رحيل رفيق الصبّان.. السينما كحياة كاملة

رئيس التحرير
2019.06.25 14:38


كان اليومان الفائتان مُثقلين بخَطَب كبير. الحالة المصرية مرتبكة. لم تخرج من محنتها الدموية بعد. لم تعثر على ما يفتح الأفق المسدود. في اليومين الفائتين هذين، في ظلّ التشنّج والتمزّق والهلع في أحياء القاهرة وفضاءاتها المفتوحة على احتمالات شتّى، توفّي مخرج وناقد سينمائي. أمضى الأول، وهو توفيق صالح، ثلاثة وثلاثين عاماً في صمت يطرح تساؤلات. لكن الثاني، على نقيضه، شغل المدينة بحضوره وكتاباته وحيويته إلى اللحظة الأخيرة (أو إلى ما قبلها بقليل)، إلى أن خذله القلب، الذي توقّف بعد أسبوع من معاناة أمضاها الناقد في مكافحة خلل في الكلى أفضى إلى أزمة قلبية لم ينتصر عليها من أجل مزيد من الكتابة. بل من أجل مزيد من الحياة.
رفيق الصبّان (1931 ـ 2013): كاتب مسرحي سوري اختار، كأسلاف ومجايلين، الذهاب إلى القاهرة، المدينة المعشوقة. رفيق الصبّان هو نفسه الذي بات في القاهرة أحد النقّاد البارزين وكتّاب السيناريوهات السينمائية. كتب وناقش وشارك في حوارات وندوات. تابع وقدّم وقرأ وحلّل. كتاباته النقدية تثير سؤال الفعل النقدي في النص المكتوب، لكن اللحظة لا تتلاءم ونقاشاً يُراد له أن يكون صائباً في تبيان جوهر الحكاية النقدية. سيناريوهاته شكّلت منعطفات في مسار إبداعي أراده الصبّان تفعيلاً لسينما كانت، يومها، أم السينمات العربية، قبل أن تنافسها، بجدارة حقيقية، سينمات دول عربية ممتدة من الخليج إلى المحيط. لكن هذا لا يعني إطلاقاً أن مقالاته لم تمتلك جدّية في التنقيب والتفكيك الفنيين لعمل من هنا، أو لنصّ من هناك. وسيناريوهاته السينمائية (25 فيلماً) والتلفزيونية (16) باتت اليوم، إثر اكتمال دائرة الحياة بموت صاحبها، مادة حيّة لتحليل نقدي سليم.
إذاً، يُفترض بكتابات رفيق الصبّان أن تخضع لتشريح نقدي، لا يقلّ أهمية عن تشريح نصوصه السينمائية والتلفزيونية، هو القادم إلى القاهرة من اشتغال مسرحي سوري. من هذه النصوص، يتبادر إلى الذهن بُعيد قراءة نبأ رحيله، «ليلة ساخنة» (1996) لعاطف الطيّب، أحد أجمل الأفلام التي غاصت في أعماق البيئة الإنسانية للطبقة الشعبية، من خلال سائق سيارة أجرة (نور الشريف) وعاهرة (لبلبة) يجولان في الشوارع ليلاً، ويسعيان إلى الخروج من تلك الدوامة القاتلة التي تحيل الحياة اليومية للفقراء إلى جحيم لا يُطاق. ولئن أتقن عاطف الطيب في تصوير المحنة الإنسانية بأسلوبه الواقعي القاسي والشفّاف في آن واحد، فإن النص المكتوب بدا واضحاً في قدرته على تفكيك الحكايات المستلّة من قعر المجتمع، والمأخوذة من قسوة الحياة وشفافية الكتابة في صناعة عالم من التساؤلات المريرة. وهذا كلّه في مقابل «الباحثات عن الحرية» (2005) لإيناس الدغيدي، الذي ارتكز على قوّة المادة الإنسانية المتوغلة في واقع المرأة وبحثها الدؤوب عن حرية وعدالة واتّزان في التعامل معها، والذي ابتُلِيَ برداءة التحقيق السينمائي لمخرجة اعتادت إثارة الغرائز بدلاً من تحريض العقل على الاجتهاد والتفكير. لكن بدايته السينمائية ككاتب سيناريوهات تعود إلى مطلع السبعينيات المنصرمة، عند انتقاله إلى القاهرة: في العام 1972، أُنجز فيلم «زائر الفجر» لممدوح شكري ومحمد حسونة، ولمنتجته الممثلة ماجدة الخطيب، التي تعرّضت لخسارة فادحة، إذ منع الفيلم من العرض بعد أسبوع واحد على إطلاقه تجارياً، لما فيه من قوّة تحليل سينمائي لواقع الحال السياسي/ الاجتماعي/ الإنساني في مصر (أُطلقت عروضه التجارية في ظلّ نظام أنور السادات): هل توفيت الصحافية نادية (الخطيب) أم قُتلت، هي التي كتبت بجرأة، وفضحت بجرأة، وشاركت في عمل ثوري أفضى بها إلى خاتمة بشعة؟
أياً يكن، فإن رفيق الصبّان طوى، برحيله أمس الأول السبت، حقبة سينمائية أتقن في صناعتها، بمساهمته الجدّية في الكتابة لها وعنها.

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا