– نبيه برجي: الساعات الهائلة هي الساعات الملتبسة

رئيس التحرير
2019.08.23 16:09

 

 

لا احد، شرط ان يكون كائنا بشرياً، يمكنه ان يقف لامبالياً حيال ذلك المشهد الرهيب في الغوطة، وحيث بدت الجثث كما لو انها تصرخ في وجوهنا، في وجوهنا جميعاً دون استثناء. نحن الذين افتقدنا في لحظة ما عبقرية القلب كما عبقرية العقل…
بادىء بدء لا يعنينا من القاتل لاننا كلنا تحولنا، ومنذ بداية التراجيديا السورية، الى قتلة، وقد اعلنا انحيازنا الكامل الى الموت لا الى الحياة. ولنحاول العودة الى تلك المواقف الصاخبة مع او ضد النظام في سوريا مع اقتناعنا التام بأن الحرب هناك لم تكن عشوائية بل ان قوى اقليمية ودولية شاركت فيها، ومنذ اليوم الاول، ولاغراض جيوبوليتيكية، فيما كان العرب، عرب البسوس، يقرعون الطبول على تخوم الجاهلية…
اجل لا يعنينا القاتل لان الايقاع الهمجي الذي اخذته الاحداث في سوريا، وبمشاركة الجميع دون استثناء، ادى الى تعريتنا اكثر فأكثر، فلا يؤخذ احدكم بكل مظاهر البهرجة، وبجاذبية الابراج وناطحات السحاب، ولا باليخوت الفاخرة التي لا مكان فيها الا لساقي شهرزاد ولحكايات شهرزاد. نحن هكذا حثالة حضارية بل و حثالة فلسفية كما قال فينا برنارد لويس الذي اضاف انه منذ ان مات ابن رشد( عام 1198) توقف العقل العربي عن العمل ولا يزال…
لماذا، اذاً، لا ينظر الينا الغرب على اننا جثث مع وقف التنفيذ. هل شاهدتم قادة جيوشنا في حضرة قادة جيوشهم خلال اجتماعات عمان؟ جنرالات من غبار و دول من غبار و مجتمعات من غبار، والا من يتصور عالماً عربياً يتجاوز تعداده الـ 300 مليون كائن بشري، وفوق مساحة لا تقل عن 14 مليون كيلو متر مربع(اي انه اكبر من الولايات المتحدة بنحو 5 ملايين كيلو متر مربع) وبموارد طبيعية تكاد تكون اسطورية، وبملايين خريجي الجامعات( لا تنسوا ان هناك 100 مليون امي). اجل، من يتصور ان هذا العالم العربي لا يزال يمتطي الناقة، بالاحرى لا يزال يمتطي الجاهلية؟
اي عالم عربي هذا حين يتوسل التدخل من ديفيد كاميرون او من فرنسوا هولاند او من باراك اوباما من اجل الاقتصاص القبلي من دولة ما او من نظام ما، فمتى كانت الاساطيل التي طالما كانت مسؤولة عن تجزئتنا، وعن تخلفنا، وعن جنوننا، هي التي تحمل العدالة، وهي التي تحمل الديمقراطية والحرية الى ديارنا؟
وبغض النظر عما حدث في الغوطة، مع انه لا مجال البتة لغض النظر، فهل اللحظة الاخلاقية هي التي تدفع الغرب الى ضرب النظام في سوريا، ام انها لحظة المصالح، وحيث كان ذلك التقاطع المهين بين لعبة القبائل و لعبة الامم؟
لا يمكننا، في حل من الاحوال، تفسير مصطلح «الضربات المحدودة» والتي قد تصاحبها غارات فولكلورية على بعض المواقع الافتراضية لـ «جبهة النصرة» التي رحبت بالمدمرات الاميركية، وبصواريخ التوما هوك لدك النظام وتفكيكه، ليغدو مارتن ديمبسي صورة معاصرة عن عقبة بن نافع او عن خالد بن الوليد…
اكثر من ان نكون حثالة سياسية وايديولوجية. السيناريو واضح منذ البداية، وقصة الغوطة جزء منها وشاركت فيها اجهزة استخبارات معروفة، دون تبرئة النظام من اشياء كثيرة اقترفتها يداه، فالخطة تقضي باحداث تغيير دراماتيكي في موازين القوى من خلال الاجهاز على كل ديناميات (ووسائل) القوة لدى النظام لكي تتمكن المعارضة، او المعارضات، بصيحاتها القبلية من ان تغزو دمشق، وتقيم ذلك النظام الاغر الذي لا ندري ما اذا كان سيتكىء على صدر رجب طيب اردوغان ام على صدر بنيامين نتنياهو..
لكن الثابت ان ثمة من ابلغ واشنطن وابلغ لندن، وربما ابلغ تل ابيب ايضا، ان اسقاط النظام، وبالاساطيل إياها، وبالصواريخ إياها، خط احمر لان المسألة، بأبعادها الاستراتيجية، تتعدى سوريا التي لن تكون سوى الضحية الاولى في لعبة كبرى. ( وكما قلنا وحيث التقاطع الكاريكاتوري بين منطق القبائل ومنطق الامبراطوريات…).
ولا نعتقد انه بات سراً ان ادارة باراك اوباما تريثت لبعض الوقت، لبعض الوقت فقط، لان الخيار العسكري بات جاهزاً، فالانذارات التي تم توجيهها كانت اكثر من قاطعة، وقالت «ما دمتم تريدون حربا بالتقسيط، او حروب الدومينو، فلماذا لا تكون الحرب الشاملة، ومن يذهب يذهب، ومن يبقى يبقى»، دون ان تخدع احد الفذلكات اللغوية المتلاحقة.
اجل، ساعات هائلة وبما تعنيه الكلمة. ولكن هل تتراجع واشنطن وكيف؟ وهل حقاً ما يتردد حول ضربات استعراضية لن تكون كلها موجهة الى النظام، في حين يقول معلقون اميركيون كبار ان بلادهم التي تفتقد الاستراتيجية الواضحة اضعف بكثير من ان تواجه اهوالاً اضافية في الشرق الاوسط.
الساعات الهائلة هي الساعات الملتبسة ايضا. وراء الضوء حدثت اشياء كثيرة وحساسة، واتصالات كثيرة و حساسة. والثابت ان المنطقة كلها امام مفترق خطير. من ينصح باراك اوباما بأن يفكر اكثر، الا اذا كانت تقارير استخباراته تقول ان التهديدات هي مجرد فقاعات، وان اسقاط النظام في دمشق ليس اكثر من نزهة صاروخية على ضفاف المتوسط…

الديار

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
  ذكور ضفادع القصب تذعن قبول ممارسة الحميميه مع ضفدع مثلي ليتجنب أن يؤكل.  لحظة لا تصدق: حيلة الاخطبوط العجيبه كارنافال ترامب : لتحسين عمليات التحقق من مالكي السلاح وتعديل الهجرة بعد مجزرتي إل باسو ودايتون  فرنسا:الزام جميع أسطح المنازل الجديدة بتغطيتها في النباتات أو لوحات #solar عكس كندا ؟؟ شوووووب:شاهد: كيف يبرد السكان أجسامهم بعد أن اجتاحت موجة الحرارة الشديدة الدول الاسكندنافية اتهامات لوائل كفوري:ضرب وحبس وعنَّفَ طليقته وانفصال الممثلة هنا شيحة ووفاة الممثلة البحرينية صابرين  "ويلا" غوريلا تتبختر وتتمنفخ امام والدها وزوار الحديقه مشاهد رافقت انتصار الجزائر اخترناها لك قد تزيد من جعل يومك جيداً  ان لم تستخدم تطبيق FaceApp بعد..احذر أن تعطي روسيا معلومات أخطر مما تتخيل