كتبوا عنها:"أم النور رحلت مع صلاة العصافير"

رئيس التحرير
2019.06.22 02:21

"أم النور رحلت مع صلاة العصافير"
ككل العظماء في التاريخ، ماتت المطربة صباح بعد ان تركت بصماتها على اجيال بكاملها. كنت في الرابعة من عمري عندما كنت اجلس تحت نافذة زوج الوزيرة العطار، الذي كان يملك جهاز راديو مع انتيل، مع عصابة اطفال حارتنا لنسمع صباح، كل صباح.
أحبّت عمرَها فعشقتْها الحياة  موتُها جميلٌ كأغنية  راودها في نومِها واصطحبَها إلى أحلامِ السماء  على توقيت لا تنتشرُ فيه الشائعات
صباح  شمسٌ رديفة  صنعَها الله ُعلى شكلِ حَنْجرة  ونَثرَها على ضِفافِ نيلٍ وشلوحِ أرز  قرّرت قبل طلوعِ الصباح وعندَ آخرِ خيوطِ ليلٍ  أن تَغيبَ بلا كثيرٍ ضجيج  أن تعودَ الى ضيعتِها بدادون  حيث أولُ العمرِ وشُجيراتُ الأهل صباح  اسمٌ على مُسمَّياتِ الشروق  لامرأةٍ عاشقة وغلبانة  لحلوة لبنان  لشحرورته ومواله الطويل  لوطنٍ عاشتْه بانتماءٍ صافٍ لا الوانَ فيه ولا
أرقام  أسّست لفنٍّ مرتفعِ الهاماتِ ولطريقةِ عَيشٍ بكلِّ ما أُوتيت مِن حياة  بنَتْ مملكةً مِن أوف وميجانا  من دلَعٍ مرصّعٍ بنغمِ العمر
 على صوتِها التقاءُ الكبار  مِن ضيعةِ عبد الوهاب إلى عسلِ بليغ حمدي  وأغواء محمد الموجي  وهوى كمال الطويل  وشقعة أنغامٍ مستوردةٍ مِن جارِها في الحواري المصرية فريد الاطرش
وعلى هذا الصوت ارتفعت أعمدةُ بعلبك في مواسم عز  وغزل الأخوين رحباني دواليب الهواء على شعرِها الأشقر  ومنه تسللُ فيلون وهبي " عالعتمية "
هي امراةٌ لم تُضبطْ بأيِّ خِيارٍ سياسيّ  ولم تختلِفْ معَ أي موسيقار أو ملحن  ماتت دون أن تنكسر  أو تكسر أحدا زمنُها عاصفةُ حبٍّ مُشعة  لا حقدَ فيها ولا عتَب دائمةُ الضوءِ كانت  كبريقِ نورٍ يوزّعُ ما تيسّرَ مِن أمل  كلُّ هذا النورِ يَنطفىءُ جسداً ويحيا بالأمس وغداً متخذا ًاسمَ أُسطورة  وجبلُ لبنان  يُشيّعُ الأحدَ جبلاً من لبنان  على زمنِ رحيل شريكِ  الصوتِ الصافي  وديع  من وسط  المدينة  ترتفع صباح الى وادي شحرور وبدادون والقرى التي عرفتها صغيرة   
مسيرة النظرة الاخيرة تنطلق من بيروت  من دون أن تقول صباح هذه المرة " الو بيروت " أو ان ترمي بسلامها على كل زاوية من زوايا المدينة  على إذاعتها  وحدائقها ومنارتها  لا هم أن نكسّت الدولةُ أعلامَها  أو لم تُعلن يومَ حدادٍ وطنيّ  ما دامت الدولةُ منتكسة  مبتورةً وممددة  ولأنّ الحُكمَ نائمُ كالأموات فمن الأولى بنا أن نعاملَه بصيغة الضمير الغائب  ونترُكَ الكلامَ ونمنحه لصباح الأسم الذي يرادف وطناً بسلطة وحكومات .

 كانت زي العسل وتركت تراثاً فنياً مبهج ورحلت ملكة لبنان جانيت فغالي الملقبة صباح عن دنيانا واختارت الفجر موعداً لرحيلها الهادئ مع صلاة العصافير. - مرحلة صعود البرجوازية الثقافية، والتنوير التي انعكست فيها صورة بطل الطبقة الوسطى، وهو يخترق تابوات الأرستقراطية البائدة، إنه البطل العاشق والثوري، والمغني والحالم وصانع الحكايات..، رومانسية الأنثى التي تركتها صباح في الذاكرة، هي رومانسية عبد الحليم حافظ ورشدي أباظة وشكري سرحان وأحمد مظهر. تلك التي كبرنا على صورتها البهيجة في الأغنية والحوار والاستعراض..قالت في وصيتها إفرحوا ولا تبكوا
ليس كمثلها امرأة، فهي النساء جميعاً في عشق الحياة، وليس كمثل صوتها فهي «شحرورة» لا تتوقف عن غوايتك لأن تحب الحياة وأبناء الحياة وأطايب الحياة..

صباح، وحدها مثل «الست»، لم تكن بحاجة إلى كنية ولا إلى اسم عائلة، مع أن الناس شأنهم مع أم كلثوم، قد ابتدعوا اللقب من اسمها، فهي «الصبوحة».
… ومثل «الست»، وإن على الضفة الأخرى، حضورها هو الظرف والمرح فضلاً عن الطرب، تتذوق النكتة كما اللحن، وتبتدعها أحياناً معبّرة عن خفة روح وعشق للفرح حتى لقد كان كل يوم في حياتها عمراً كاملاً.
عرفت كل الناس فأحبتهم وأحبوها. لم تعرف الخصومة ولا هي اعترفت بالمنافسة، فلم تقل كلمة سوء في منافسة ولم تتآمر لحجب صوت جميل.
غنّت الألوان جميعاً بصوتها الذي يمتد نشوة مفتوحة، وإن هي أبدعت في ما نشأت عليه، ودغدغ وجدانها منذ الطفولة «الزجل» الذي نحت الذروة فيه أحد أعمامها «شحرور الوادي».
ولقد عرفتها في واحد من أماكنها الحميمة «دار الصياد» وتحت رعاية كبير عشاق صوتها الممتد عبر عرى الطرب حتى «الآه» كذروة للطرب: سعيد فريحة الذي كاد يكرّس لها مجلة «الشبكة»، وأنشأ لها وللمبدع الذي أعطاها ألحان أجمل ما غنّت، فيلمون وهبي، ومعهما عفيف رضوان «فرقة الأنوار للفنون الشعبية» التي لم تستطع أن تنافس «قلعة» الرحابنة وفيروز في بعلبك وإن أكدت غنى لبنان بالصوتين المتمايزين كما مناخ النشوة حتى الرقص أو حتى التعبّد.
وعرفتها إنسانة نبيلة، خارج دائرة الفن بالغناء والتمثيل والسينما، لا ترد طالب حفلة في قرية بعيدة لمساعدة مستوصف أو جمعية خيرية لتعليم الفقراء… بل إنها كثيراً ما بذلت من مالها صدقة لمحتاج أو عوناً لزميلة أو مساعدة لمنافسة، بغير منّة أو إعلانات أو تباه بفعل الخير.
ولقد صنعت صباح مع مبدعين آخرين بعض المجد الذي يجلّل اسم لبنان عربياً كوديع الصافي وسعاد محمد ونجاح سلام ونصري شمس الدين وزكي ناصيف، إضافة إلى فيروز، لا سيما في مصر الملكية، ثم في مصر جمال عبد الناصر، وفي سوريا حيث صدحت في ليالي دمشق وحلب مراراً، وفي مختلف أنحاء شمالي أفريقيا والخليج… ولعلها أول من جذب المصريين، وسائر العرب، إلى اللهجة اللبنانية حتى «غنوها» معها ورقصوا نشوة وقد بلغوا ذروة النشوة.
وعبر السينما، ابتداءً من الخمسينيات، أدخلت الأغنية اللبنانية إلى قلوب جماهير المشاهدين، ورفعت ممثلين إلى الذروة بإيثار منقطع النظير.
لقد أضافت نجمة إلى العلم اللبناني، مثلها مثل كبار المبدعين الذين جملوا حياتنا وأغنوا وجداننا بالثقافة، شعراً ورواية وموسيقى وغناء، ثم مدوا اسم لبنان إلى القارات عبر مغتربيه، وهي قد خصتهم بالعديد من أغنياتها فشدتهم إلى الأرض أو جعلتهم يبكون لوعة الفراق.
… ولقد عاشت عمرها حتى حافة التسعين تحت شعارها الأثير: «أحب عمري وأعشق الحياة»… وغادرتنا ممتلئة فرحاً وقد بعثرت كل ما جنت من مال لأن الحياة الحب ثم الحب ثم الحب!
وداعاً أيتها «الشحرورة» التي عاشت حسوناً وتنقلت كالبلبل واختتمت حياتها كمقطوعة على الناي تنتظر الإكمال… بعد ثلاثة آلاف أغنية وأكثر من ثمانين فيلماً ومسرحيات عديدة وملايين العشاق..

 

الحُرّة
هنادي سلمان

الحُرّة في حياتها وفي موتها.

ابنة القرية اللبنانيّة الصغيرة التي غادرتها فتاةً باسم جانيت فغالي، تعود إليها عملاقة عاشت عربيّة، حُرّة، في زمن العمالقة.
حملت براءة عينيها، ورقّة صوتها وقوّته، وإيمانها بخالقها، وبحقها بأن تكون كما تشاء أن تكون، ومشت الدرب من أوّلها حتّى القمّة.
حُرّة، شقّت طريقها التي لا تشبه طريق سواها: لم تساوم، لم تؤذِ، لم تتسلّق. أخطأت وأصابت، ومضت بثبات إلى حيث أرادت الوصول: قلوب الناس.
حرّة. تنشد في الكنائس وتغني لرمضان.
حرّة، تنتصر بصدقها على الأفكار المسبقة، والغدر، والعداء المطلق لكل «مختلف».
حُرّة وامرأة، ومحترمة جداً.
حرّة من «العيب» و«الحرام» في غير موقعهما.
غنّت لقريتها ومنها ولها، وتابعت المسيرة حتى شدت، مع زملائها للـ«الوطن الأكبر»، ومنه وله.
أحبّت الرجال وأحبوها. ولكن، لمّا سُئلت من منهم ترك أثراً أكبر في نفسها، أسمت سعيد فريحة لأنه «أعطاني ولم يأخذ منّي شيئاً».
أحبت النساء وأحببنها وتمثلّن بها، وما زلن، على امتداد أجيالٍ.
أحبّت الحياة حتّى الرمق الأخير. أحبت العائلة، لابنتها غنّت ما صار الجميع ينشدونه لأبنائهم. للوطن، للحرية، لكل من تُحبّ وما تحبّ، رفعت صوتها.
الحب، حب كثير. للناس، للأزياء، للموسيقى، للمغنى، للاختلاف، لإرساء الجديد من دون خدش الأصيل. حب كثير حتّى لمن كرهوها، وآذوها. لكنها كانت دوماً تختار أن تُحبّ.
فرحٌ، فرحٌ كثير في حياة طويلة لفّتها المآسي، إلّا انها كانت دوماً تختار أن تفرح.
توصي بالفرح دوماً. حتّى في نعيها: «… بفرح كبير .. انتقلت إلى جوار ربّها».
بالأمس ارتاحت. هي التي مشت من الجبل القريب من الساحل في بلد اسمه لبنان، وبيُسر، أوجدت لنفسها مكانة في زمن الكِبار. ومعها أوجدت مكانة لبلدها وناسه.
من الزجل في بدادون، إلى عمالقة الغناء في بيروت، وصولا إلى عمالقة الطرب في عاصمة العرب، لمّا كان لهم بعد عاصمة.
من مجرّد فتاة «خفيفة الظلّ»، مونولوجِست، إلى عملاقة بجوار السنباطي، وعبد الوهاب، وعبد الحليم، وبيرم وصلاح جاهين، وزكرّيا، وفيلمون وهبة والأخوين رحباني وزكي ناصيف…
من بدادون، إلى بيروت، فالقاهرة وصولا إلى مسرح الأولمبيا في باريس وقاعة ألبرت هول في لندن إلى مسرح كارنيغي في نيويورك ودار الأوبرا في سيدني….
فجر الأربعاء في السادس والعشرين من الشهر الحادي عشر من العام 2014، قرّرت الحرّة المولودة في العام 1927 أنّها:
«قايمه ضب تيابي ورايحه عند حبابي
مسافره ع جناح الطير تذكروني .. بغيابي]»
وهناك، في السماء التي تفتحت لاستقبالها، أحبابٌ ينتظرون ليستعيدوا العيش معها، يرددون مع الغائب الحاضر زكي ناصيف:
«أهلا بهالطله .. أهلا
أهلا بهالعين الكحلا
ضحكتلك وردات الدار ..
وقالتلك أهلا وسهلا»

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا