الوجه المسروق...رواية.. ألم وأنين.. وأسئلة حائرة!

رئيس التحرير
2019.06.23 17:43

 

 رواية لكاتبة من أفغانستان اسمها (لطيفة)، وهو بالطبع اسم أولي، أو قل على مذهب أهل المقاومة، إنه اسم حركي، وعنوان الرواية (الوجه المسروق)، وهي صادرة ضمن سلسلة (الكتاب للجميع) التي تصدرها بعض الصحف العربية (كالسفير اللبنانية) في مطلع كل شهر على شكل كتاب جيب، وقد قام بترجمة الرواية المترجم إسماعيل حلمي (لم يقدم عنه أي تعريف).. تقع الرواية في نحو (190) صفحة من الحجم الوسط، وقراءتها قد تستغرق من الوقت زهاء ساعة ونصف الساعة.

 
الرواية، وأقول رواية تجاوزاً، تتحدث عن أحوال أفغانستان بلداً، ومكاناً، وبشراً، وأحداثاً، وسياسة، وأحلاماً، ووقائع، وأخباراً، وولاءات، ومخاوف، وتغيرات،.. خلال العقود الثلاثة المنصرمة، فتقفُ على نحو قصدي وتمثيلي عندما تعرضت له أفغانستان من أحداث عصفت بهياكلها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والاجتماعية، عبر تواريخ حديثة اتسمت بالقتل، والدموية، والخوف، وتغليب فئة على فئة، وطائفة على أخرى، وقبيلة على قبيلة، وجماعة على جماعة، وحزب على حزب.. عبر تحالفات داخلية وخارجية نسجتها أيدي مغسولة بدم المصالح والمنافع والغايات المتهافتة التي لا تطاول معاني الوطنية ولو بالأحلام.
 
الحرب وما أعقبها
 
تقف الرواية عند عام 1979، وهو عام التدخل العسكري السوفييتي في الشؤون الأفغانية، وما نشأ عنه من أعمال مقاومة رافضة لهذا التدخل، والأحوال السياسية، والثقافية، والاقتصادية التي كرسها هذا التدخل السوفييتي عبر النهج الاشتراكي، ومن بعد تغلق الرواية قوس هذا الاحتلال السوفييتي عند عام 1989 الذي هو نهاية هذا الاحتلال وجلاء القوات السوفييتية وما أعقب ذلك من حرب أهلية أفغانية شارك فيها مقاتلون من أثنيات مختلفة، وتيارات عقائدية ودينية مختلفة أيضاً، وخصوصاً تلك المواجهات التي حدثت بين جماعة أحمد شاه مسعود (الطاجيكي)، وجماعة قلب الدين حكمتيار (البشتوني)، وحالات التبادل في المواقع، والانتصارات، والهزائم، ومن بعد دخول باكستان على خط الحرب الأهلية الأفغانية من خلال جماعة [طالبان] والدعم الذي كسبته من بعض المقاتلين العرب (جماعة بن لادن) وبدء استيلائها على بعض المناطق والمدن الأفغانية، ومنها (قندهار 1994) و(جلال آباد وكابول 1996)، ثم (مزار الشريف وغيرها من المدن والبلدات الأفغانية 1998)، وبعد ذلك مقتل أحمد شاه مسعود عام 2001 القائد الأفغاني الذي بقي في مواجهة (طالبان)، وأخيراً احتلال الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا لأفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 إثر تفجير مركز التجارة العالمي.
 
الحرب والمجتمع
وبعيداً عن هذا العرض التاريخي الذي تبدو ظلاله وتأثيراته جلية في جميع الطبقات الاجتماعية الأفغانية، وفي جميع الأمكنة، لأن الرواية تقف عند الجانب الاجتماعي تحديداً، فتبدي ما يجيش في النفوس تجاه مشهديات القتل والترويع والسرقة والنهب والحجر على الحريات والتطاول على القيم وأحوال الثقافة والتربية والتعليم، وفرض الإقامات الجبرية على الناس في البيوت والأحياء، ومنع الحركة والتنقل بين المدن الأفغانية، وداخل المدينة الواحدة، وحظر السفر إلى خارج الحدود الأفغانية إلا على نحو ضيق، وضيق جداً، وبيان أحوال الليل والنهار المحتشدة بالارتباك والاضطراب والخوف والأسئلة والقلق على المصير الشخصي، والمصير الوطني في آن واحد.
تجهر الرواية (الوجه المسروق) بالمسكوت عنه داخل البلاد الأفغانية، فتبدي حالات القضم والهدم والتدمير لثقافة وطنية، وقيم وعادات وتقاليد وأعراف أفغانية.. أقام صرحها الأجداد بوصفهم صنّاع التاريخ الأفغاني، واستبدالها بثقافة أخرى، وقيم وعادات وتقاليد وأعراف يراد لها أن تكون وطنية جديدة، وتاريخاً جديداً، وسيرورة حياة وعلاقات اجتماعية جديدة أيضاً، وكل هذا الإبدال لا يتم بخيار الناس ورغباتهم، وإنما يتم بالهيمنة والسطوة، والتخويف، والإرهاب، والمراقبة الصارمة، والإلزام، والإكراه، تحت لافتات عقائدية محتشدة بكل صور التشدد والتطرف التي لا تطيقها النفوس، ولا الطبيعة البشرية، ولا القيم السامية، ولا النزعة الإنسانية أصلاً.
 
القيم والثقافة والسياسة
إن الرواية تشير بوضوح إلى أن السوفييت بمجيئهم كمحتلين للأراضي الأفغانية، رفعوا أنموذجاً إرشادياً للقيم، والثقافة، والتربية، والسياسة، ووضعوا بدلاً منه أنموذجاً إرشادياً جديداً للقيم، والثقافة، والتربية، والسياسة للشعب الأفغاني يماشي العقيدة الاشتراكية وتوجهاتها من دون النظر إلى واقع البنية الاجتماعية الأفغانية، والسؤال ما إن كانت (البلاد) مستعدة وقبولة لمثل هذا الإبدال الجديد، كذلك فعل الأمر ذاته من جاء بعد السوفييت (أحمد شاه مسعود) من جهة، و(قلب الدين حكمتيار) من جهة أخرى، ثم جماعة طالبان التي فتكت بالطرفين، وأخيراً مجيء الأميركيين كمحتلين جدد في عام 2001 وما فرضوه من أنموذج إرشادي جديد للتربية، والثقافة، والقيم، والسياسة. وهذا كله كان يحدث في كتلة، والشعب، عبر انقطاعه وعدم استشارته في كتلة أخرى، الكتلة الأولى تأمر بالقوة والسلاح مستخدمةً أساليب الهيمنة والزج في السجون والقتل، والكتلة الثانية تنفذ مرغمةً وهي طي الخوف وقلة الحيلة وانعدام وسائل التعبير والحريات.
 
الأنا والضمير المتكلم
الرواية تنهض على ضمير المتكلم الذي تتحدث به الكاتبة (لطيفة)، وهذا هو اسمها في أسرتها أيضاً فتجعل من بيتها مكاناً صغيراً يمثل أفغانستان كمكان واسع رحب، وتجعل من أفراد أسرتها تعددية لأصوات لها نبر مختلف وهي تتلقى الأحداث كقضاء مبرم، وتجعل من زمن احتلال جماعة طالبان (1996) لـكابول العاصمة وجلال آباد فاصلة زمنية تعود إلى الوراء قهقرى إلى ما قبل دخول القوات السوفييتية عام 1979 فتبدي مشهديات البلاد كمكان، وبشراً، وتواصلاً، وحميمية، وأمناً، وهدأة بال شاسعة، وما مر بها من أحداث وحادثات وويلات ونكبات دموية ومشهديات نواح في المقابر والشوارع والساحات والبيوت والحدائق، وحالات فقد ولوعة وأسئلة حارقة لوابة تدق باب الغياب بحزن عميم بعد سلسلة من الاحتلالات والهيمنة القاهرة.
تفتتح الرواية صفحاتها وأسطرها بدخول فرهد ابن عم (لطيفة) وقد حال لهاثه واضطرابه وخوفه ومفاجأته.. دون إتمام مقاطع جمله وكلماته، ولكن الخبر الذي أراد إيصاله لأسرة عمه فحواه: هو أن (الطالبان) دخلوا كابول، ووضعوا علماً أبيض فوق المسجد! وحين يخيم الخبر الطالع على الأسرة يخيم الصمت والأسى والحزن، وتبتلع اللهوات الكلام والتمتمات، وتحوّم الهواجس والمخاوف والأسئلة داخل البيت الصغير، وتطير الرؤوس بأهلها نحو نوافذ لم تجترحها الذوات بعد!
لقد جاء فرهد، لكي يهدئ نفسه مما رأى، وليس لينقل الأخبار فقط، لقد قال لهم، حين آنسه الاجتماع: لقد شنقوا نجيب اللـه وأخاه في ميدان أريانا! عندئذٍ صار الخبر شخصاً من الزنج يركض في غرف البيت مثل شرارة وسط عتمة مطبقة، وبهذا الخبر.. تكرّ الأخبار، فجماعة طالبان، يحبسون النساء في البيوت، يمنعونهن من الخروج، والتجول، يمنعونهن من العمل، ومن الذهاب إلى المدارس. فالنساء في عهد طالبان لم تعد لهن حياة، أنهم يأخذون البنات الشابات بالقوة من أجل إمتاع المقاتلين، وقد يعدن إلى أهاليهن، وقد لا يعدن، ومن ترفض الانصياع والطاعة.. تقتل، ولا حل آخر، لا نقاش، ولا حوار، ولا آراء، ولا مشاورات، ولا عواطف.. فالعلاقة هنا، وفي ظروف الحرب علاقة ميكانيكية، تشبه علاقة المسننات الحديدية التي يتعشق بعضُها بعضها الآخر، أما الرجال فيؤخذون تجنيداً بالإكراه إلى حلقات جماعة (طالبان)، يقادون بالقوة الجبرية، ولا أحد من (الطالبان) يسمع ما يقولونه، لا أعذار، ولا استثناءات، إنهم يدهمون البيوت يفرغونها من الرجال الكبار في السن، ومن الشباب في آن، ويدمرون كل ما لا يتناسب مع أفكارهم ومعتقداتهم، يدمرون الأجهزة الكهربائية، وخصوصاً أجهزة التلفاز، والصحون اللاقطة، وأجهزة بث الموسيقا، والأشرطة، والاسطوانات، ويحرقون الألبسة التي يعدونها فاضحة، وأدوات التجميل التي يعدونها بدعة، ويتفقدون ويسألون عن (التشادور) الخاص بكل امرأة أو فتاة، وعن غطاء الرأس، ويحرقون كل الأحذية التي لونها أبيض، لأن علمهم أبيض، فهم من غير المعقول أن يسمحوا لأحد ذكر أو أنثى أن يلبس حذاءً أبيض بقدميه، ففي ذلك إشارة احتقار لعلمهم! وحين يهم فرهد حامل الخبر إلى أسرة عمه بالخروج يوصيه عمه (والد لطيفة) بأن ينتبه لنفسه، وأن يحذر منهم؛ من (الطالبان) لأنه قرأ وسمع بأنهم (وهم يدخلون المدن ويحتلونها) يضربون الناس بالسياط في الشوارع، وينهرونهم ويزجرونهم من أجل التخويف والترهيب، وخصوصاً هؤلاء الذين لا لحى لهم! وحين يخرج (فرهد) يتسمر عمه (والد لطيفة) قرب النافذة.. كي يراقب حركة الشارع الخالي معظم الوقت!
بهذا الخبر الصغير.. تتغير حياة، وعادات، وتقاليد، وسلوكيات أفراد أسرة (لطيفة)، فالآن غير مسموح برؤية التلفزيون، ولا سماع الموسيقا، ولا الخروج إلى الملاعب أو الحدائق لممارسة الرياضة الشخصية، ولا انتعال الأحذية الرياضية ذات اللون الأبيض، ولا الخروج إلى الخياطة، ولا إلى المحال التجارية من دون محرم.
وحين تتحدث «لطيفة» عن أسرتها، تقول إنها أسرة صغيرة متحابة، متحدة، متدينة، وليبرالية، الأب تاجر (وقد دُمرت تجارته) وهو بشتوني، والأخت الكبرى (شكيلة) تزوجت وأقامت في بيت أهل زوجها، وتنتظر وصول دعوة للحاق بزوجها الذي يعمل في الولايات المتحدة الأميركية، والأخت الثانية (ثريا) عمرها عشرون سنة تعمل مضيفة جوية في شركة الطيران الأفغانية (آريان) منذ كانت في السابعة عشرة من عمرها، ترتدي الثياب القصيرة، والسراويل الطويلة، والآن ما عاد بإمكانها أن تلبس هذه الملابس لأنها محرّمة في عرف (الطلبان)، والفرد الثالث في الأسرة (داوود) طالب في كلية الاقتصاد، أما الأخت الثالثة، والفرد الأخير (الأصغر) في الأسرة، فهو (لطيفة) ابنة ستة عشر عاماً، أجرت اختبارات المسابقة الصحفية لكي تغدو صحفية، وهي المهنة التي حلمت بها طويلاً لكي تسافر إلى خارج البلاد، وتصبح مشهورة، أما الابن البكر للأسرة: فهو الأخ الأكبر (وحيد) الذي كان ضابطاً في الجيش الأفغاني ظل الاتحاد السوفييتي، ثم التحق بالمقاومة التي قادها (أحمد شاه مسعود)، والأم وهي (طاجيكية) لم تكن محجبة، وقد كانت تلبس الثياب القصيرة، عمرها يتجاوز الثامنة والأربعين عاماً بقليل، وهي متقاعدة عملت في المشافي في وظيفة [كبيرة الممرضات]، ثم عملت طبيبة بعد دراسة تكميلية، وقد راحت في أثناء وجود (الطالبان) تستقبل النساء المريضات خلسة من أجل أن تعالجهن بعيداً عن أعين (الطالبان) لأنهم منعوا النساء من مزاولة العمل حتى وإن كن طبيبات... لقد وقعت الأم فريسة مرض نفسي شديد الخطورة، لأنها تركت العمل رغماً عنها، ولم تعد قادرة على تقديم أي خدمة للناس، ولأنها أجبرت على إنزال الصور العزيزة عليها المعلقة على الحيطان، مثلما أنزل زوجها (والد لطيفة) البنادق الأثرية التي ورثها عن أبيه وجده، وحملها لكي يسلمها إلى المسجد حيث تتجمع الممنوعات، ومنها الأسلحة، حتى وإن كانت أثرية، وذلك بناءً على التحذيرات والدعوات والتعليمات التي يبثها راديو كابول والتي تقول: يجب على كل شخص لديه سلاح أن يسلمه إلى أقرب موقع عسكري أو إلى أقرب مسجد، وإنه ليس للبنات والنساء الحق في العمل خارج المنزل، وعلى المضطرات منهن للخروج من بيوتهن أن يكن مصحوبات بمحرم (أب، أخ، زوج)، وإنه سوف تخصص سيارات عامة للنساء وأخرى للرجال، وإنه على الرجال أن يتركوا لحاهم تنمو وأن يحلقوا شواربهم حسب الشريعة، وأن يعتمروا العمامة أو طاقية بيضاء، ويمنع ارتداء البذلة وربطة العنق، ويكون ارتداء البزة الأفغانية والتقليدية إلزامياً، وعلى النساء والفتيات ارتداء (التشادور) وعدم ارتداء ملابس فاقعة اللون تحت (التشادور)، ويمنع طلاء الأظفار وأحمر الشفاه ووضع المكياج، ولا بدَّ من تأدية الصلوات في أوقاتها، وفي أمكنة التواجد، ويمنع تعليق صور الكائنات البشرية والحيوانات في البيوت، ولا يحق لامرأة أن تركب سيارة أجرة من دون وجود محرم معها، ولا يحق لأي طبيب أن يمس جسد امرأة بذريعة الفحص الطبي، كما لا يحق للمرأة الذهاب إلى خياط رجالي، ولا يحق لفتاة تبادل الحديث مع شاب، وإذا ما حدث ذلك.. يزوج المخالفون فوراً بعد ارتكاب هذه المخالفة، ولا يحق للأسر المسلمة الاستماع إلى الموسيقا ولا حتى في أثناء الاحتفال بالزواج، ويمنع على الفتيات المخطوبات ارتياد صالونات التجميل حتى في وقت الإعداد للزواج، ويمنع على الأسر المسلمة إعطاء أبنائها أسماء غير إسلامية، وعلى غير المسلمين (الهندوس واليهود) أن يرتدوا ثياباً صفراً أو قماشاً أصفر اللون. وأن يميزوا بيوتهم بعلم أصفر من أجل التعرف إليها، ويمنع على كل التجار بيع المشروبات الكحولية، وعندما تعاقب الشرطة مخالفاً لا يحق لأحد أن يطرح أسئلة أو أن ينتقد، وكل مخالف لمراسيم الشريعة سيعاقب بالساحة العامة، وبناءً على هذه التعليمات تمضي الأسرة (أُسرة لطيفة) بكل أفرادها في أشغال لتأهيل غرف البيت لتكون مناسبة وملتزمة بقرارات وتعليمات الراديو التي كانت تبث بين ساعة وأخرى فأخفيت الحاجيات والأغراض الخاصة بالفتيات، كما أُخفيت صور الأجداد، والأحذية ذات اللون الأبيض، والملابس الملّونة والقصيرة، والأشرطة الموسيقية، والتلفزيونية، والسينمائية، حتى إن (لطيفة) تطلب من والدها أن يطلق طائر الكناري من قفصه ليكون حراً تعويضاً عن حال الأسر التي صارت إليها الأسرة، والمؤلم أن هذه التعليمات والأوامر كانت في ازدياد يومياً، كأن تطالب بعدم امتلاك الكلاب أو الطيور، وبأنه ممنوع الصفير أو امتلاك (غلايات أو طناجر) تصدر صفيراً، حين صدرت هذه التعليمات، كان الكناري، وقبل ليلتين، قد مضى حراً في رحابة السماء والحقول.. لهذا اختلطت ابتسامات أفراد الأسرة مع دموعهم، وهم يتذكرون الطائر.. وقد غادرهم نهائياً.
 
رواية وبقع أرجوانية
ولأن الرواية رواية وقائع وأخبار وأحداث، فإن قصصها تشكل بقعاً أرجوانية روّاها الدم حيناً، والدمع حيناً آخر، والمخاوف حيناً ثالثاً، ومن هذه البقع الموجعة، تلك الحادثة المتعلقة بثلاث فتيات أعمارهن بين الخامسة عشرة والسادسة عشرة جئن إلى بيت الأسرة، لأن أم لطيفة طبيبة.. باكيات منطويات على أنفسهن من أجل العلاج، هؤلاء الفتيات احتجزهن مسلحون من (الطالبان)، وكان عددهم خمسة عشر مسلحاً، وقد اغتصبوهن واحدة واحدة.. وعبر مرات متتالية، وقد ملأن المكان بالصياح والبكاء والرجاءات، ولم يكن ذلك كل شيء.. لأنهم مزَّقوا أعضاءهن الجنسية وشوّهوها، أما الخوف الذي عانين منه فكان أكثر من كابوس وأبعد من موت.
ومن هذه البقع الأرجوانية دماً وتمظهرات، ذلك الجيش من الفتيان الصغار الذين انتشروا كمتسولين، وكذلك الفتيات الصغيرات المتسولات لأن النساء منعن من العمل، والصبيان الذين اختاروا نهجاً لحياتهم بأن يبيعوا أقراص الأسبرين، والمخدرات، والدخان، كانوا يقترفون كل أشكال الموبقات والأذيات بالمكان والبشر، ويشوّهون القيم والأخلاق العامة، ويحملون السلاح ويقفون عند الحواجز وقرب مفارق الطرق، وداخل الأحياء، وإلى جوار المباني الحكومية، لا بل إن جماعة (الطالبان) جندت أطفالاً لم تبلغ أعمارهم الثامنة لكي يقوموا بمهمة تفتيش النساء لأن النساء ممنوعات من العمل كشرطيات، كانت مهمة الطفل من هؤلاء أن يطلب من المرأة أن ترفع (التشادور) لكي يفحص وجهها ليتحقق من أنها لم تضع زينة (مكياجاً)، ويلمس (التنورة) الطويلة ليتأكد من أنها لا تخفي شيئاً تحتها، كانت البنادق التي يحملها هؤلاء الأطفال أطول منهم، وبعضها أضخم منهم، ومع ذلك كانوا يشعرون بالفخر والاعتزاز لأنهم يقومون بأفعال الكبار!
 
ويبقى الدمار
ولأن الحرب لا منتصر فيها سوى الدمار، ولأن الحرب لا أم لها سوى النكبة، ولا موسيقا لها سوى الأنين والألم والبكاء والنداءات، ولا أبناء لها سوى المقابر والمخاوف والذكريات الموجعة والأمراض النفسية، فإن الأسرة، أسرة لطيفة تتهاوى، وتتلاشى مثل الأبنية، ويفتك المرض بأجساد أفرادها ونفسياتهم واحداً واحداً كالطاعون، والعزائم تتحطم مثل قطع الزجاج، لذلك قرر الوالد اصطحاب أفراد أسرته في رحلة علاج خارج العاصمة كابول، فلم يبقَ من أفرادها سوى (داوود) لكي يحرس المنزل كي لا يسكنه أفراد من (طالبان).
وللمرء أن يتخيل الجحيم الذي تعرضت له الأسرة وهي تمشي في الطريق الموصل إلى مدينة (جلال آباد)، ومن بعد إلى مدينة (بيشاور) في باكستان، فالحواجز متبوعة بالحواجز، والتفتيش متبوع بالتفتيش، والتدقيق متبوع بالتدقيق، والنظرة الشكاكة لا تفارق الجنود فجميع الخارجين من المواطنين هم في موضع الاتهام ناهيك عن الأسئلة التي تخرج المرء من جنسه البشري، وعبر الطريق الطويل يماشي الحافلة التي تقل أفراد الأسرة حشدٌ من الصبية الصغار الذين يبيعون البنزين، والزيت، والسكر، والأطعمة، ويبادلون النقود على اختلاف أشكالها وأنواعها وقيمتها، وعلى الحدود الباكستانية تبدو أكشاك بيع المخدرات، والأسلحة، وفي (بيشاور) تتعالج الأم من أمراضها، وتتخلص (لطيفة) من كمية الماء التي امتلأت بها إحدى رئتيها، وبعد نقاهه تعود الأسرة إلى كابول في رحلة جحيم ثانية من الحواجز، والأسئلة والتفتيش والانتظار والقهر والمذلة، وحين تحل الأسرة رحالها في بيتها، تحل الأخبار الجديدة، وهي أخبار سيئة: إعدامات في ملاعب كرة القدم، تعليق المشنوقين على عارضات المرمى، إعدام النساء المتهمات بالدعارة، وقطع أيدي السَّارقين، طرد العاملين في المنظمات الإنسانية، والبدء بالنساء العاملات في الكوادر الطبية، عداوات كبيرة ومخاوف جمة بين الجيران، وبين الأحياء، حتى تبادل النظرات بين الناس صار مخيفاً وباعثاً على التوتر والقلق، الجار يخاف من جاره، والمرأة تخاف من المرأة، والموظفون يعملون بحذر شديد، والمساجد مملوءة بالفتيان والملالي، والمتاجرة بالأعضاء البشرية تشيع بين الأطفال الصغار الذين يعثر عليهم مقتولين في أكوام القمامة، وقد فتحت صدورهم وبطونهم.
 
المرأة والتعليم
وبسبب حرمان الفتيات من التعليم تخطط (لطيفة) هي وصديقة لها اسمها (فريدة) من أجل تعليم الفتيات، وبعض الأطفال الذكور، داخل البيوت، وإنشاء ما يُسمى (المدارس السرية)، وتنضم إليهما أيضاً صديقة اسمها (مريم)، وفعلاً يشرعن في تعليم البنات والصبيان الذكور بسرية تامة، وقد كان عملهن هذا مدعاة للسرور والفرح الحقيقيين للجميع، وفي وقت عم الحزن أفغانستان كلها بسبب الأخبار الوحشية الطالعة يومياً، والتي من بينها تفجير تمثالي بوذا، في هذا الوقت تصل رسالة إلى أم لطيفة (الطبيبة) من زميلة لها هي (الدكتورة سيما) تخبرها أن جمعية فرنسية، ومجلة فرنسية أيضاً، تبحثان عن نساء أفغانيات للحديث عن مشكلات أفغانستان في وسائل الإعلام الفرنسية عبر حملة إعلامية تفضح ممارسات (الطالبان)، وأن مسؤولين من هاتين الجهتين (الجمعية، والمجلة) سيتصلون بها أي والدة لطيفة لعلها توافق على السفر إلى باريس والحديث عما يجري في أفغانستان في عهد (طالبان)، أو لعل ابنتها (لطيفة) تذهب إلى باريس وتدلي بشهادتها هناك، وتضيف الدكتورة سيما: إن المجلة اسمها (إيل)، وإنه بمقدور (أم لطيفة) و(لطيفة) أن تتحدثا أمام البرلمان الأوروبي أيضاً، وتختتم رسالتها (الدكتورة سيما) بقولها: إنها فرصة لا تفوت! وبعد حوار ونقاش طويلين.. توافق أم لطيفة، ولطيفة أيضاً على السفر، ويوافق أفراد الأسرة جميعاً؛ فتسافران بصحبة الوالد (المحرم)، وفي فرنسا يُسرق الوجه لأن المقابلات التلفزيونية التي تجريها (لطيفة) وهي تدلي بشهادتها عما يجري في أفغانستان، غطت وجهها بغمامة بيضاء فتسرقه كي لا يتعرف أحد في أفغانستان على صاحبة الوجه فتُؤذى، عفواً، فتقتل عند عودتها إلى بلادها، وبذلك تصير (لطيفة) سفيرة للألم الأفغاني، فلا تعود إلى بلادها لأن أخاها (داوود) يكتب إليها محذراً إياها ووالديه أيضاً من التفكير بالعودة إلى أفغانستان، لأن (الطالبان) احتلوا بيتهم، وسرقوا كل ما فيه، وأن الموت ينتظرهم جميعاً، وقد أطلقوا فتوى بحقهم على مواقع الشابكة، وتنتهي الرواية بدخول القوات الأميركية إلى أفغانستان في عام 2001، وهنا يرتفع صوت القنابل.. ويغيب صوت الناس، والبلاد.. معاً!
رواية (الوجه المسروق) رواية تسجيلية تخترقها الروح الخبرية من صفحاتها الأولى إلى صفحاتها الأخيرة، فالرواية ذات بنية خبرية ولود، لأن الخبريات تسري فيها مثلما يسري الخدر في الجسد، وإذا ما قيض للمرء أن يعتصر صفحاتها فعصيرها دم، وأنين، وألم، ووحشية، ودمار، وجهل.. وأسئلة حائرة كالطيور الوديعة التي فوجئت بالثعابين تجول في أعشاشها.

 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا