انتهت الحرب العسكرية الاسرائيلية على قطاع غزة ومن المتوقع ان يؤدي اتفاق وقف اطلاق النار الذي رعته السلطات المصرية الى التفرغ لحرب دبلوماسية اخرى، ربما لا تقل شراسة، بين المحور المصري السعودي الاماراتي البحريني، وبين المحور التركي القطري الذي وقف ويقف في الخندق الآخر المقابل. بعد غد السبت يعقد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي اجتماعا في مدينة جدة غرب المملكة العربية السعودية لبحث التقرير الذي وضعته لجنة متابعة تنفيذ “اتفاق الرياض” الخاص بأزمة سحب السفراء من الدوحة (بدأت في آذار مارس من هذا العام) بشكل خاص والخلافات الخليجية مع السلطات القطرية بشكل عام. تقرير اللجنة اشار الى عدم قيام الى دولة قطر بالالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق وابرزها وقف التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج الاخرى، من بينها تجنيس معارضين خليجيين وتوفير الملاذ الآمن لهم، وعدم اتخاذ سياسات خارجية تلحق الضرر بمجلس التعاون الخليجي ودوله، في اشارة الى حركة الاخوان المسلمين وتبني موقفها الرامي الى اطاحة النظام المصري الحالي والعودة الى السلطة التي سلبت منها واطلاق سراح قيادتها المعتقلة. وزير الخارجية القطري السيد خالد العطية رفض توقيع تقرير اللجنة المذكورة اسوة بزملائه الخمسة الآخرين اثناء اجتماع عقد في هذا الخصوص في جدة قبل عشرة ايام وغادر الى الدوحة غاضبا، وهو موقف منطقي، فكيف يوقع على تقرير يدين دولته، ويمهد لفرض عقوبات عليها من قبل شقيقاتها في المجلس؟   *** العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز شكل وفدا من ثلاثة امراء كبار برئاسة وزير الخارجية سعود الفيصل، ووزير الداخلية محمد بن نايف، ورئيس المخابرات خالد بن بندر، والثلاثة من احفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وطلب منه التوجه الى الدوحة ولقاء المسؤولين فيها، في زيارة وصفتها صحيفة “الشرق الاوسط” المقربة من النظام السعودي بأنها “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” لتسوية ازمة العلاقات مع قطر التي القت بظلالها على مسيرة مجلس التعاون الخليجي وشلتها جزئيا، او كليا، طوال الاشهر الستة الماضية. تشكيل الوفد من ثلاثة امراء، الاول من الصقور الذين لا يكنون الكثير من الود للنظام الحالي في قطر وسياساته، اي الامير سعود الفيصل، والثاني من “الحمائم” الذي يعرف بعلاقته الوثيقة مع هذا النظام وصداقته القوية بالامير القطري الشاب تميم بن حمد آل ثاني، ويتردد باستمرار على الدوحة في زيارات خاصة معلنة وغير معلنه، والثالث الامير خالد بن بندر رئيس جهاز الاستخبارات الذي يوصف بجديته وموضوعيته، علاوة على “وسطيته”، هذا التشكيل للوفد جاء مقصودا، اي للايحاء للسلطات القطرية بأنه لا يوجد صراع اجنحة في السعودية، او آراء متباينة بشأن الخلاف معها، وان الكل مجمع على ضرورة تنفيذها اتفاق الرياض وبنوده كافة، او تحمل نتائج عدم التنفيذ التي ربما تشمل اغلاق حدود برية وعقوبات اقتصادية وتجميد العضوية في مجلس التعاون. الوفد الثلاتي قضى ساعة ونصف الساعة في الدوحة فقط، التقى خلالها الامير القطري، مما يوحي ان المسألة تنحصر في تسليم رسالة محددة او “انذار”، والاستماع الى الرد الفوري عليها، حيث لم يكن هناك اي مجال للمجاملات الخليجية التقليدية ومآدب الغداء او العشاء الرسمية المتبعة في هذا الصدد، فقد كانت زيارة “جافة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الزيارة تمت وانتهت وسط تكتم شديد، ولم ترشح اي معلومات حول نتائجها او ما دار فيها، خاصة من الجانب القطري المضيف، ولكن الصحف السعودية او المحسوبة عليها في لندن، اكدت عدم نجاحها في اقناع الجانب القطري بالتجاوب مع ما هو مطلوب منه تنفيذه في اتفاق الرياض، بينما التزمت الصحف القطرية في الدوحة او تلك التي تصدر في الخارج الصمت المطبق، ولم تتناول زيارة الوفد السعودي للدوحة الا بشكل روتيني تقليدي على طريقة وكالات الانباء الرسمية. مسؤول كويتي قامت دولته بجهود وساطة مكثفة لاحتواء هذه الازمة الخليجية بعد ان عجزت عن ايجاد حلول جذرية لها، قال ان ما هو مطلوب من قطر، وبكل بساطة، اصدار تعليمات فورية لقناة “الجزيرة” بتغيير خطابها الاعلامي، فيما يتعلق بالاوضاع في مصر وتطوراتها، اي التوقف عن دعم الاخوان المسلمين وتوجيه اي انتقاد لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووضع آلية واضحة لوقف التجنيس للمعارضين الخليجيين، ومن البحرين والامارات خصوصا، في اطار سقف زمني محدد. لا نعتقد ان السلطات القطرية ستلبي اي من الطلبين في غضون اليومين القادمين السابقين لاجتماع وزراء الخارجية في مدينة جدة، ولو كانت مستعدة لذلك لفعلتها قبل اشهر، لان تحالفها مع حركة الاخوان المسلمين استراتيجي وفي اطار تحالف اكبر مع قوى اقليمية مثل تركيا، واي تغيير لخط “الجزيرة” السياسي، اي التوقف عن دعم الاخوان ومصالحة الرئيس السيسي بالتالي يعني بدء العد التنازلي لاضمحلال هذه المحطة، وفقدانها لما تبقى لها من مصداقية ونفوذ وتأثير، بالتالي تراجع اهمية الدولة القطرية التي تعتمد عليها كورقة اساسية في يدها لدعم سياساتها الخارجية المتشعبة. الخلاف بين قطر وشقيقاتها لا يعود، في اعتقادنا، بالدرجة الاولى الى مسائل داخلية مثل قضية التجنيس واحتضان المعارضين، وانما الى قناة “الجزيرة” ودورها وحملاتها ضد نظام السيسي، واحتضانها لحركة الاخوان المسلمين والانتصار لها وفكرها واهدافها، وهي ستستمر في هذه السياسة مهما تعاظمت الضغوط الخليجية عليها فيما يبدو، بدليل تعيينها الزميل ياسر ابو هلالة المعروف بميوله الاسلامية مديرا عاما لقناة “الجزيرة” في تحد يحمل في طياته استفزازا لمن يريدون تغيير خط المحطة.   *** السعودية تقف اليوم امام تحديات خطيرة جدا، ابرزها خطر القوة المتنامية لـ”الدولة الاسلامية” بقيادة ابو بكر البغدادي الحسيني “القرشي” التي تحاكي، بصورة او بأخرى، الحركة الوهابية في صيغتها البكر الاولى، وتهدد باجتياح المملكة فكريا وعقائديا وعسكريا في الوقت نفسه، مثلما تواجه ايضا، اي السعودية، انقلابا في اولويات الولايات المتحدة ودول اوروبا في تحشيد القوى لمواجهة هذا الخطر “الاسلامي السني المتشدد”، وليس اسقاط النظام السوري، ولو مرحليا على الاقل. ما يقلق القيادة السعودية هو انجذاب نسبة كبيرة من الشباب السعودي الى هذا الفكر المتشدد للدولة الاسلامية، واعجابهم بـ “انتصاراتها” على الارض في العراق وسورية وتساقط المدن والقواعد العسكرية مثل الذباب امام زحفها، حيث قدر استطلاع غير رسمي اجري على وسائل التواصل الاجتماعي تأييد 92 بالمئة من الشباب السعودي لـ”الدولة الاسلامية”، ومهما كانت نسبة الخطأ في هذا الاستطلاع فانه يظل مرعبا للسلطات السعودية، وهذا ما يفسر هبة العلماء الرسميين والائمة وتجنيدهم لتجريم هذه “الدولة” وفكرها، وتحذير الشباب السعودي من الانضمام اليها، وكان لافتا في المقابل، وهذا خطر اشد ايضا، التزام “علماء الصحوة” الاسلاميين السعوديين الصمت تجاه هذه الظاهرة وعدم ادانتها ومحاربتها مثلما طلب منهم العاهل السعودي، في وسائل الاعلام الرسمية، او على مواقعهم في وسائل التواصل الاجتماعي حيث يحظون بملايين المتابعين في السعودية وحدها. في ظل هذا التحدي تريد القيادة السعودية حشد مجلس التعاون الخليجي وتوحيد صفوفه لتحصين بيتها الداخلي، وتشكيل تحالف مصري خليجي اردني في مواجهته وهذا الطموح لا يتأتى، او يصبح اكثر صعوبة في التحقيق، جزئيا، او كليا، في ظل حالة الشلل الراهنة التي يعيش في ظلها المجلس بسبب تغريد قطر في سرب آخر وتوظيف دخل سنوي يصل الى 200 مليار دولار في دعم سياسات ومواقف وجماعات ترى السعودية انها خطر عليها، وهذا ما يمكن ان يفسر المهل العديدة التي اعطتها لدولة قطر، والوفود العديدة من الامراء التي بعثتها الى الدوحة لاقناعها في التجاوب مع طلباتها لانها لا تريد التصعيد وتدرك مخاطره في الوقت نفسه، ولكن الخيارات بدأت تضيق امامها بعد ان طفح كيلها مثلما يبدو لاي متابع لتحركاتها. يمكن القول ان اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في جدة يوم السبت، ربما يكون مختلفا عن كل الاجتماعات السابقة بالنظر الى المعطيات والقضايا المتفجرة التي سببت فيها فاما ان تذعن السعودية وحلفاؤها لهذا “الجنوح” القطري وتقرر التعايش معه، او تلجأ لمواجهته، وليس هناك اي مؤشرات حتى كتابة هذه السطور تفيد بامكانية التوصل الى اتفاق يحول دون تطور الخلافات الى عقوبات او قطيعة الا اذا حدثت معجزة، ولكننا لسنا في زمن المعجزات، والخليجية منها بالذات، والايام المقبلة حافلة وحاسمة على اكثر من صعيد، وفي اكثر من اتجاه، وليس امامنا اي خيار آخر غير انتظار المفاجآت، ويبدو انها ستكون كبيرة ومن الوزن الثقيل والله اعلم!