لماذا خسرت روسيا في أوكرانيا ما لم تخسره في سوريا؟!

رئيس التحرير
2019.12.08 00:41

 

 

بشكل سريع ومفاجئ إنهار حُكم الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، بعد أقلّ من ثلاثة أشهر على إندلاع التظاهرات الشعبيّة (1). وصارت المُعارِضة الأوكرانية البارزة، رئيسة الوزراء السابقة، يوليا تيموشينكو، حرّة بعد سنتين ونيّف أمضتهم في السجن، وحدّد البرلمان الأوكراني 25 أيّار المقبل، موعداً لإجراء إنتخابات رئاسيّة مبكرة في البلاد، في الوقت الذي فرّ الرئيس المخلوع بحكم الأمر الواقع من كييف إلى شرق البلاد المؤيّد لروسيا، حيث حاول من هناك الفرار إلى الخارج، شأنه شأن الكثير من معاونيه الذين منعوا من السفر من قبل حرس الحدود. والسؤال الذي يفرض نفسه، لماذا خسرت روسيا حليفاً في "عقر دارها"، بينما نجحت في حماية حليف بعيد عن حدودها؟ ولماذا خسرت نفوذها في أوكرانيا لصالح الغرب بعد ثلاثة أشهر من المواجهات، بينما صمدت بوجه نفوذ الغرب وآخرين بعد ثلاث سنوات من النزاع في سوريا؟
على الرغم من أنّ أوكرانيا تتشارك حدودها الشرقيّة مع روسيا الإتحادية، لم تنجح موسكو في حماية الحكم المؤيّد لها هناك نتيجة مجموعة من العوامل، وأبرزها:
أوّلاً: وقوف الجيش الأوكراني على الحياد، ورفضه تنفيذ أوامر السلطة السياسية بفضّ التظاهرات المناهضة للحكم بالقوّة، بينما في سوريا كان لتدخّل وحدات الإستخبارات شبه النظامية إلى جانب بعض وحدات الجيش الموالية كلياً للنظام، الدور الحاسم في قمع المتظاهرين.
ثانياً: في أوكرانيا، فشلت محاولات الرئيس المخلوع في "عسكرة الثورة" ضدّه، على الرغم من نشره القنّاصة على أسطح المباني لإطلاق النار على المتظاهرين، وعلى الرغم من تسهيله عمداً سيطرة بعض المتظاهرين على أسلحة حربيّة على أمل قيامهم بقتل رجال الشرطة. لكنّ المتظاهرين الأوكرانيّين حافظوا على سلميّة تحرّكهم إلى حدّ بعيد، بينما في سوريا أدّى دخول جماعات مسلّحة من الخارج إلى "عسكرة الإنتفاضة" وإلى دخولها في صراع عسكري غير متكافئ مع الجيش السوري.
ثالثاً: في أوكرانيا، دخلت دول الإتحاد الأوروبي إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية بقوّة على خط الأزمة، لجهة دعم المعارضة سياسياً والتضييق على النظام، وإقفال الطريق مسبقاً على أيّ دعم روسي ميداني له، بينما في سوريا، جاء الدعم الغربي والأميركي للمعارضة محدوداً ومتردّداً إذا ما قورن بالدعم الذي لقيه النظام من حلفائه الإقليميّين والدوليّين، خاصة من إيران وروسيا.
رابعاً: في أوكرانيا وعلى الرغم من إنقسام المعارضين إلى جماعات عدّة تدين بالولاء إلى شخصيّات متنافسة مختلفة، كما هي الحال في سوريا، حافظ المتظاهرون على وحدة الهدف والذي يتمثّل بإسقاط الرئيس وتعديل الدستور وتوسيع هامش الحريّات. وعلى الرغم من الفروقات العرقيّة والمذهبيّة في صفوف الشعب الأوكراني (2) إجتمع الكثيرون حول ضرورة إسقاط الحكم الذي يتصرّف كالديكتاتوريّات بعقليّة محافظة تُذكّر بأيّام الحكم الشيوعي الذي كان سائداً قبل أن تنال أوكرانيا إستقلالها بُعيد إنهيار الإتحاد السوفياتي في العام 1991. أمّا في سوريا، لعبت المصالح العرقيّة دوراً كبيراً في تشتت المعارضة، بتحييد الأكراد أنفسهم عن الصراع مثلاً. كما لعبت الفروقات المذهبيّة دوراً حاسماً في تراجع التأييد الشعبي للمعارضين، نتيجة خوف الأقليّات المسيحية والدرزية والعلويّة على مصيرها في حال سقوط النظام السوري، بفعل التصرّفات الهمجيّة لبعض جماعات المعارضة المتشدّدة. 
خامساً: في أوكرانيا، توحّدت الجهات الأوروبية والغربيّة التي تقف وراء المعارضة حول أهداف واحدة، تتمثلّ في منع سيطرة روسيا على أوكرانيا من جديد، وفي جلب أوكرانيا إلى كنف الإتحاد الأوروبي، بينما في سوريا، تضاربت أهداف الجهات العربية والغربيّة التي تقف وراء المعارضة، ودخلت لعبة المصالح المتناقضة بقوّة على خط الأزمة، ما أسفر عن تضعضع المعارضة وعن تحوّلها إلى "معارضات" تتقاتل في ما بينها.
في الخلاصة، أثبتت التطوّرات المتسارعة في أوكرانيا أنّ الحديث عن أنّ روسيا عادت قوّة عظمى لا تُقهر هو غير صحيح، حيث أنّ الإحتفاظ بنفوذها أو خسارته في أي مكان في العالم مرتبط بعوامل داخلية وخارجية مؤثّرة، بحيث يمكن أن تنجح في مكان وأن تُخفق في مكان آخر، وذلك تبعاً لهذه العوامل والظروف. كما أثبتت الأحداث أنّ الشعب الأوكراني الذي كان قد نزل إلى الشوارع في العام 2004، عند إنطلاق ما عُرِفَ في حينه بإسم "الثورة البرتقالية" في دلالة إلى لون الأعلام والشالات التي حملها المتظاهرون آنذاك، نجح في نهاية المطاف بإسقاط الرئيس الذي كان قد وصل إلى الحكم بفعل التزوير الإنتخابي وقمع المعارضين الذين ضعفوا نتيجة إنقسامهم على بعضهم. وأكّد الشعب الأوكراني أيضاً أنّ لا مكان بعد اليوم لحكم الديكتاتوريّات المباشرة أو المموّهة في أي مكان في العالم، وأنّ المسألة مسألة وقت فقط لا غير!

 

(1) بعد أشهر طويلة من المفاوضات بين أوكرانيا والإتحاد الأوروبي طوال العام الماضي، إنتظر الأوكرانيّون الذين يعيشون في وضع إقتصادي صعب وضاغط، توقيع إتفاق تاريخي مع أوروبا يُدخل أوكرانيا سياسياً وإقتصادياً في تعاون كبير مع الدول الأوروبيّة. لكن الرئيس المخلوع فيكتور يانوكوفيتش قرّر في 21 تشرين الثاني 2013 تعليق المفاوضات، لأنّ روسيا هدّدت بإتخاذ إجراءات قاسية ضد أوكرانيا، ولأنّ الأوروبيّين إشترطوا إطلاق المعارضة الأوكرانية، يوليا تيموشينكو، المسجونة بتهم فساد بينما الغرب يصفها بالمعتقلة السياسية بتهم ملفّقة. عندها نزل الآلاف إلى الشوارع إحتجاجاً، وعلى أمل دفع الرئيس إلى العودة عن قراره، لكن يانوكوفيتش سافر إلى موسكو وأعلن مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إتفاق بقيمة 15 مليار دولار، وأطلق قوانين تحدّ من الحريات وتمنع الظاهر. وهذا ما أدّى إلى إشتداد التظاهرات، وإلى رفع المعارضة مطالب للحدّ من سلطات الرئيس ولتحديث الدستور، لتبدأ عندها القوى الأمنية بإستخدام القوّة والرصاص لتفريق المتظاهرين الذين حمل بعضهم السلاح، في الوقت الذي وقف الجيش الأوكراني على الحياد.
(2) 70 % من سكان أوكرانيا يتحدّثون اللغة الأوكرانيّة، في حين يتحدّث الباقون اللغة الروسية، خاصة في المناطق الشرقيّة للبلاد.  كما يوجد إنقسام مذهبي أيضاً، بين مسيحيين أورثوذكس في شرق البلاد، ومسيحيين كاثوليك في غربها

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
  بيع لوحة نادرة لموتسارت بـ4 ملايين يورو في مزاد بباريس  سيرة اللقطة السينمائية منذ ولادة الفن السابع مُقارنةً ساخرةً بين قمم العرب وقمّة قادة مجموعة السبع في فرنسا   ذكور ضفادع القصب تذعن قبول ممارسة الحميميه مع ضفدع مثلي ليتجنب أن يؤكل.  لحظة لا تصدق: حيلة الاخطبوط العجيبه كارنافال ترامب : لتحسين عمليات التحقق من مالكي السلاح وتعديل الهجرة بعد مجزرتي إل باسو ودايتون  فرنسا:الزام جميع أسطح المنازل الجديدة بتغطيتها في النباتات أو لوحات #solar عكس كندا ؟؟ شوووووب:شاهد: كيف يبرد السكان أجسامهم بعد أن اجتاحت موجة الحرارة الشديدة الدول الاسكندنافية اتهامات لوائل كفوري:ضرب وحبس وعنَّفَ طليقته وانفصال الممثلة هنا شيحة ووفاة الممثلة البحرينية صابرين