ميشيل كيلو : انتصار مؤقت! وعبد الوهاب بدرخان سورية: موازين القوى ترجّح «تسوية مع النظام»-

رئيس التحرير
2019.06.24 18:37

انتصار مؤقت! – ميشيل كيلو

يعتقد رهط غير قليل من المراقبين أن أميركا ضعفت في الوطن العربي، وأنها تنسحب منه تاركة مكانها لروسيا، التي تتقدم في كل مكان، وحتى في إسرائيل، التي قال وزير خارجيتها بأنها تبحث اليوم عن حليف آخر غير واشنطن.
وقد طرحت فكرة «الانسحاب الأميركي» في لقاء «صير بني ياس» في الإمارات العربية المتحدة، الذي يحضره في العادة خبراء استراتيجيون، وساسة مخضرمون، وصناع رأي دوليون- وجنرالات لعبوا أدوارا مهمة في سياسات أميركا حيال المنطقة العربية، ورؤساء وزارات ووزراء لطالما قرروا سياسات بلدانهم. وقد صرف المناقشون وقتا طويلا لنفي الفكرة أو لإثباتها، بما يؤكد جدية النظرة السائدة إليها، التي ترى أن واشنطن انكفأت على نفسها وشرعت تمارس سياسات عزلة وابتعاد عن العالم.
وكانت فكرة الانسحاب الأميركي قد بدأت مع تولي باراك أوباما السلطة الرئاسية، وقرار تفكيك الوجود الأميركي في العراق، ثم في أفغانستان، الذي وجد قبولا لدى جنرالات وزارة الدفاع وقادة المخابرات، الذين تعرفوا فيها على خطة أميركية قديمة سميت في حينه «الفتنمة»، قامت على جعل الفيتناميين يقتتلون فيما بينهم، على أن تدير أميركا صراعهم، لتوفير حياة جنودها ودفع غيرهم إلى الموت بدلا عنهم وتحت إشرافهم، وثلم مقاومة الشعب الأميركي لحروب بلاده الخارجية، التي ستبدو عندئذ كأعمال عسكرية محدودة وليست حروبا منظمة وعدوانية. وبما أن هذا النمط من الحرب يتطلب بقاء «خبراء» أميركيين في البلدان المعنية، فإن هؤلاء لم ينسحبوا مع الجيش من العراق ولن ينسحبوا من أفغانستان، حيث سيبقى لهم فيها تسع قواعد وعشرة آلاف جندي.
ابتعدت أميركا عن التدخل المباشر في سوريا، بعد أن ضمنت أمرين:
أولا: تحويل الصراع الدائر فيها إلى بؤرة توتر شديد الاحتدام، جرت إليها خصومها وأصدقاءها، بما أن الصراع لا يحتدم إلا بقدر ما تنخرط فيه أطراف متناقضة ومتعادية.
وثانيا: رسمت الخطوط الحمراء لأدوار الآخرين، وخاصة منهم روسيا وإيران، لأنها أرادت للصراع أن يكون حاسما في تحديد صورة المنطقة المستقبلية، انطلاقا من استراتيجية تقوم على طي صفحة العرب من الآن فصاعدا، ووضعهم في مواجهة حال من البلبلة والقلق تضمر انفجارات محتملة مختلفة الأشكال: اجتماعية وسياسية وعسكرية واقتصادية، والاستعانة بقوى إقليمية للتحكم في الدول العربية، أهمها بطبيعة الحال إيران وإسرائيل، الدولتان المدججتان بالسلاح، اللتان تمارسان سياسات متقاربة تلبي مصلحتهما المشتركة في إضعاف العرب واختراقهم وتهميش دورهم وحضورهم المحلي والإقليمي والدولي.
وقد أظهرت واشنطن قدرتها على إلزام الآخرين بما رسمته لهم، وعلى التدخل لفرض مصالحها على الجميع باعتبارها مصالح حاكمة، فأعلنت أنها ستضرب نظام دمشق، وما هي إلا أيام قليلة حتى أعلن الروس انسحابهم من المواجهة واستعدادهم لتسليمها سلاح النظام الكيماوي. واليوم تتوج أميركا انتصاراتها بإلغاء حق إيران في تقرير سياساتها النووية، وبلي ذراعها وإجبارها على قبول تخصيب محدود لما تمتلكه من يورانيوم، وإخضاع منشآتها النووية لرقابة دولية مفاجئة ودائمة، وتجميد بناء مرفق آراك للماء الثقيل، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية دائمة في شؤون طهران وسياساتها… إلخ، مقابل تخفيف جزئي للعقوبات على إيران، التي صرفت مائتي مليار دولار على برنامجها النووي، ويعدها اتفاق اليوم برد أقل من خمسة مليارات من أموالها المجمدة في الغرب.
وتشير تقديرات ودلائل متنوعة إلى أن واشنطن قد تعزز دور طهران المعادي للعرب، وأن من المحتمل موافقة البيت الأبيض على تقاسم وظيفي بين صهاينة تل أبيب وملالي قم، يهمش دور العرب ويعمل تحت إشراف أميركا، التي ستطبق عندئذ نمطا جديدا من سياسات إدارة العالم عن بعد، يتمسك أوباما بها لكونها لا تكلف أميركا شيئا، وتتكفل في الوقت نفسه بتحقيق مصالحها خيرا من أي تدخل عسكري مباشر، وتضمن هيمنة إسرائيل على جوارها إلى زمن جد طويل.
وسمت سياسات أميركا العربية والشرق أوسطية بالغباء، مع أنها أكثر سياسات واشنطن نجاحا، التي عرفتها منطقتنا والعالم، ذلك أنها ما أن تدخلت في الثورة السورية حتى عملت على تحويلها إلى مقتلة القرن، وجرت إليها كل من أرادت توريطهم فيها، وأدارتها إلى أن أوصلت المنطقة إلى شفا جرف هار يمكن أن يأخذها إلى اقتتال سني – شيعي دولي النطاق، أو إلى أزمات متعاقبة سيعزز العجز عن السيطرة عليها رضوخها للقوتين الأجنبيتين الساعيتين إلى تقويض العالم العربي: إسرائيل وإيران، أو إلى تركها تتخبط في اقتتال أصولي – سلطوي متفجر، يستمر إلى أن يدمر الحضر والمدر، على غرار ما يجري في سوريا.باتفاق الكيماوي والنووي تقع مفاتيح وأقدار المنطقة الاستراتيجية والتكتيكية في يد واشنطن.
من الآن فصاعدا: الويل كل الويل لمن يغلط في قراءة ما يحدث، والقيام بكل الخطوات المؤلمة الضرورية لمواجهته!

 

 
سورية: موازين القوى ترجّح «تسوية مع النظام»- عبد الوهاب بدرخان

 لا بدّ من أن المشتغلين في البيت الأبيض والكرملين، سرّاً وعلناً، على إعادة تأهيل نظام بشار الأسد، انزعجوا لدى إعلان مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الانسان للمرّة الأولى أن هناك أدلة تشير الى «مسؤولية للرئيس السوري في جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية». وليس الازعاج في المضمون الذي يعرفونه جيداً، بل في توقيت هذه الشهادة غير المناسب بالمرّة فيما يجري الاعداد لمؤتمر «جنيف 2».
لكن للدولتين الكبريين سجلاً حافلاً بالاستخفاف بهذه المنظمة الدولية، اذ لا تعيران تقاريرها اهتماماً إلا عندما تتوافق مع مصالحهما. ولا أدلّ الى ذلك من تواطؤهما في دحض ما صدر عنها في شأن جرائم اسرائيل وممارساتها، كنموذج واحد بين أمثلة كثيرة.
كيف سيتعاملون مع هذه الاتهامات الجدّية لرأس النظام، وبأي ذريعة سيبررون اعادة تسويقه للسوريين وللعالم، وكيف يمكن الاعتماد على حاكم يأمر بإلقاء براميل متفجرات على مناطق سكنية أو يطلب قتل أو تهجير من تصادفه قواته في بلدات القلمون أو يستعد للإستغناء عن بضعة ملايين من السوريين بإلغاء البطاقات التي تثبت هويتهم وانتماءهم. منذ طُرح خيار «الحل السياسي»، أي منذ مبادرة الجامعة العربية، لم يتغيّر شيء في عقلية النظام ونمط تفكيره، فهو لا يريد إلا الحل الإخضاعي للشعب، ولا بدّ من أنه يبحث عن مثل هذا الحل في «جنيف 2» وإلا فلن يكون حل.
لا شك في أن وجود وثائق بالأسماء عن تورّط كبار المسؤولين في الجرائم يمثّل عنصر ضغط على النظام، لكنه يفتقد الراغبين فعلاً في الضغط منذ أولت واشنطن ادارة الملف الى روسيا. فهذه الأخيرة لا تهجس إلا بإبقاء الاسد، كوسيلة وحيدة لمحاربة ارهابيي «داعش» ومن شابههم، وتنظر الى «جنيف 2» كقناة متاحة لهذا الهدف.
ومن خلال التفاهم مع الاميركيين بات الروس يعتقدون أن الطريق الى المؤتمر ممهدة، خصوصاً أن لديهم رجلين مسهِّلين: المبعوث «الدولي – العربي» الاخضر الابراهيمي الذي آمن دائماً بـ «تسوية من خلال النظام» وأمل في أن يكون النظام أكثر حرصاً على انهاء الأزمة وبالتالي أقلّ وحشيةً وغباءً، ونائب الأمين العام للأمم المتحدة الاميركي جيفري فيلتمان الذي طوى آراءه السابقة بشأن الاسد استعداداً للدور الجديد.
للنظام السوري دوافع كثيرة ليكرَه فكرة «جنيف 2» لكنه لم يجد سبيلاً لإقناع روسيا بعدم الاندفاع الى هذا المؤتمر، فأخذ بالقاعدة الديبلوماسية القائلة «قل دائماً نعم وتصرف دائماً كما تريد». غير أن موسكو وفّرت له ضمانات وتطمينات لتبديد مخاوفه من «مرجعية» بيان «جنيف 1» التي استند اليها بان كي مون في اعلانه عن موعد 22 كانون الثاني (يناير) المقبل، اذ قال إن الهدف من المؤتمر والمفاوضات تشكيل هيئة تنفيذية انتقالية تتمتع بـ «صلاحيات كاملة» تشمل أيضاً «الكيانات الأمنية والعسكرية». ليس هناك ما هو أكثر وضوحاً، وليس الأمين العام للأمم المتحدة من سيتبرّع بإضافة «صلاحيات» الى تلك الهيئة، بل يستند الى ما لديه من وثائق ومعطيات أو على الأقل ما يعرفه من «التفاهمات» الاميركية – الروسية.
وللائتلاف المعارض شروط مسبقة اضطر للتخفيف منها تباعاً كي يتمكّن من العمل بالقاعدة نفسها، لذا فهو يعطي موافقته الأوليّة على المشاركة في «جنيف 2» فيما يصرّ على وضع مسألة تنحّي بشار الاسد على الطاولة. غير أن نصائح عربية وشروح اميركية (السفير روبرت فورد) أقنعته أخيراً بأن الشروط المسبقة غير قابلة التلبية تلبي رغبة النظام في أن تقدم المعارضة على نسف، كما أنها تربك الروس الذين تلمّح واشنطن واهمة أو مخادعة الى أن موقفهم السياسي المتصلّب قد تعدَّل بعض الشيء. لذلك أبقى الائتلاف مطلب «التنحّي» قائماً لكنه أصرّ على أمرين لا يستطيع مبدئياً المشاركة من دون استجابتهما قبل موعد المؤتمر: الأول تأمين الاغاثة للمناطق المحاصرة بفتح ممرات انسانية، والآخر اطلاق الأطفال والنساء المعتقلين. وأدرك الروس، على رغم رفضهم الشروط المسبقة، أن الهدف من هذين الشرطين المدعومين اميركياً هو «مساعدة» المعارضة على اتخاذ قرارها بالمشاركة. ويُعتقد أن تلبية الائتلاف دعوةً لزيارة موسكو قد تحرز تقدماً بالنسبة الى الإغاثة واطلاق المعتقلين، لكن أحداً لا يضمن ذلك. فدمشق حاججت بأن هذا «تنازل» لا داعي له طالما أن «جنيف 2» ينبغي أن يبدأ باتفاق على وقف اطلاق النار وأن الإغاثة والاجراءات الاخرى ستأتي في السياق، لكنها ستنفّذ مع ما ترتئيه روسيا في نهاية المطاف.
لا ترى موسكو أي ملامح اشتراطية في ما يعلنه النظام، كبيان خارجيته القائل إن وفده لن يذهب «لتسليم السلطة» تأكيداً لرفض الاسد مضمون بيان «جنيف 1»، أو قول فيصل المقداد إن أي قرار لن يصدر عن «جنيف 2» إلا «بموافقة الاسد». إلا أن موسكو تستبعد شرط تحديد اطار زمني للمفاوضات. ولعل عقدة العقد ستكون منذ البداية في التوصل الى وقفٍ لإطلاق النار، رغم أن تركيا وايران اللتين تحثّان الخطى في تدفئة علاقتهما أبدتا ثقتهما في الاتفاق عليه. والواقع أن الطرفين يريدانه، كلٌ من منظوره، فالمعارضة تريد لجاناً مشتركة على أساس ندّي، أما النظام فسيبدي تمسكاً بمحددات وضعها سابقاً وأولها أنه هو الدولة وأن الطرف الآخر متمرد ينبغي أن ينصاع للدولة.
سيضيع وقت طويل قبل أن يبدأ النظام بالاعتراف بأنه لم يلبِّ الدعوة الى جنيف ليحاور نفسه. وسيضيع وقت أطول في ما يسمّى «اجراءات بناء الثقة»، ومنها فك الحصار عن الغوطة الشرقية وحمص ورفع المظاهر المسلحة وبت ملف المعتقلين والمفقودين. وفي غضون ذلك ليس متصوَّراً أن تلتزم كل فصائل المعارضة أي هدنة مقترحة، ولا سيما «داعش» و «جبهة النُصرة»، فضلاً عن المجموعات الاسلامية التي توحّدت أخيراً. وليس واضحاً الآن أيضاً مَن سيتولّى التصدّي لها، ولا كيف سيستغلّ النظام هذه الثغرات التي لو لم توجد لعمل على ايجادها، وهو المعروف في تجربة لبنان بأنه يصنع قرارات وقف النار ثم يرسل من يخرقها بالنيابة عنه.
تركّز الأمم المتحدة والدولتان الكُبريان جهودها على تأمين انعقاد «جنيف 2»، ويعتقد المعنيّون بالتحضيرات أو يأملون بأن المؤتمر كفيل بانتاج ديناميته الخاصة. فكلام ما قبل لن يشبه كلام ما بعد الافتتاح والبدء بالعمل، ثم بالتنازلات، فالأزمة لن تعود رهن طرفيها فحسب، بل سيكون المجتمع الدولي منخرطاً في دفعهما الى إنجاح الفرصة المتاحة. ثم أن المفهوم العام المتوافق عليه هو أن النظام لن يخرج من «جنيف 2» كما دخله، وكذلك المعارضة، لكن النظام هو مَن لديه ما يتنازل عنه وهو هذا الاستئثار المزمن بالسلطة أما المعارضة فحضورها منوط بانتزاع حقوق الشعب السوري ممن استولى عليه طوال خمسة عقود. ومع ذلك فالمتوقع أن يتعرّض وفد المعارضة لضغوط شديدة مردّها الى ميزان القوى على الأرض، والى تركيبة وفدها خصوصاً اذ ضمّ طرفين على الأقل من المعارضة المدجّنة التي لا ترفض تسوية من خلال النظام.
يُطرح هنا دور الدول المشاركة، فللنظام حلفاء أثبتوا تفانياً بل شراسة منقطعي النظير في دعمه سياسياً وعسكرياً ومالياً، أما المعارضة فلديها «أصدقاء» تقودهم الولايات المتحدة لكن هذه خذلت شعب سورية مراراً طوال شهور الأزمة. واذا كان لايران أن تشارك، رغم أنها تقاتل مع النظام بل تقاتل عنه في بعض المواقع، فإن هذه فرصتها الأثيرة لتأكيد واقعيتها الجديدة لكن الرهان على براغماتيتها وعلى دور ايجابي (كما يروّج الابراهيمي) يبدو حتى الآن مجرد وهم.

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا