من ذاكرة «أبو الجماجم» القناص السوري… عازف الكمان على أوتار الضحية

رئيس التحرير
2019.06.26 05:27

 

 

انطاكيا ـ «القدس العربي» وُلدت سنة «1988»، انا قناص المدينة، ولن أصرح باسمي واسم بلدتي لأيّ جريدة كانت حتى لا يصبح كل قناص فيها مصدر شك، لاني حالة شاذة لا تحتمل التعميم، مبدئياً يكفي ان أقول انني مسلح سوري معارض للسلطة.
في ستة أشهر فقط أصبحت قناصاً أساسياً في المعركة، شوقي إلى دراغانوف «نوع ثقيل من القناصات» كان مضاعفاً عن شوق الذين قصدوا المعسكر للتدريب، ربما لانهم من الجهاديين الذين أرادوا من استخدام القناصة للموت، بينما كنت أراها بداية لثاني قصة حب ستمنحني الحياة.
كثيراً ما أتفنن في رسم مصائر ضحاياي اعتبرهم مدللين بصراحة، انا لا أعذب خصمي، أتحكم فقط بعداد حياته، ذاك على الأقل ما يمليه قسم مهنة «القِـناصة» تجاه أدنى شبيح مار.
حفرة وسط الجدار، منظار، قناصة حديثة الصنع، إطلالة مبهرة أمام نادي الضباط، هذا كل شيء لازم لينزف كل مقنوص في ذاكرتي كاليوم الذي نزف فيه على الأرض، ذاكرة القناص قوية، بل أقوى من أي مقاتل آخر، لانه يترفع عن الانهماك في القتل، ويستخدم منظاره أضعاف طلقاته.
لا يطلق القناص رصاصته على عجل، فكل رصاصه مدروسة، لذلك عندما أشتري قناصة أتمنى ان لا يكون عرضها المجاني ذاكرة طويلة الأمد كما تجري العادة.
«ستمئة وخمسة وعشرون» هو رقم آخر مقنوص، وانا أسعى لرقم الألف، فانا الان على الخط الامامي للجبهة هذه الليلة ولا متسع لأقص حكاية كل الأرقام التي أذكر تفاصيلها عن ظهر قلب، سأعلل فقط سبب وقوفي هنا.
يتابع بهدوء «بدمها تعتذر لي عن كل دقيقة دموية سأحـياها بعد ان تكون في رحمة الله «جَنى» وهذا اسـمها يوم أحببتها، تركت محاضرة اللونغا «نوع من الموسيقى»، ونزلت على عجل إلى حديقة الجامعة لما أردت ان أصارحها بـ» لونغا جديدة أعزفها» هو انني لم أعد أريد ان نواصل سنة إضافية على السنوات العشر، التي قضيناها في الحي جيراناً كإخوة.
هي موسيقية وانا عازف كمنجة، ولي خبرة في باقي أدوات العزف، «القرار» و»الجواب» هكذا كنا قبل ان اكون قناصاً وقبل ان تسقط «جَنى» أرضا وسط غرفتها بقناصة المقدم «جميل»، حين أعطي أمراً بمحاصرة المدينة، وقنص الطير الطائر بتهمة انه يرفرف بجناحيه، ولعل حلا كانت ترفرف صباحاً بثيابها فوق حبل الغسيل، وهو ما يعني انها نسيت ان «الرفرفة» تهمة يترجمها القناص بذاكرته إلى جريمة لا تقل عن الحرية شاناً.
لكن جَنى «الشهيدة» لم تغدو حبيبة واحدة استفرد بها كما السابق عن المثـيلات، فشهيدة الحي من لا يحبها؟، ومن يستطيع ان يمنع الناس عن لصق نعوتها، الكل سيشاركني المحبة، والاسم، والصورة، ولذلك سوف أتفرد بالانتقام.
انتهى الوقت المحدد للإعلان عن موتها، وقابلت المرآة بوجه بعيد عن ملامح القيثارة، توضأت وقصدت المسجد للمرة الأولى بحثاً عن حياة أخرى آمنت فيها ان الحب قضية سلمية للعاشق في حضرة المعشوق، وان الحقد حليف العاشق حين المعشوق يغيب.
في محراب المسجد أفكر لمن الوجود الأقوى في الحياة حين ينتهي الحب؟، تغمرني القناصة بصوتها حين سُددت باتجاه جنى، وبرز صوتها كأقوى الأصوات يرص صفوف المنقذين من صرخة وصلت أذن راميها، بموت جَنى مات جمال الحب، وبقي الجمال للمنجنيق، وبدت الحياة مختلفة مع اختلافي.
لبّـيتُ دعوة وجهها أحد عساكر البلدة لمن يرغب في حضور تخريج دفعات قتالية لاستخدام مختلف انواع الأسلحة وكانت فرصة قبلتها بعد ان رفضت الكثير مثلها سابقاً، يومَ كنا من أوائل دعاة السلمية في بلدتنا كمثقفين، ندرك عن غيرنا خطورة التسليح وتداعياته الدموية، ونؤمن بمبدأ الوردة وغصن الزيتون دون البندقية والرصاصة.
في وادي البزَّات العسكرية، والعناصر المسلحة أقصى الجبل، أجبت أحدهم بـ»نعم»
(كـذِباً) حين سألني ان كنت قد انهيت خدمة العلم، وبدأت أشرح له عن مهاراتي في القنص، مع ان أصابعي لم تلمس سلاحاً غير الكمان!، وعن الجيش دفعت «بدلاً»لأقضي أيامي بصحبة «حلا وقيثارتها».
وكنت قد كررت الجواب كذباً بـ»لا» حين سألني الآخر ان كنت قد اتممت دراستي، ربما حالفني الكذب لأبدو من المنخرطين في عالمهم الحديديّ الملموس بعيداً عن وهم الورق ومعطيات السلالم الموسيقية، اتخذت هنا طريقاً كنت أعتبره مشبوها، وذهبت إلى المقاتل «حسن» صديق سابق لي أصبح اسمه الحالي «الصياد» نسبة إلى مهاراته القتالية في صيد الخصم، حينئذٍ خرجت عن قيادة الكمنجة ودخلت في قيادة الأسلحة، ليصبح لقب القنص فردياً في المدينة، ينسبه الجميع إليّ تحت مسمى «القناص أبو الجماجم».
«الان أعزف بأسلوب معاصر»هذا عنوان مرحلتي الحالية»، أوتاري الذخيرة وألحاني الجريح، وتغفو ذاكرة الحب تصاعدياً وتبقى ذاكرة البارود، تمضي السنة الأولى على غيابها، وترحل الثانية، قتلتُ الكثير ولم تحيا «جَنى».
قبل ان أنام، أفكر يومياً انني أفتح أبواب جهنم على نفسي كلما فتحت القناصة على مسار ضحية أكانت ظالمة أم مظلومة، أرغب بالبكاء الشديد، أتذكر انني بعد موتها لم أبكِ.
أثناء دمعاتي وتضور الناس جوعاً، تُحاصر البلدة ويأكل الناس ورق الشجر، ولا زلت غارقا في دنياي الانتقامية بعيداً عن كل ما عداها. في سهرة «فيسبوكية»، تتسلل «ياسمين» صديقة «جنى» إلى حياتي فترتطم الذكريات، وتخبرني انها تخرجت من جامعة العلوم النفسية، تذهب إشــارات الاستـغراب الأولى عن أسباب تواصلها معي، لانني أؤمن باللحن الهادئ حين تحتشد الألحان الصاخبة ..
عبر شخصية «ياسمين» الشبيـهة بـ»جَنى»، استطعت ان أتقبل فكرة انني «أخطأت» حين اخترت الحقد كأقصر طريق، كان بوسـعي ان أجعل الـحبّ ذكرى بـدلاً من ان يكون انتقاما، كيف أغسل ذاكرتي؟، لعلي اتوضأ بدمي أو بألحاني حتى أبرأ من دماء من قتلت. قتلوا اللحن والحلم والضمير، فهل سأسافر وحيداً، أم أعود موسيقياً في بلد القبور، أصبح المستقبل الجميل في الوراء، بين ركام الموت.
فجراً، تتقدم قوات الأمن إلى خطوط الآمنين في معركة غير منتهية، وترتكب مجزرة جديـدة، فأحمل القـناصة من جديد، ويتناثر علاج «ياسمين» عبثاً!.

نوران النائب

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا