في سوريا حياة محطمة وجيل ضائع

رئيس التحرير-ضوضاء نصف شهرية مستقلة
2019.06.17 18:43

 

“الجيل الضائع” هي العبارة التي وصف بها تقرير منظمة الأمم المتحدة لليونيسيف، حال أطفال سوريا، وقد علّلت وصفها هذا بان الانقطاع الحالي للأطفال السوريين عن الدراسة، قد يفقدهم القدرة على العودة إليها، ولا معنىً لبلدٍ فقد مستقبل أطفاله، هذه العبارات القاسية هزت مشاعر من استمع إليها أو قرأها لكنها لم تغير شيئا من واقع أطفال سوريا، أطفالنا كانوا المادة الإعلامية والضحايا و المشردين، والمجندين أحيانا، ولم يؤثر هذا في قرار سياسي أو عسكري لوقف المأساة.

تسرب الأطفال من المدارس، من ثم عمالتهم أو تسولهم في الشوارع، واقع فرضه حال الفقر والصراع، على الكثير من الأطفال الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها النظام، حيث توقفت معظم المدارس عن استقبالهم، وبات التعلم الجيد من حظ أطفال العائلات الميسورة، والأطفال القاطنين في المدن التي لم تتأثر كثيرا بأزمة البلاد كالمدن الساحلية و وسط مدينة دمشق، مع ملاحظة أن أعداد طلاب هذه المدن قد تضاعف، فالكثير من أهالي المناطق المنكوبة هاجروا إلى تلك المدن، وسجلوا أولادهم في مدارسها، خسائر هؤلاء الأطفال لن تقتصر على فقدانهم الفرصة في الحصول على تعليم جيد، إنما ستنتظرهم مشاكل جسدية ونفسية مستقبلية لن يدركها المجتمع حتى يفوت الأوان.

فايس بوك

 

أما وزارة التربية التابعة للنظام السوري فتنكر الواقع وتدفن رأسها في التراب، وبدلاً من إيجاد الحلول لتقليل خسائر الطلاب التعليمية، تقوم بإجراء امتحانات شكلية متجاهلة الأطفال الذين لم يتمكنوا من إجرائها أو الذين لم يتعلموا شيئا خلال السنة.
دمار و خسائر في القطاع التعليمي بالداخل السوري:

تبعا لمنظمة ” أنقذوا الأطفال”، فإن واحدة من كل خمس مدارس في سوريا مدمرة جزئياً أو كلياً، وهو ما يقارب 3900 مدرسة، وما يهدد مستقبل مليونين ونصف طفل سوري.

جميع المدارس التي تعرضت للدمار على يد النظام، تقع في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر في الوقت الحالي، و أكثرها في ريفي مدينتي حلب ودمشق، وما يقارب ال 2500 من المدارس الباقية حسب المنظمة، وفرت الملجأ والأمان للكثير من العائلات النازحة من مناطق الاشتباكات، وتحولت لمراكز إيواء لنازحي الداخل، بينما اتخذ النظام من بعضها مراكزاً للإعتقال، أو حولها إلى ثكنات عسكرية في بعض المناطق البعيدة عن المدن، ما أدى الى تعطيل العملية التعليمية لعامين دراسيين كاملين .

وقد علقت جاسمين ويتبريد الرئيسة التنفيذية لمنظمة «أنقذوا الأطفال»، على واقع المدارس السورية في بيان مرفق مع التقرير، إنه «يجب أن يكون الفصل الدراسي مكانا للسلامة والأمن، وليس لساحات قتال يعاني فيها الأطفال أكثر الجرائم ترويعاً»، لافتة إلى أن «الأطفال الذين يتم استهدافهم بهذه الطريقة يدفعون الثمن حتى نهاية حياتهم».

ندخل إحدى المدارس المكتظة بالنازحين، فلا نجد فيها أي من المظاهر الدراسية عدا بناء المدرسة الذي طبع مع الكتاب بذات المكان من الذاكرة، ظروف شديدة القسوة مرت على النازحين هنا، حيث دفعتهم حدة برد الشتاء لتكسير خشب المقاعد واستعماله حطباً للتدفئة , أما الهيكل الحديدي لأحد المقاعد فقد تحول إلى قاعدة (بسطة) يبيع عليها أحد النازحين أمام باب المدرسة.

لم تتوقف خسائر القطاع التعليمي السوري عند أحجار المدارس، فقد خسر الكادر التعليمي الكثير من المدرسين، حيث سافر العديد من المدرسين الشباب خارج البلاد، وتقدم الكثير من المعلمين القديمين بطلبات التقاعد، يقول الأستاذ عادل وهو موجه في مديرية التربية : ” تقدم معظم المدرسين الذين تجاوزت أعمارهم الخمسين، بطلبات التقاعد عن العمل طمعاً بالتعويض المادي الذي سيحصلون عليه، علّه يعينهم على المعيشة في ظل هذه الظروف الصعبة، خسرنا أيضاً الكثير من المعلمين الشبان لسفرهم خارج البلاد ” ويقول الأستاذ عادل عندما سألناه عن توقعه لمستقبل الوضع التعليمي ” علينا الانتظار والعمل لأكثر من عشر سنوات حتى نعود لنفس المستوى التدريسي الذي كنا عليه ”

مناهج اسلامية وتعليم موجه في المناطق المحررة
بينما تشهد المناطق المحررة من سيطرة قوات لنظام انقساما سياسيا وعسكريا لقوات المعارضة، تشهد أيضا تجارب تعليمية مختلفة، قامت بداية تجمعات من شباب العمل المدني بافتتاح مشاريع تعليمية للأطفال الذين انقطعوا عن مدارسهم؛ و قامت بتدريس مناهج مشابهة لمناهج المدارس الحكومية مع حذف المواضيع التي تعتبرها هذه التيارات عنصرية، أو متعلقة بالرئيس السوري، أو بالفكر السياسي الحاكم. تحدّثنا سلمى إحدى المشرفات على مشروع تعليمي في ريف دمشق ” قمنا بدايةً بتمويل مبدئي من بعض التجار بافتتاح عدة صفوف دراسية في مدرسة لم يطَلها القصف، لكننا قمنا بنقلها لاحقا إلى داخل بيوت في المنطقة، خوفاً من استهدافها، يقوم أساتذة متطوعون من المنطقة بتدريس الأساسيات من المواد، كاللغة العربية والانكليزية والرياضيات، لكننا اليوم نعاني من ضعف الموارد المالية الداعمة لهذه المشاريع، والكثير من الأهالي باتوا يفضلون أن يرسلوا أطفالهم الى حلقات التعليم الدينية، التي تحظى مشاريعها بدعم مادي اكبر”

فايس بوك

 

في ذات الاطار، تقوم التيارات الاسلامية كـجبهة النصرة و دولة العراق والشام و حركة أحرار الشام، بتدريس التربية الدينية و حلقات تحفيظ القرآن في المساجد، و تطورت مشاريعها التربوية لافتتاح العديد من المعاهد في المناطق التي تبسط سيطرتها العسكرية والاجتماعية عليها، فعلى سبيل المثال افتتحت حركة أحرار الشام الشهر الماضي بتمويل خاص بها، ثلاثة معاهد في ريف حلب، يقول الشيخ حسن وهو مدرس في أحد هذه المعاهد ” وزعنا الأطفال على عدة حلقات، بحيث تجمع الحلقة الأعمار المتقاربة من جنس واحد، ندرسهم القرآن والعلوم الشرعية والحديث النبوي الشريف وبعض الآداب العامة و بعض الأساسيات اللازمة في العلوم الاخرى “.

يقدم المعهد الذي يشرف عليه الشيخ حسن حوافز للأهالي الذين يرسلون أولادهم إليه على شكل مؤن غذائية؛ ليكون ذلك حافزاً لهم لمتابعة إرسال أولادهم.

بدأ بعض الأطفال في هذا المعهد بالتحدث مع بعضهم باللغة العربية الفصحى تأثرا بلغة أساتذتهم، وعند سؤالنا بعض الاطفال عن ما يتعلمونه في المعهد، قالت جنان ذات الاحد عشر عاما ” اخدنا كتب جديدة من المعهد أحلى من كتب المدرسة، لأنها للمسلمين ” تقوم هذه المعاهد والحلقات الدينية بتسليم الأطفال شهادة بحفظ القران، أو بتقدير لدرجاتهم في المنهاج الخاص الذي تلقوه، ولا تؤهلهم هذه التقديرات مستقبلا، لمستويات دراسية أعلى من التي توقفوا عندها .

لم تسلم تجمعات الاطفال هذه من ويلات المعارك الدائرة، فقد تعرض أحد المساجد في منطقة عندان لقصف قوات النظام اثناء تجمع الاطفال فيه، ما أدى إلى حصول مجزرة مروعة، فتحت هذه الحادثة الباب للكثير من التساؤلات، حول المسؤولية الأخلاقية التي تتحملها التيارات الاسلامية التي تبنت هذه المشاريع التربوية الدينية لتجمعات كبيرة من الاطفال .

يقول الاستاذ ربيع وهو مدرس سابق وناشط مدني ” أحذر التيارات العسكرية الاسلامية من استخدام الاطفال كجزء من مشاريعها، و أدعوهم الى تحمل المسؤولية الكاملة عن سلامة الاطفال، والمسؤولية الاخلاقية عن مستقبل الاطفال الذين يتلقون تعليما” موجها”، هذا سيساهم للأسف بتكريس انقسامات فكرية واجتماعية طويلة الامد ” . وقد ناشد الائتلاف الوطني لقوى التغيير والمعارضة العالم على لسان أمينه العام بدر جاموس، لتخليص أطفال سوريا من الكارثة التعليمية التي حلت بهم وقال جاموس: «لا أحد يهتم بشعبنا وجرحانا وأطفالنا الذين يبعدون قسراً عن مدارسهم ويستغلون في القتال»، وحذر من نتائج هذا الوضع على مستقبل الاطفال: «إذا استمر الوضع على ما هو عليه، لا يسألنا أحد لاحقا من أين يأتي الإرهابيون وتظهر المشكلات».

تعليم اطفال المخيمات محاولة لتغيير واقعهم
يمثل الأطفال 50 بالمائة من مجمل أعداد اللاجئين السوريين في دول الجوار السوري بين لبنان وتركيا والاردن، يعتبر الأطفال النازحون إلى أراضي تركيا الأكثر حظاً في الحصول على صفوف دراسية منظمة ومتوازنة، حيث افتتحت عدد من المدارس في المخيمات، وتعمل اللجنة الوطنية التركية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة “اليونسكو”، على إنشاء مدارس نموذجية لتستوعب أعداداً كبيرة من الاطفال، يحتوي مخيم كيليس على مدرسة يديرها مدير تركي ومجلس من المعلمين السوريين المتطوعين، وتتراوح أعمار الطلاب فيها بين خمسة إلى ثمانية عشر عاماً.

ورغم أنه ليس هناك حتى الآن، أي نظام مدارس ابتدائية وثانوية ولا تعليم إلزامي في مخيمات اللجوء التركية ، فإن معلمين سوريين قاموا بتقسيم أربعة خيام كبيرة الحجم إلى فصول دراسية، بدءاً من الصف الأول إلى الثانوية العامة، وذلك على فترتين يومياً لاستيعاب جميع الأطفال، ويدرس الاطفال في كلس المنهاج السوري، بعد ان حذفت منه مادة التربية القومية، و قد هرّبت الكتب من الداخل السوري، ثم قامت (هيئة الشام الاسلامية) بطباعتها وتوزيعها على الطلاب في المخيم.

وتتبع تركيا استراتيجية مختلفة في التعامل مع الأطفال السوريين اللاجئين، إذ تسعى إلى إخراجهم من محيط مخيمات اللجوء بما فيها من أوضاع صعبة، للاندماج في المجتمع التركي عبر إشراكهم في مهرجانات وفعاليات بمدينتي اسطنبول وأنقرة .

في لبنان نشأت الكثير من المبادرات الفردية التي تسعى إلى توفير الحد الأدنى من الحاجات التعليمية لآلاف الأطفال من اللاجئين السوريين؛ حيث ان أغلبية الأطفال لم يلتحقوا بمدارس حكومية لبنانية لأسباب مختلفة، منها عدم الحصول على أوراق ثبوتية من سوريا، أو اختلاف المناهج وانقطاعهم لفترة طويلة عن المدرسة، وينحصر الاهتمام في هذه المشاريع على الأعمار الصغيرة، بينما ينقطع معظم اليافعين عن الدراسة، وتشمل الدروس اللغتين العربية والإنكليزية والرياضيات، وتنفيذ ورشات رسم ومسرح تفاعلي، ونشاطات متعلقة بتعلم الاختلاف وتقبل الآخر والعمل الجماعي واحترام النظافة، وقد استفاد أكثر من 17 ألف طفل ومراهق سوري في لبنان من أنشطة التعليم غير النظامي، وتلقى أكثر من 26 ألف طفل آخرين دعما نفسيا واجتماعيا من خلال البرامج التعليمية.

فايس بوك

يقول أحمد وهو أحد المدرسين المتطوعين بأحد الصفوف في مدينة بيروت “نواجه العديد من العقبات خلال عملنا مع الاطفال السوريين، أهمها غياب الأريحية النفسية للأطفال، خلال تواجدهم في الصف، وغياب الطابع الجدي للصف ما أدى الى سوء التزام الاطفال، يفقد أيضا بعض المتطوعين حماسهم بعد فترة، ويصابون باليأس بسبب صعوبات التعامل مع الاطفال غير المهتمين بالتعلم، والمثقلين بذكريات الحرب “.

معاناة أطفال سوريا في الاردن تبدأ بالأمراض المتفشية، مروراً بالانعكاسات النفسية للحرب التي بدأت تظهر على بعض الاطفال، وصولا إلى مصاعب أو استحالة التعلم في مكان كمخيم الزعتري، وقد وصفت تقارير لمنظمات إنسانية حياة الطلاب في الأردن “بالحياة المحطمة “، أقيمت عدة مدارس بجهود منظمات عربية ودولية، إحدى المدارس كانت بدائية، في قلب مخيم الزعتري، حيث يجلس الأطفال فيها أرضا، ويقوم المدرس زاهر أحيانا بإعادة الدرس لأكثر من يوم على تلامذته، ويقول: ” التعليم هنا محاولة منا لتغيير واقع ما يعيشه الاطفال لا أكثر، وهي لا تشكل عشر ما يستحقه كل واحد منهم، فهي تقتصر على الاساسيات البسيطة من العلوم “، مع كل هذا، يعد الاطفال الذين يذهبون لهذه المدرسة من المحظوظين، وكان تقرير صادر عن منظمة اليونيسيف، منتصف شهر يونيو الماضي، قد أشار إلى أن «نحو 78 في المائة من الأطفال في مخيم الزعتري، وما بين 50 في المائة إلى 95 بالمائة في المجتمعات المضيفة خارج المخيم، لا يذهبون إلى المدرسة».

 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا «Game of Thrones»أسطورة وتاريخ و14 مسلسلاً ينافسه وسيلفستر ستالون: ممثل فاشل