نبيه البرجي:لم يأتوا من فراغ بل من الفراغ

رئيس التحرير
2019.08.17 08:53


لا نجرؤ على ان نلقي بالمسؤولية على الله. نكتفي بأن نلقي بهذه المسؤولية على… التاريخ!
لم يأتِ الاسلاميون من فراغ، بل من الفراغ. اين هي المنظومة الفكرية والفلسفية التي تتولى صياغة الشخصية السوسيولوجية لمجتمعاتنا؟ اجل، نلقي باللائمة على التاريخ. واذا كان الارمن يرفعون الصوت احياء للابادة الجسدية، وربما الجغرافية، التي تعرضوا لها على يد العثمانيين، فإن العرب تعرضوا لما هو اكثر مأسوية بكثير: إبادة الزمن…
ألا ترانا ندور الآن حول الزمن كما لو اننا ندور حول جثة؟
ونتساءل لماذا يتم تضليلنا بتلك الظاهرة الافتراضية التي تدعى العالم الاسلامي؟ ولنتصور ان هناك من يتحدث عن العالم المسيحي او العالم البوذي، فالمصطلح عبثي وخادع، فيما العالم العربي مصطلح واقعي الى حد ما، وان كانت العقود الاخيرة، والهزات الاخيرة، والحروب التي تدور رحاها الآن اثبتت ان العالم العربي ليس اكثر من مستودع للقبائل. الاحرى مستودع للغرائز.
الفراغ الذي نعيشه منذ قرون هو الذي كرس ذلك التقاطع السيزيفي بين اساقفة الغيب واساقفة الدم. واذا كان هناك من يقول ان الاسلام انتهى، ايديولوجياً، بانتهاء الحقبة الراشدية، فإن هناك من يرى ان الاسلام انتهى فلسفيا بوفاة ابن رشد في نهاية القرن الثاني عشر. ما نشهده الآن ليس سوى اجترار ميكانيكي، ودموي، للتيه!
حتى كارل ماركس نجحنا في تحويله الى شيخ قبيلة. ولكن كان علينا ان نملأ ذلك الفراغ، بل وان نراقص الركام، بأي شكل من اشكال السفسطة اللغوية او السياسية او الايديولوجية. قطعان بشرية هائمة على وجهها ويقودها رعاة من القرون الوسطى التي لم يخرج العرب منها قط، فالجامعة العربية ليست اكثر من لوياجيرغا ناطقة بالعربية الفصحى و المملة والخالية من اي معنى، فيما السوق العربية المشتركة التي وضعت اسسها قبل اتفاقية الفحم والصلب في القارة العجوز وقد ظلت تتطور منهجيا حتى كان الاتحاد الاوروبي، بقيت، بدورها، في ثلاجة القبائل. أليس الربيع العربي، بتجلياته الدموية، دليلاً آخر على اننا لا نزال ذلك الهباء البشري الذي لا يعرف اين يحط رحاله بين سراويل القياصرة ام بين سراويل السلاطين، ناهيك بسراويل القناصل..
من الطبيعي ان يظهر الاسلاميون وسط ذلك الفراغ ليحولوا الديانة الى ايديولوجيا، بعدما كانت الايديولوجيا (لا سيما الشيوعية والفاشية والنازية) قد تحولت الى ديانة. ولكن هل حقاً ان الذي امامنا هو إله المسلمين (الرحمن الرحيم) ام اله البرابرة؟
لاحظوا الى اين يمضون في ثقافة الاجتثاث. انهم ينبشون القبور ويثأرون حتى من عظام الموتى. لا بد من الغاء الآخر ولو كان ضريحاً او تمثالاً او حتى هيكلاً عظمياً…
ألم يفعلوا ذلك في مصر، حيث نافقوا وراوغوا حتى اذا ما تسلموا السلطة حاولوا الغاء كل من هو خارج الفسطاط، فسطاط» الاخوان المسلمين»؟ ألم يفعلوا ذلك في تونس، حيث لم يتحملوا تلك الصيغة الملتبسة بين راشد الغنوشي والمنصف المرزوقي؟ ماذا عن ليبيا التي يلاحق فيها الاسلاميون، وعلى ذلك النحو الفوضوي، بل على ذلك النحو الهمجي، كل من يعتبرونه خارج مفهومهم للاسلام، حتى ان شاعراً هارباً من هناك (عبد السلام عرفة) يتحدث عن فتوى بقطع رأس القمر؟
بل ماذا عن العراق، لمن يتذكر الحضارة السومرية بمرثياتها الكبرى، ولمن يتذكر شرائع حمورابي، ورؤى نبوخذ نصر، ناهيك عن بلاط المأمون الذي اراد ان يستضيف كل فلاسفة الاغريق، بل وكل فلاسفة الامم في بلاطه؟ المتطرفون الاسلاميون من كل جانب تحولوا الى ذئاب. لا بل ان احدنا، وهو يتابع تلك البانوراما الدموية اليومية، لا بد ان يعتذر من…الذئاب؟
مهزلة ألا يقال ان القياصرة الغرب وسلاطين الشرق لا يعملون على تفعيل تلك الظاهرة البربرية (غريب اولئك الاسلاميون الذين يهدمون الكعبة حجراً حجراً، ….!).
لكن الذي حدث في مصر، ويحدث في تونس، وغداً في العراق وليبيا وسوريا، يعني ان التجربة إياها لا بد ان تتفكك وان تتحطم، وان بعد معاناة دموية يفترض ان تكون قد اقتربت من نهايتها…
ليس مهماً من يقف في وجههم لان ديكتاتوريتهم فاقت اي ديكتاتورية اخرى. حتى الموتى وضعوا وراء القضبان او على حبل المشنقة، ودائماً لان الههم قال هذا. بصوت عال نقول ان الههم الملطخ بكل اشكال الدم ليس الهنا الذي يقتضي ان نكون على صورته،بشراً اسوياء، ومبتغاهم التماهي مع الآخر، بالقلب وبالعقل، لا اجتثاثه حيناً بالساطور وحيناً بالفتوى…

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
  ذكور ضفادع القصب تذعن قبول ممارسة الحميميه مع ضفدع مثلي ليتجنب أن يؤكل.  لحظة لا تصدق: حيلة الاخطبوط العجيبه كارنافال ترامب : لتحسين عمليات التحقق من مالكي السلاح وتعديل الهجرة بعد مجزرتي إل باسو ودايتون  فرنسا:الزام جميع أسطح المنازل الجديدة بتغطيتها في النباتات أو لوحات #solar عكس كندا ؟؟ شوووووب:شاهد: كيف يبرد السكان أجسامهم بعد أن اجتاحت موجة الحرارة الشديدة الدول الاسكندنافية اتهامات لوائل كفوري:ضرب وحبس وعنَّفَ طليقته وانفصال الممثلة هنا شيحة ووفاة الممثلة البحرينية صابرين  "ويلا" غوريلا تتبختر وتتمنفخ امام والدها وزوار الحديقه مشاهد رافقت انتصار الجزائر اخترناها لك قد تزيد من جعل يومك جيداً  ان لم تستخدم تطبيق FaceApp بعد..احذر أن تعطي روسيا معلومات أخطر مما تتخيل