الممثلة هنا شيحة ووفاة الممثلة البحرينية صابرين  "ويلا" غوريلا تتبختر وتتمنفخ امام والدها وزوار الحديقه مشاهد رافقت انتصار الجزائر اخترناها لك قد تزيد من جعل يومك جيداً