عبد الباري عطوان : تركيا و«لعنة» سورية.. واسرائيل قلقة …


2019.12.06 04:22


تركيا و«لعنة» سورية.. واسرائيل قلقة …عبد الباري عطوان


بدأت دول كثيرة، تورطت في هذه الازمة السورية تراجع مواقفها، وتبحث عن مخارج شبه مشرفة، بعد ان تبددت الآمال في اطاحة النظام في اسابيع او اشهر معدودة،

نتيجة فشل الجانبين في الحسم العسكري، ونجاح حلفاء سورية، خاصة ايران وروسيا وحزب الله الى جانب صمود الجيش السوري في تغيير المعادلة على الارض ..
تركيا كانت الدولة الاكثر تضررا من الازمة السورية حتى الآن، فقد تدفق على اراضيها ما يقرب من المليون لاجئ، بعضهم مقيم في معسكرات اغاثة، وبعضهم الآخر توزع في المدن التركية، ولكن ما هو اخطر من مسألة اللاجئين هو اهتزاز منظومة “التعايش الطائفي “ونجاح النظام السوري، بصورة مباشرة او غير مباشرة في تحريك “الطائفة العلوية” التي يزيد تعدادها على 15 مليون نسمة، وتأليب حزب العمال الكردستاني المعارض ضد المؤسسة الاسلامية الحاكمة، واقامة جسور قوية مع المعارضة وحزب الشعب الجمهوري على وجه الخصوص.

رجب طيب اردوغان ادرك جيدا ان “لعنة” سورية بدأت تطارده داخليا، وتهز اركان حكمه، وتقوض الوحدة الوطنية للشعب التركي، وتدمر سياسة “صفر مشاكل مع الجيران” ولذلك بدأ يتحرك بسرعة وهو الموصوف بدهائه وبراغماتيته لانقاذ حكمه وحزبه وبلاده.

ولعل انهيار العلاقة مع حليفه التقليدي فتح الله غولن الملياردير والداعية التركي المقيم في امريكا، وانفجار فضيحة الفساد التي تورط فيها ثلاثة وزراء في الحكومة، وتصاعد المظاهرات في حديقة غيزي وسط اسطنبول، سارعت كلها في تسريع عملية المراجعة التي نتحدث عنها.

السيد عبد الله غول رئيس الجمهورية التركية، الذي يتردد في الاعلام التركي انه بات يبتعد تدريجيا عن سياسة السيد اردوغان كان اول من قرع الجرس، وطالب بتغيير سياسة تركيا في الملف السوري، في اجتماع عقده في انقرة مع السفراء الاتراك في العالم قبل اسبوعين. صحيح ان الحزب التركي الحاكم اصدر بيانا نفى فيه ان يكون السيد غول يقصد التراجع عن دعم الثورة السورية، ولكن اية متابعة للسياسة التركية في المنطقة هذه الايام تؤكد تلك التصريحات ومعانيها الواضحة للعيان.

بداية التراجع في السياسة التركية تجاه الملف السوري بدأت بزيارة السيد اردوغان الى موسكو تحت عنوان اجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة، ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعدة ساعات، ثم ارساله وزير خارجيته محمد داوود اوغلو الى كل من بغداد وطهران حليفتي سورية، واستقبال محمد جواد ظريف وزير الخارجية الايراني في انقرة استقبالا حارا.

زيارة السيد اردوغان طهران الاسبوع الماضي ولقائه السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية علاوة على السيد حسن روحاني رئيس الجمهورية ومسؤولين آخرين كانت ذروة السياسة التركية الجديدة، حيث جرى الاتفاق على زيادة التبادل التجاري بين الدولتين من 22 مليار دولار الى 30 مليار دولار، وزيادة واردات تركيا من الغاز والنفط الايراني، ولكن الاتفاق الحقيقي غير المعلن يتمثل في “تجميد” التوتر في سورية ومحاربة “الارهاب” وهذا اعتراف مباشر بالنظرية السورية، وخطر الجماعات الجهادية المسلحة.

القاعدة السياسية المتفق عليها تقول: ان التدخل في الازمات يتم بسرعة، لكن الانسحاب منها يأخذ وقتا طويلا، والدليل الابرز هو الانموذج الامريكي في كل من العراق وافغانستان، ولهذا لا نستطيع ان نتنبأ بتغيير تركي سريع تجاه الملف السوري، ولكنه لن يأخذ عشر سنوات مثلما هو حال امريكا في العراق، او 13 عاما مثلما هو حالها في افغانستان، لانه تدخل حذر، ومن دون قوات مثلما هو حال تركيا.

اقدام القوات التركية على قصف قافلة لتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام قرب بلدة اعزاز في الشمال الغربي لسورية ردا على ما قيل انه اطلاق نار لقوات الدولة على سيارة عسكرية تركية، وتشديد الرقابة على الحدود واعتقال وتجميد ارصدة بعض الحسابات الاسلامية هو بداية تحول تركي مرشح للتصاعد خاصة بعد ان اكدت الاستخبارات التركية وجود اكثر من الف شاب تركي يقاتلون في صفوف تنظيم “القاعدة” ومنظماته على الارض السورية.

تداعيات الازمة السورية بدأت تمتد الى العمق التركي وتشكل عامل عدم الاستقرار، ولكنها لم تصل بعد الى مرحلة السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية مثلما هي الحال في لبنان والعراق، وان كان هذا التطور يبدو قريبا وغير مستبعد.

استيلاء “الجيش السوري الحر” على مناطق محاذية لهضبة الجولان وخسارة النظام مواقعه في منطقة القنيطرة ووجود قوي لجبهة النصرة كلها توحي اننا بازاء تطور جديد قرب الحدود الاردنية يمكن ان يتحول الى منصة انطلاق لصواريخ وهجمات ضد اسرائيل على غرار ما حدث عام 1982.

الثلاث سنوات الاولى من الازمة السورية غيرت سورية ديمغرافيا وجغرافيا وعسكريا، والثلاث سنوات المقبلة قد تحدث تغييرات في دول الجوار السوري غير محسوبة، ونحن نتحدث هنا عن تركيا والاردن ولبنان والعراق وربما السعودية ايضا.

ليس من قبيل المصادفة ان يتحدث السيد اوغلو عن الازمة “الانسانية” في سورية وضرورة ايصال المساعدات الى المناطق المحاصرة، وهو الذي يردد دائما ان ايام الاسد باتت معدودة، وليس مصادفة ايضا ان تؤكد دراسات عسكرية اسرائيلية ان “اسرائيل” ستكون الخاسر الاكبر ايا كانت نتيجة الصراع في سورية.

هل نقول ان السحر بدأ ينقلب على “السحرة” جميعا في سورية؟ نتريث قليلا وننتظر.

السعودية تريد مجاهدين في سورية ولكن غير”سعوديين”..

عبد الباري عطوان
يتراجع الحديث عن النظام السوري تدريجيا لمصلحة تصاعد حول خطر “الارهاب” وجماعاته، على الارض، مما يعكس تحولا متزايدا، بما يكون فيه هذا الارهاب هو العمود الفقري في تطورات الاحداث في المشهد السوري في العام الجديد.
 
المقصود بالارهاب هنا ووفق مفهوم منظومة اصدقاء سورية واعدائها معا هو الذي تمارسه الجماعات الجهادية الاسلامية، سواء كانت هجماتها ضد النظام، او الفصائل الاسلامية الاخرى، “المعتدلة” التي “توحدت”، وبوساطة سعودية غير مباشرة لاجتثاث كل من يحمل فكر القاعدة الاصلي من سورية، بعد ان كانت هذه الجماعات مصدر ترحيب حار وحفاوة علنية من قبل المربع التركي السعودي القطري الامريكي في بداية الازمة.
 
غضبة السيد داوود شريان الصحافي السعودي الجريء على شاشة محطة تلفزيون “ام بي سي” الذي هاجم في برنامجه الناجح الذي يحمل اسم “الثامنة” “دعاة تويتر” حسب نحته وتسميته واتهمهم بالتغرير بالشباب السعودي، والزج بهم في “اتون الجهاد” في سورية، ويصف هذا الجهاد بـ”الكذبة القاتلة” كانت بداية تحول سياسي واعلامي كبير ليس على صعيد الازمة السورية فقط وانما المنطقة العربية برمتها، ومقدمة لاستراتيجية جديدة متفق عليها.
 
السيد الشريان كسر “محرمات” لم يجرؤ احد الاقتراب منها قبل بضعة اشهر فقط، عندما شن اي الشريا، هجوما كاسحا على الشيخ عدنان العرور واولاده واتهمهم بالمتاجرة بالجهاد وجمع الاموال باسمه من السعوديين وغيرهم بينما يغادر الشباب السعودي الى سورية ويقتلون”، وتساءل، في حسابه الرسمي على “التويتر” صارخا “لماذا لا يذهبون الى سورية ويمارسون نشاطهم هناك؟”.
 
ردود الفعل المؤيدة والمتضامنة مع السيد الشريان في الصحف السعودية شبه الرسمية توحي بأن الدولة السعودية ليست بعيدة عن هذا التوجه ولا نبالغ اذا قلنا انها تتبناه، وتدعمه، ومن غير المستبعد ان تكون اوعزت به، فمحطة “العربية” السعودية التمويل، وشقيقة “ام بي سي” تبث برنامجا اسبوعيا، وعلى مدى اكثر من عشرة اعوام تحت عنوان “صناعة الموت” مخصص لمكافحة “الارهاب” حسب المواصفات السعودية والغربية، وتقدمه ريما صالحة وتستضيف فيه كل من يعارض هذا الارهاب ويجرمه، ويحظى البرنامج بدعم اعلاني من شركات كبرى.
 
الدول العربية، والخليجية بالذات بدأت تشعر بالقلق الشديد من تدفق الشباب السعودي الى سورية للانضمام الى الجماعات الجهادية، خاصة بعد ان قدرت مصادر موثوقة اعداد هؤلاء بأكثر من عشرة آلاف شاب معظمهم تتراوح اعمارهم بين 16 و30 عاما، وبعضهم يحمل درجات علمية عليا من كبريات الجامعات الامريكية والاوروبية.
 
الخوف، او بالاحرى الرعب، هو من اقامة هؤلاء “امارات” اسلامية على الارض السورية، واستخدامها “منصة انطلاق” للقتال على الارض الخليجية والسعودية على وجه الخصوص، ولذلك تم التركيز على الشيوخ المعروفين الذين يستخدمون رسائل التواصل الاجتماعي للدعوة الى الجهاد في سورية وقبلها افغانستان، وتحميلهم مسؤولية تجنيد هؤلاء الشباب، ومن ثم مقتلهم او استشهادهم على الارض السورية.
 
بعض الدعاة ادرك المعنى الحقيقي الذي يكمن خلف غضبة الزميل الشريان، اي تجريمهم وتحريض المجتمع السعودي والخليجي ضدهم، او جانبا عريضا منهم، ولذلك بادروا الى تبرئة انفسهم من هذه التهم، وكأن اول من بادر في هذا الخصوص الشيخ سلمان العودة الداعية السعودي المعروف ونائب الشيخ يوسف القرضاوي رئيس هيئة كبار العلماء المسلمين، الذي نفى لن يكون قد حرض على الجهاد في سورية، وطالب الشريان باثبات اقواله او لقائه في المحكمة.
 

***
 

هناك اربع عوامل رئيسية تؤكد ان هذه الحملة ضد “الجماعات الجهادية” منسقة ومتفق عليها من قبل حكومات عربية وغربية، وتؤكد انها ستكون العنوان الابرز في المرحلة المقبلة.
 
*اولا: تصويت مجلس العموم البريطاني (البرلمان) الخميس بالاكثرية لصالح خطة اقترحتها وزيرة الداخلية تيريزا ماي لتجريد المشتبهين بالارهاب من جنسياتهم البريطانية، وهذا يعني ان كل من يخرج الى الجهاد، ويقاتل في فلسطين ومصر وسورية والعراق تحت لواء جماعات تصنف على انها ارهابية لتبنيها ايديولوجية تنظيم “القاعدة” او مقاومة الاحتلال الاسرائيلي (حماس)؟، او اخرى مشابهة لها، فانه لن يتمكن من العودة الى بريطانيا حيا او ميتا، لانه يشكل خطرا على الامن البريطاني.
 
*ثانيا: اتفاق وفدي النظام والمعارضة السوريين لاول مرة على مناقشة موضوع الارهاب على الارض السورية، وربما هذا هو الاتفاق الوحيد بين الطرفين في جلسات مؤتمر “جنيف2″ فقد اختلفا على كل شيء باستثناء هذه المسألة.
 
*ثالثا: قصف القوات التركية لقافلة تابعة للدولة الاسلامية في العراق والشام كانت تمر قرب الحدود في الشمال الغربي السوري، وتدمير حافلة وشاحنة وبيك آب، تحت مبررات الرد على تعرض سيارتين للجيش التركي لاطلاق النار عند مركز “كوبان بيك” الحدودي من قبل مقاتلين تابعين للدولة.
 
*رابعا: مطالبة تركيا وعلى لسان وزير خارجيتها احمد داوود اوغلو اكثر من مرة بطرد وابعاد المقاتلين الاجانب جميعا من الارض السورية، وورود هذه المطالبة ايضا في البيان المشترك الصادر عن زيارة السيد رجب طيب اردوغان لطهران، وربما يفيد التذكير بأن تركيا هي التي فتحت اراضيها لمرو المقاتلين الاجانب وسلاحهم الى سورية في بداية الازمة للتسريع باسقاط النظام السوري.
 

***
 

ما يمكن استخلاصه من تلك النقاط الاربع، متفرقة او مجتمعة، وجود اتفاق بين الدول المتورطة في الازمة السورية، سواء كانت عظمى مثل امريكا وروسيا، او اقليمية مثل السعودية وايران وتركيا، على عدم تحويل سورية الى نقطة ارتكاز وجذب “للاسلام الجهادي” على غرار ما حدث في افغانستان وبدرجة اقل في العراق وليبيا.
 
بمعنى آخر ان يتم ترك مسألة “القتال” للسوريين فقط، وبغض النظر عن ايديولوجيتهم، وهذا ما يفسر التسامح مع جبهة النصرة، ووضع الدولة الاسلامية في العراق والشام على قائمة التصفية، وبما يسها التوصل الى حل وسط بين السوريين في نهاية المطاف.
 
في الجولة الاولى من مؤتمر “جنيف2″ جلس وفدا النظام والمعارضة في غرفة واحدة، دون ان يتصافحا، في الجولة القادمة، ستكون الصورة مغايرة بعد كسر الحاجز النفسي، وهذا تطور كبير، وسنقرأ عن اول مصافحة من نوعها، والبدء في الاتفاق على خطوات لمكافحة “الارهاب”، الارضية المشتركة للجانبين، مع تأجيل مسألة الحكومة الانتقالية لمرحلة لاحقة.
 
من الواضح ان بعض رجال الدين الكبار المعروفين قد فهموا الرسالة جيدا، وخففوا من دعواتهم للجهاد في سورية على وجه الخصوص، فقد كان لافتا ن الشيخ محمد العريفي الذي تجمع الآلاف لسماع خطبه تأييدا للثورة في مصر ومن فوق منابرها، خفف لهجته السياسية قليلا، وتحدث في خطبته التي القاها قبل اسبوع من على منبر مسجد الامام محمد بن عبد الوهاب في الدوحة عن “البر بالوالدين”، ولم يتطرق مطلقا لما يجري في مصر او سورية او العراق
 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
  بيع لوحة نادرة لموتسارت بـ4 ملايين يورو في مزاد بباريس  سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع مُقارنةً ساخرةً بين قمم العرب وقمّة قادة مجموعة السبع في فرنسا   ذكور ضفادع القصب تذعن قبول ممارسة الحميميه مع ضفدع مثلي ليتجنب أن يؤكل.  لحظة لا تصدق: حيلة الاخطبوط العجيبه كارنافال ترامب : لتحسين عمليات التحقق من مالكي السلاح وتعديل الهجرة بعد مجزرتي إل باسو ودايتون  فرنسا:الزام جميع أسطح المنازل الجديدة بتغطيتها في النباتات أو لوحات #solar عكس كندا ؟؟ شوووووب:شاهد: كيف يبرد السكان أجسامهم بعد أن اجتاحت موجة الحرارة الشديدة الدول الاسكندنافية اتهامات لوائل كفوري:ضرب وحبس وعنَّفَ طليقته وانفصال الممثلة هنا شيحة ووفاة الممثلة البحرينية صابرين