سوريون يصفعون أدونيس بألسنتهم وأخرون يبررون له موقفه

رئيس التحرير
2019.06.25 20:40


 
                                                                                            أخبرته وهو في الغربة أن ثمّة من يستهدفكَ شخصياً في النت، أنهم يحطّون من شأن تجربتكَ يا صديقي، ألا يكفينا حرباً؟ هل نقيم حروباً بين بعضنا كي يصبح المشهد أكثر دمويةً وعنفاً بكل الأشكال؟ أجابني بهدوء: «دعهم يشتمون، إذا كانت الشتيمة تجعلهم في طمأنينة من الإنجاز والتقدم، فأنا سوف أكون إلى جانبها، لعلهم يهدؤون، ويعملون.. ».

ما الذي يفعله السوري الغارق في الكتب والفنون الأخرى؟ البعض يحلو له تحقير (المكرسين) من أبناء الكار، والبعض الآخر، يشعر بالتقاطع الجذري معهم، كأن التجديد والاختلاف توقف عند هؤلاء، وعليه أن يبدأ وينتهي منهم وإليهم. أحدهم يصرخ في المقاهي «أكره العباقرة» على حين لا تجد هذه الكراهية أي قيمة نقدية، النخب لا (تمون) على أقلامها، وصفحات التهليل لتقسيم الصفوف تزدهر وتكبر، قوائم سوداء وأخرى بيضاء، والمصيبة أن الشارع لا يعرف من هؤلاء!
الباحث عن بيت يعود إليه، لا ينتظر مقالة الشاعر أنسي الحاج الأسبوعية في جريدة الأخبار مثلاً، والمنتظر عند باب أفران الخبز، لا يهتم أن وجد مزقاً من مجلة «فكر» وعلى صفحاتها دراسة عن الفنان الراحل لؤي كيّالي، فهو قد مضى محترقاً، ووضع السوري اليوم أسوأ من أيام كيالي، من ثم لن يهتم لمن يشتم كاتباً بسبب موقف، أو يطلق إشاعة على فنانة بسبب غلطة في حوار معها. كل ذاك السجال لا يعني شيئاً أيها السادة، فالمكوث  إلى جانب الانتظار أصبح شأنا ثقافيا بامتياز، وقتل المهتمين بالثقافة والمثقفين لبعضهم، دخل أيضاً ساحة الصراع، فالشتيمة هي (اللوغو) المميز الذي تندرج تحته أسماء نخبوية وثقافية، كنّا نتوقع منها أن ترمّم المجتمع لا أن تعيد تدجينه وتفتيته، أسماء، ربّما، كانت من أكثر المشتغلين في مؤسسات الثقافة الرسمية، ها هي اليوم تشتم كأنها (غيفارا) لم يعترض أحد على أفعالهم وكلامهم، ولكن الجمهور الذي في الشارع لا يفهم الشتم، بل يعتبره ضعفاً وخنوعاً عاماً.
 
أدب التشوّه
هكذا تشاهد الجموع في مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الصحف، مندفعاً نحو زملائه بالسباب، ومستهدفاً إياهم بكل أشكال التحقير والفضيحة، كأنهم فكّوا عن أفواههم رسن (الوصاية) وأصبحوا (أحراراً) في تناول الآخرين، لا ينتقدون الإنتاج الإبداعي، أو المؤسسات التي أخفقت في عملها، نقداً جاداً، أنهم يشهّرون فقط، من باب (الشوارعية) البحتة، طيب، إذا كنا نفترض أن البعض يقترح مشروعاً مشتركاً من أجل الثقافة، ألا يجدر به، كبديل من السائد والمتعارف عليه في أروقة وزارة الثقافة ومكاتب المؤسسات الثقافية، أن يكون بديلاً أفضل؟ كيف يكون ذلك إذا استخدم الأدوات والخطاب الفكري نفسها الذي استخدمته تلك المؤسسات حتى أخفق معظمها؟ والدليل ما نحن فيه اليوم، كل شاعر أو كاتب يتقن شتيمة الشاعر نزيه أبو عفش، مثلاً، يمكن له أن يعتبر (هاضماً) لحضور الرجل في المشهد الشعري، كل من (يكتشف) في فكر أدونيس، تحولاً عن ثوابته، التي زعمها (... ) كما يقال، يصبح هذا الشاتم بطلاً وفاتحاً في الفكر المعاصر.
النكرات تصعد  إلى الواجهة، على حين أن أصحاب التجارب العميقة، يتقهقرون لاختلاط الأوراق وظهور الأجندات المبهمة، لا ثقافة ترجى من الصراع سوى ثقافة الإلغاء، يبدو الأمر في أكثر أشكاله وضوحاً على صفحات السوريين الافتراضية، «لو كان القتل ممكناً، لأطلقوا وابل الكلمات رصاصاً على بعضهم» تسخر إحدى المتابعات لصفحة روائي سوري معروف، تخلّت الفتاة مؤخراً عن متابعته لإغراق خطابه الفكري بالغموض والعنصرية، تقول: «كنت أبحث في ضالتي أثناء الأزمة عن بعض العقول السورية التي يمكن أن أشاهد من خلالها قراءة مختلفة لواقع ما يحدث في بلادنا، فوجدت من المثقف خير محاولة، ولكنهم يعدون على أصابع اليد الواحدة، ومعظم تطلعاتهم رومنسية بامتياز..!».
 
مشاهدات الجحيم
لم يقل أحد إننا مع تقديس الأشخاص وإنتاجهم الإبداعي، لكن، كل عاقل هو يرفض الشتم، إلا إذا كانت مقاربة حالة الخراب وموازاته بالخطاب الفكري ومدى جدواه وطبيعته، هي الحجة في انتشار هذا المرض إذ يقول أحد المثقفين: «العالم عم تموت وقفت عليّ إذا سبيت على سعدي يوسف..!» جاء هذا الكلام في بداية الأحداث حين فجّر الشاعر العراقي سعدي يوسف انتقاداته لتيارات (الربيع العربي) وكتب قصيدة حول ذالك جاء في مطلعها (الدجاجُ، وحده، سيقول: ربيعٌ عربيّ) الرجل الذي في رصيده أكثر من ثلاثين ديوان شعر وجماهيرية وحضور مختلف، شطبت (حركات التحرر) والموالون لـ(الربيع) كل تجربته بجرة قلم، واعتبروه (خرفان سياسياً) لم يسلم صاحب (صورة أندريا) من سموم النضال الافتراضي، فأصحاب الأفكار البديلة الذي وجدوا في نهجهم الراهن، نقداً لـ(الاستبداد) أعادوا إنتاجه عند أول رافض لتجربتهم (الضحلة).
لا أريد أن أقف  إلى جانب أحد، فما يدور في الكواليس عن فرز الناس لبعضها بشكل مؤسف، يوضح لنا ما يحدث في المشهد العام، لعلي أتمعن قليلاً فيما يقول الشاعر والكاتب عادل محمود الذي يتناول الأحداث وقراءة التاريخ من وجهة نظر متوازنة  إلى حد كبير، مقارنة مع القطيع الذي يسير  إلى المجهول (لتسهيل الهجوم على أي شخص... / ولتسويغ الدفاع عن أي شخص... / ثمة أبسط اختراع سوري للتدرب على الاختلاف: أنت مع مين؟/ الثورة أو النظام؟ /في أوساط المثقين، حتى الآن، المعارك بالكلام. / وحتى الآن ما يزال مشكوكاً بموقف ثالث أو رابع)، يقول صاحب (إلى الأبد ويوم) عبر صفحته في الفيسبوك، لكن قلة ممن يتابعون، سيفهمون ما قصد، الجميع هناك يبحث عن (الأكشن) وتعرية اللسان من الأدب، ليصبح المشهد على الصفحات الزرقاء مشابهاً لمشهد الدمار والدم في مناطق كثيرة من البلاد.
من الممكن جداً أن يتغير الناس مع وضع الشارع، لكن أي شارع بقي على حاله، طرقات المدن تكاد ترتجف من هول الكوارث التي حلّت بنا، ولا يهتم لذلك أحد، سابقاً كان الشاعر منذر مصري يرى في التسميّة سؤالاً يمكن الوقوف عنده، تسميته شخصياً، حيث كان موهوباً بالرسم  إلى جانب كتابة الشعر منذ أوائل السبعينات، واليوم ذكر حادثة تلخص درجة الإلغاء التي تعيشها الثقافة السورية بين أهلها ومحيطها: (سابقاً كان الرسامون لا يجدون حرجاً من اعتباري شاعراً كبيراً. أما الشعراء فكانوا يعتبرونني رساماً جيداً كفاية ليطلبوا مني أغلفة لمجموعاتهم. أما اليوم فقد جاء دور السياسيين وأشباه السياسيين، ليعيروني بكوني شاعراً ورساماً ولا أفقه شيئاً في السياسة. وهذا في الحقيقة ما لا يؤسف عليه أبداً) يترك منذر مصري هذا المقطع على صفحته الملونة بالشعر والرسم ويمضي  إلى عالمه وحياته دون اكتراث لما يقال.
 
شتائم مجانية
في الضفة المواجهة نسأل المثقفين الذين يجدون في موقف أدونيس مثلاً مما يحدث في سورية، تعنتاً ومغالاة ومديحاً للسلطة، فتجيب الأغلبية عن أنها لا تختلف مع أدونيس من حيث أهميته بين أكثر عشرين شاعر تأثيراً في العالم، ولكن، نختلف معه من خلال موقفه المناهض «للثورة» على حسب تعبيرهم، كما يتهمه البعض بالعنصرية، حيث يروي الصحفي رفيق قوشحة قائلاً: (طلبت رئاسة جامعة طوكيو من الأستاذ علي أحمد سعيد (أدونيس.. لاحقا) أن يرشح لها أديباً سورية لتدريس اللغة العربية في جامعة طوكيو. فرشح علوش كل من: وفيق خنسة... علي كنعان... والكبير محمد عضيمة! وبالمصادفة كان الثلاثة من جبلة! بمحض المصادفة!) هكذا يبدو متهماً (مهيار الدمشقي) بالتعصب لأبناء قريته، هذا الخطاب في تناوله لا يقل قسوة عن غيره مما كتبه قوشحة حول شتم الرجل إذ يشير: (أحمد علي سعيد.. (أدونيس سابقا).. لا يستحق اسم أحد الآلهة السوريين القدماء! لو كان معنا أدونيس السوري...!) هكذا يذهب أحد المثقفين  إلى الموضوع بمنطقه الخاص المشابه لمعظم الآراء الأخرى حول مؤلف كتاب (الثابت والمتحول).
 
نقد عقلاني
فيما يحضر النقد المتوازن، بعيداً عن كوم الشتائم المحموم، يظهر رأي مختلف لشاعر سوري مقيم بالمكسيك هو علاء الدين عبد المولى، والذي أكد أنه انتقد أدونيس بشكل واضح وصارم: «حتى حين التقيته في المكسيك صارحته برأيي في موقفه. وقلت له إنك منفصل عن الواقع السوري في كثير من كلامك حوله، وإن موقفك كان مغرقا في نخبويته. وكان يمكن تأجيل هذه النخبوية قليلاً أمام ما يحدث في الشارع. ثم انتقدته فيما بعد بفترة بلغة أشدّ، حين قلت إنني أنفض يدي منه أخلاقيا وإنسانياً».
أقول هذا وأنا أحترم كل الاحترام والتقدير شخصية أدونيس. وفي الوقت نفسه الذي اقول هذا عنه، فإنني دائماً أدافع عنه شاعراً استثنائياً ومثقفاً كبيراً ومنتجاً للحداثة شعراً ومفهوماً. لذلك أرفض دائماً لغة الشتائم الساقطة التي تنال منه وتوصيفات الكثيرين الطائفية له. كما يسخر صاحب (مدائح الجسد) ممن يتناول نتاج فكر الشاعر أدونيس مقابل موقفه الراهن: «وأطرف تعليق قرأته بخصوص المعارك التي لا تنتهي حول أدونيس، تعليق كتب فيه صاحبه أن «ثقافة أدونيس لم تغادر قريته». مثل هذا التفكير المنحط على المستوى الأدبي والفكري يدل على خواء هؤلاء وعلى عقدةٍ مستحكمة فيهم أمام اسم أدونيس. ولا يمكنهم الوصول في مستوى نقده  إلى مستوى النقد العقلاني المتزن حتى لو استعملوا كلمات قاسية معه. لكن الشتيمة والانحطاط البذيء لا يعبر عن موقف لا يعبر إلا عن ضحالة صاحبه. ويعبر عن رؤية عنصرية حاقدة وعن جهل مطلق بمن هو أدونيس حتى لو كان أدونيس خصمي في هذه المرحلة، عليّ أن أنتج خطاباً مضاداً له يعتمد مبدأ الخلاف والمحاججة. وهو مبدأ يعجزون عنه مع الأسف. (بل عجز عنه حتى مثقف كبير معروف حين حاجج أدونيس في موقفه من إيران!)».
يبدو خطاب عبد المولى الأكثر موضوعية، يدل على مدى تعمقه في قراءة (خصمه) في الثقافة ربما، في السياسة، في الموقف، لكنه لا يلغي الآخر: «هؤلاء وجدوا فرصة رخيصة انتهزوها ليمارسوا فعلاً شكلاً من أشكال القتل الذي يمهد للقتل الحقيقي، فالقتل الرمزي بهذه الطريقة يساعد على خلق مناخ متوتر يودي للقتل المادي. وذلك نوع من الاستبداد طبعاً وهو استبداد مشرش في لا وعينا مع الأسف ويحتاج للكثير من العمل حتى ننقي خطابنا منه، وهو أساساً يتعارض بالمطلق مع ما ندعيه من حرية وثورة».
ويختم صاحب (تراجيديا عربية): «أما أن ينط من هبّ ودبّ من صغار الكتبة والكسبة والنقدة والشعارير والشواعير، لينطح أدونيس الشاعر، فتلك صعبة جداً على الجميع، بل مستحيلة استحالةَ وصولكم  إلى ظلال أدونيس الشاعر. ارفضوه وانتقدوه كما شئتم، هذا حق لا أحد يماري فيه، ولكن حين تصلون  إلى الشاعر أدونيس، عليكم رفع القبعات طويلا.. وربما بقيت مرفوعةً!».
ليس موقفاً أخلاقيا حتى، أن يلهث لاهثون، ليصفّوا حساباتهم المزمنة مع شعر أدونيس بحجة موقفه المرفوض من سورية. لأن هذا يعتبر انتهازا بالحرف الواحد. ومصادرة للفكر الحر الذي يقتضي أن نتناول الأمور في سياقها المنطقي. «رفضُنا لأدونيس في مواقفه السياسية منفصل كل الانفصال عما يفترض أنه خمسون سنة من الشعر والثقافة والإبداع»، وهي تبدأ قبل آذار 2011. لن يستطيع ناقد ومؤرخ ومحلل للحداثة الشعرية في المجتمع العربي، أن يقفز فوق أدونيس... حتى لو كان أدونيس في السلطة نفسها. فتذكروا هذا... أن كنتم تريدون بناء موقف نقدي عقلاني» يضيف عبد المولى.
 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا