طيور مهاجرة وحياة شاقة

رئيس التحرير
2019.06.16 01:27


كانت هجرة بعض أهالينا من بلاد الشام إلى أميركا شمالاً وجنوباً أواخر القرن التاسع عشر وفي القرن العشرين تجربة قاسية شديدة المرارة فإن واحداً من كل مئة- تقريباً- استطاع أن يعبر حاجز الفقر، والعوز، وينتقل إلى شاطئ الأمان اقتصادياً... ظنوا أن تلك البلاد جنان ممتدة تفتح لهم أبواب الرزق بلا حساب. وهكذا سجل شعر أولئك المهجريين منذ بداياتهم حال الأسى التي تلفّ ظروفهم وأحوالهم:
- لفقدان ذلك الأمل المتوهم بالغنى السهل السريع.
- ولطول معاناتهم، واضطرارهم إلى أعمال صعبة شاقة خيرها قليل... بل هو أحياناً كثيرة: قليل جداً.
- ولثوران الحنين إلى الأهل والبلد والناس واللغة وكل شيء... مُهمّاً كان أم تافهاً... غير أن الهجرة استمرت بعد ذلك بأسباب مختلفة، وهي هجرة مؤقتة حيناً (لرفع المستوى المادي الاقتصادي) وهجرة طويلة، قد تنتهي بالاستقرار وتبديل وثيقة السفر أحياناً أخرى.
وقد شجّع على الانغماس في الهجرة، والاستقرار النهائي في بلد الاغتراب اهتمام تلك البلدان بالمبدعين، والبارعين، وأهل الخبرة، وأصحاب الصنائع الدقيقة، والتجار، وغيرهم، وإعطاؤهم جوازات سفر وجنسية جديدة... لم يعودوا- الآن- طيوراً مهاجرة، لقد انقلبوا إلى طيور متوطنة... وصار خيرهم، وخبراتهم، ووجوه نشاطهم، وعطاؤهم، وإبداعاتهم للبلد الجديد الذي استحوذ عليهم بالرضا، وحسن المعاملة، وإتاحة الفرصة، وبفائق التقدير والاحترام.
ويوصف هذا الذي يجري من انتقال البارعين والمبدعين العرب إلى بلاد أخرى، وانتمائهم- نهائياً- إليها بأنه: (استنزاف فكري) ويسمون هذه الرحلة من بلد الأصل إلى بلد الاغتراب، والاستقرار النهائي (هجرة الأدمغة)... ويقول بعض الاقتصاديين إن هذا الأمر يُعَدّ خسارة اقتصادية فادحة للدولة الأم... لقد ربّت، وعلّمت، ورعَتْ، وكَبّرت، وهَيّأت... ودفعت في ذلك- دولة وأفراداً- المبالغ الباهظة... ليصب ذلك كله في حساب الدولة الجديدة التي تستقطب العقول والخبرات، وتضم إليها دون مقابل مادي: هؤلاء النابهين، والبارعين، والنوابغ... خسارة فادحة للدولة الأم، وربح مجاني للدولة المستقطبة المضيفة.
إننا، ونحن نبحث في سبل النهضة الموازية لما عليه سائر الأمم الآن، في حاجة إلى مراجعة سريعة لعمل الجامعات والمعاهد، وإلى تطوير مراكز البحوث والدراسات، وتوسيع مهامها، وتوفير المصادر الدائمة لها. وشيء آخر شديد الأهمية: هو أن نتعامل- نحن العرب- في موضوع البحث العلمي، والمراكز المتابعة لذلك على أن طاقات الأمة جميعاً موظفة لهذا الغرض. يلزم أن نتنازل- هنا على الأقل- عن الانعزال القطري الذي يؤثر سلباً، ويحرم هؤلاء الباحثين من التلاقي، والتعاون، ومن الاستفادة من الإمكانات المتاحة، ويلزم أن تكون هناك خطط واضحة مدروسة تنظر إلى اليوم، وإلى الغد وفق برامج دقيقة، ومراحل يتبع بعضها بعضاً... وهنا نقول: ينبغي على الأمة أن تجذب أبناءها الذين استقروا في الخارج، وأن تجعل في جملة عوامل الترغيب والتشجيع وجود ما يؤيد قناعاتهم بإمكان المتابعة العلمية من الجهات المختلفة.
في أواخر أيام سنة 2008، وفي دولة الكويت منح ثلاثة من الباحثين العرب جوائز التقدم العلمي التي تنظمها كل عام مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، في بادرة عظيمة ممتدة منذ القرن الماضي، قدمت اثنتان علميتان لباحثة من لبنان أستاذة جامعية، وباحث من مصر، وهو أيضاً أستاذ جامعي، وكلاهما يعش في الولايات المتحدة منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً. ونلت أنا جائزة الآداب والفنون، وأنا أقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة منذ عشرين عاماً... وقد دُعِيَ أحد الفائزين القُدامى بجائزة التقدم العلمي ليشهد الاحتفال- على عادة جارية عندهم في ذلك- وكان من القطر العربي السوري، ولكنه مقيم نهائياً أيضاً في الولايات المتحدة!...
طاقاتٌ، ووجوه إبداع، وتقدم علمي جدير أن تكون هي ومثيلاتها في هذا الوطن العربي الممتد، في خدمة الوطن وفق برامج فعالة قاصدة لتصب تلك الجداول النائية في نهر الوطن... داخل الوطن...

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا «Game of Thrones»أسطورة وتاريخ و14 مسلسلاً ينافسه وسيلفستر ستالون: ممثل فاشل