عودة الحريري من بوابة عرسال؟ إلى لبنان بين قلق الاعتدال ورغبة الإمساك بالساحة

رئيس التحرير
2019.06.24 09:20

 

 

مفاجئة أتت عودة رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري إلى لبنان بعد غيابٍ دام ثلاث سنوات ودون سابق إنذار، إلا أنها تحمل بين طيّاتها الكثير من الدلالات والمعاني في ضوء الاستحقاقات الداهمة والتحديات المحدقة على أكثر من صعيد.
وفي هذا السياق، يمكن القول أنّ البُعد الأساسي لعودة الحريري مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمستجدات التي فرضت نفسها ليس فقط في الساحة اللبنانية بل على مساحة المنطقة من العراق إلى سوريا إلى لبنان نتيجة التهديد الإرهابي والرغبة بالتوسع نحو الخليج.
وانطلاقاً من هنا، فإنّ عودة رئيس الحكومة السابق هي جزء من خطوات بدأت بقلق الاعتدال السني من التطرّف، وتُوّجت بالموقف الحاسم الذي أطلقه الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز الاسبوع الماضي تجاه الارهاب، وهو الموقف الذي استُكمِل بدفع مليار دولار كهبة للجيش اللبناني.
وممّا لا شكّ فيه أنّ كلّ ذلك أتى ليمهّد لعودة الحريري للإمساك بالساحة الإسلامية السنية من جديد خصوصاً في ضوء تراجع القدرة التمثيلية لتيار المستقبل في الساحة السنية ولا سيما في الشمال والبقاع وصيدا، ولعلّ ما يدلّ على ذلك أنّ بعض المشايخ وفي مقدّمهم الشيخ سالم الرافعي والشيخ نبيل رحيم هم الذين كانوا يفاوضون مع الدولة اللبنانية في الأسابيع الماضية للملمة الأزمة الأمنية، ثمّ أتت أحداث عرسال لتظهر عدم وجود أي تأثير لتيار المستقبل بعرسال بدليل أنّ المشايخ كانوا هم أداة الوصل.
وإذا كان ما سبق زاد من القلق الجدّي والحقيقي عند تيار المستقبل، فإنّ بعض الأصوات بدأت ترتفع من داخل التيار الأزرق في الآونة الأخيرة لعدم سحب البساط منه في هذه المناطق، خصوصاً في ضوء بعض الظواهر اللافتة ومنها ما حصل بالأمس حين رفض أهالي عرسال المساعدات التي وصلتهم من الحريري وعدم الاستماع لهم، ما يثبت وجود ما يمكن وصفه بالانحدار التمثيلي في تيار المستقبل بالساحات الاسلامية السنية.
هكذا إذًا، أظهر الوضع في عرسال وقبله في الشمال أنّ تيار المستقبل لم يعد يمسك الساحة والأرضية كما كان في السابق، لدرجة أنّ الكلمة باتت تحت عنوان علماء مسلمين لرجال الدين الذين لا يغرّدون في سرب تيار المستقبل، وهؤلاء عندهم حساباتهم السياسية وخطوطهم المفتوحة مع قوى داخلية وخارجية. وتكمن خطورة هذا الموضوع اليوم بعد امتداد ما يسمى التيارات الإسلامية السلفية تحت عنوان الجهاد في ازدياد عناصر القوة عند التيارات السلفية والأصولية ممّا أضعف تيار المستقبل كتيار اعتدال.
ويُستنتَج من كلّ ما سبق أنّ الأمور لو مضت كما هي عليه، فإنّ أيّ انتخاباتٍ كان من شأنها التأثير سلباً على تيار المستقبل، باعتبار أنّ القوى الإسلامية السلفية كانت هي التي ستحدّد الكتلة السنية في البرلمان، وبالتالي ستسقط كتلة المستقبل بحجمها وشكلها الحاليين من الحياة البرلمانية والسياسية والشعبية.


وإذا كان القلق الخليجي من تمدّد الإرهاب، معطوفًا على كلّ هذه الأمور، ساهم بدفع هبة المليار دولار علّ الحريري يستفيد منها لوضع حد اقله للتطرف تجاه لبنان، فإنّ المعلومات التي تسرّبت في الساعات الماضية تؤكد أنّ واشنطن تريد تحييد لبنان عما يجري في المنطقة، وبالتالي أنّ الولايات المتحدة الأميركية شجّعت خطوة عودة الحريري الى لبنان.
ولكن هل من شأن عودة الحريري إعادة إحياء الحراك السياسي المجمّد إلى حدّ ما؟ وهل يمكنها أن تدفع قدمًا باتجاه إنجاز الاستحقاق الرئاسية ووضع حدّ للفراغ الذي بات يهدّد الحدّ الأدنى من مقوّمات الدولة على أكثر من صعيد؟
تُجمِع المصادر في هذا الإطار أنه لا يمكن الحديث حتى اللحظة عن خطوات سياسية جدية أو ملموسة بشأن الاستحقاق الرئاسي أو النيابي ما عدا ما يقوم به رئيس "الحزب التقدّمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط الذي بادر من تلقاء نفسه على هذا الصعيد، بدءاً من الزيارة التي قام بها إلى الحريري في الخارج مروراً بلقائه مع الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ولقاءاته المتكرّرة مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري وصولاً إلى لقائه الأخير مع رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" العماد ميشال عون. وإذ تشير المصادر إلى أنّ جنبلاط يسوّق في لقاءاته هذه لحل سياسي ليس واضح الأفق بعد، تؤكد أنه يستجمع ظروفه ليدوّر الزوايا بمؤازرة ودعم من رئيس المجلس النيابي.
من هنا، يمكن الجزم أنّ خطوة الحريري في الحضور إلى لبنان اليوم تعزّز خطوات وليد جنبلاط وتشكل وعاء سياسياً إضافياً لتسوية سياسية محتملة، إلا أنّ تفاصيل هذه التسوية لم تنضج بعد وهي تبقى غير موجودة حتى الآن.
بجميع الأحوال، فإنّ عودة الحريري ستخلط الكثير من الأوراق وتقلب الكثير من المعطيات، لتخلق معادلة جديدة على شكل أنّ ما قبل عودته لن تكون كما بعدها أبدًا، ليبقى السؤال الأساسي رغم كلّ ذلك عمّا إذا كانت المواجهة السياسية في الأسابيع المقبلة ستتركّز ما بين التيارات السلفية وتيار المستقبل خصوصاً في ضوء ما عاناه التيار الأزرق في الشمال مؤخراً، في وقت يعرف القاصي والداني أنّ الأوضاع في صيدا لا تطمئن أيضًا.

هل يُمهد "الشيخ" لعودته من بوابة عرسال؟

هل حان موعد عودة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إلى لبنان؟ هذا السؤال يطرح بقوة في الأوساط السياسية والشعبية على خلفية الأحداث المؤلمة التي شهدتها بلدة عرسال في البقاع الشمالي، لا سيما أن هناك من يرى أن حضوره قد يساهم في التخفيف من حدة التوتر المذهبي القائم على الساحة اللبنانية منذ سنوات، بالرغم من حديث المقربين منه عن أن التهديدات الأمنية لا تزال تمنعه من القيام بهذه الخطوة.
من الملاحظ أن "الشيخ"، الغائب عن الساحة اللبنانية منذ إسقاط قوى الثامن من آذار الحكومة التي كان يترأسها، يحرص في الفترة الأخيرة على الظهور الإعلامي بشكل متواصل، وسجل له في الأيام الأخيرة أكثر من تصريح وبيان يتناول الأوضاع في عرسال، ما يؤشر إلى أن الرجل يدرك أن الأمور وصلت إلى مرحلة تتطلب منه الحديث بشكل مباشر لا عبر من ينوبون عنه عادة من الوزراء والنواب.
في هذا السياق، تشير مصادر نيابية من قوى الثامن من آذار إلى أن هناك من القيادات السياسية، لا سيما رئيس "اللقاء الديمقراطي" النائب وليد جنبلاط، من يرى أن هناك ضرورة تحتم عودة الحريري إلى لبنان بأسرع وقت ممكن، خصوصاً أن الخطر الناجم عن المجموعات الإرهابية بات كبير جداً، وتلفت إلى أن هذه القيادات لا تعتبر أن "الشيخ" قادر على لعب الدور نفسه من الخارج، وتؤكد بأن حضوره الشخصي سيكون له نتائج إيجابية على أكثر من صعيد، خصوصاً أن السبب الأساس لتوسع نفوذ التيارات المتطرفة يعود إلى غياب القيادات المعتدلة الفاعلة على الساحة الإسلامية السنية.
وتلفت هذه المصادر، في حديث لـ"النشرة"، إلى أن الأوضاع اليوم مختلفة عما كانت عليه في وقت سابق، ويستطيع الحريري أن يبقى في أحد المقرات التي يرى أنها آمنة كما تفعل القيادات الأخرى، وتؤكد أنّ "أغلب هذه القيادات مهددة، لكنها موجودة هنا تتابع عملها عن قرب، وهو يستطيع أن يقوم بذلك أيضاً"، وتشير إلى أن لدى "الشيخ" أيضاً علاقات أفضل من التي كانت قائمة سابقاً مع كل من "التيار الوطني الحر" و"الحزب التقدمي الإشتراكي"، وتؤكد أنه قادر من خلال الإستناد إليها على القيام بدور كبير في هذه المرحلة الصعبة.
وعلى الرغم من غمزها إلى أن بعض المقربين منه قد يكونون المتضررين الأكبر من ذلك، تؤكد أن اليوم هناك إمكانية لقيام تفاهم ينطلق من الإنتخابات الرئاسية إلى ما هو أبعد من ذلك، ويكون ربما مقدمة لإنهاء الإنقسام القائم منذ سنوات، وعامل مساعد على تحصين الساحة الداخلية أمام الرياح المتطرفة القادمة من المحيط بسرعة كبيرة.
من جانبها، ترفض مصادر في كتلة "المستقبل" الربط بين الأحداث في عرسال وعودة الحريري، وتشير إلى أن رئيس الحكومة السابق هو من يقرر تاريخ العودة المناسب، بعد الأخذ بعين الإعتبار موضوع التهديدات الأمنية الكبيرة التي دفعته حتى الآن إلى البقاء بعيداً، ولا تنفي أن العودة المنتظرة ستكون ذات أهمية كبرى في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان والمنطقة، لكنها تسأل: "ماذا لو عاد "الشيخ" وتعرض لأي إستهداف، من يستطيع أن يقدر تداعيات هذا الأمر على البلاد الجالسة على فوهة بركان؟"
وتوضح هذه المصادر، في حديث لـ"النشرة"، أن من غير الممكن تحديد موعد العودة اليوم، لكنها ترى أنه قد يكون كبيراً إذا ما كان لبنان مقبلا على تسوية سياسية كبيرة، إلا أنها لا تزال تستبعد هذا الأمر حالياً، حيث تشدد على أن ليس هناك من مؤشرات على ذلك حتى الآن.
في المحصلة، ليس هناك ما يؤشر لعودة الحريري إلى لبنان قريباً، لكن هناك من يرى أن "الشيخ" بدأ بالتمهيد لذلك من خلال مواقفه الأخيرة، فهل تكون بوابة عرسال بديلاً طبيعياً عن مطار دمشق الدولي؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا