بين الرسوم المسيئة والممارسات التكفيرية.. هكذا ننتقم لرسول الله!


2019.06.20 04:45

 

فعلتها صحيفة "شارلي إيبدو" الفرنسية الساخرة، و"انتقمت" على طريقتها من أولئك الذين توهّموا أنهم "انتقموا" من خلالها لرسول الله، يوم نفذوا ذلك الهجوم الإرهابي الدامي، قاتلين ما لا يقلّ عن 12 شخصًا، في جريمة لا تمتّ بطبيعة الحال لتعاليم رسول الله بصلة..
فعلتها صحيفة "شارلي إيبدو"، فردّت على "الإرهاب" بـ"إرهابٍ" من نوعٍ آخر، "إرهابٍ" يتذرّع بـ"حرية الرأي والتعبير" ليطال حقًا بديهيًا من حقوق الإنسان، ألا وهو حق الإيمان والمعتقد، "إرهاب" وفّر له "المنتقمون للرسول" الملاذ الآمن والواسع، بحيث نفدت أعداد الصحيفة الساخرة بسرعة البرق، ووصلت إلى من لم يكن قد سمع بها يومًا..

 

الإسلام براء..
منذ حصول الاعتداء على صحيفة "شارلي إيبدو"، استنفر الكثير من "أتباع محمد" حول العالم لإدانة واستنكار الجريمة الإرهابية والوحشية. أصلاً، هم "مستنفرون" منذ سنوات للتبرؤ من ممارسات المجموعات التكفيرية والمتطرّفة، التي لم تسئ لأحد بقدر ما أساءت لجوهر الدين وتعاليمه. منذ سنوات، وهم "مستنفرون" لإقناع العالم أنّ الإسلام الحقيقي هو ذلك الذي يحلو للبعض وصفه بـ"المعتدل" أو "الوسطي"، في حين يصرّ العارفون أنّ هذا الإسلام هو الإسلام الحقيقي، وأنّ الدين واحدٌ لا يتجزّأ، وبالتالي فهو لا ينقسم إلى "فروعٍ" بينها "المتشدّد" و"المعتدل"، بل يذهب البعض لـ"ابتداع" المزيد من الفروع بينهما.
على امتداد السنوات الماضية، وعلى وقع تصاعد نجم المجموعات المتطرّفة والتكفيرية، قيل الكثير وكُتِب الكثير بحق هذه المجموعات، وخلال الأسبوع الماضي قيل أكثر من ذلك، وكان الجامع المشترك في كلّ ما قيل أنّ الإسلام، الذي لم يحتط في شيء كما احتاط في الدماء، براءٌ من كلّ ما هو إرهابٌ وقتلٌ ووحشية. ويندرج في هذا السياق ما قاله الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بعيد الهجمات الأخيرة من أنّ المجموعات التكفيرية أساءت لرسول الإسلام أكثر ممّا أساءت له الرسوم المسيئة، وكذلك ما يقوله مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان منذ تولّيه دار الإفتاء من أنّ الإسلام مخطوفٌ ومهدَّدٌ من الداخل.

 

"مؤامرة" من الداخل؟!
لكن، رغم كلّ ما قيل ويُقال وسيُقال، تبقى الصورة "المشوّهة" و"المزوّرة" هي "القاضية"، وعن سابق تصوّر وتصميم، صورة عزّزتها الجريمة الأخيرة التي حصلت على وقع عبارة "انتقمنا لرسول الله"، كما تعزّزها يوميًا الصور المؤلمة لجرائم وفظائع من قطع رؤوس ونحر رقاب وما شابه، وكلّها تحصل على وقع صيحات "الله أكبر" و"محمّد رسول الله".
وبعيدًا عن "نظرية المؤامرة" التي يتفنّن بها العرب على وجه الخصوص، يعتقد كثيرون أنّ ما يحصل اليوم هو بمثابة "مؤامرة كونية" يتعرّض لها الإسلام، وهي ليست بجديدة، ولكنّ "تكتيكاتها" اختلفت في الآونة الأخيرة، إذ باتت أدواتها "داخلية" مئة بالمئة، وهنا الخطورة الأكبر. يروي هؤلاء كيف أنّ كلّ محاولات دفن الإسلام في مهده باءت بالفشل، إلى أن كانت الاستراتيجية الأكثر تأثيراً والقاضية بضرب الإسلام من داخله، وذلك من خلال المجموعات المتشدّدة التي استطاعت أن تفعل ما عجز عنه "الأعداء" بشكلٍ أو بآخر.
وإذا كانت هذه المجموعات "تفوّقت" بدرجة "امتياز" في ضرب جوهر الدين وعمقه مع كلّ ممارسةٍ وحشيةٍ تقوم بها ومع كلّ "ضحية" تضيفها للائحة ضحاياها التي لا تنتهي، فإنّ الأكيد أنّ تبرؤ "مرجعيات" العالم الإسلامي كافة منها لم يعد يكفي، وأنّ اللجوء إلى التنديد والاستنكار لم يعد يغني من جوع ولا يسمن، خصوصًا بعدما وفّر لها البعض من حيث يدري أو لا يدري الفرصة لتتمدّد وتتوسّع وتصبح حاكمة بأمرها، وبالتالي فإنّ المطلوب اليوم خطواتٌ عملية من نوع آخر، خطوات "مواجهة" على قدر "التحدّي" الذي لا تجوز "الاستهانة" بأيّ شكل من الأشكال.

 

هكذا يكون الانتقام..
لا شكّ أنّ من نفذوا الهجوم الإرهابي على صحيفة "شارلي إيبدو" لم ينتقموا لرسول الله، بل إنّهم، وبإجماع الفقهاء والعلماء، باتوا شركاء للصحيفة الساخرة في تشويه الدين وازدرائه. هم لم يدفعوا الصحيفة لإعادة الكرّة بنشر الرسوم الساخرة فحسب، بل إنّهم عندما ارتكبوا جريمتهم باسم رسول الله، حوّلوه من رمزٍ للمحبّة والسلام والإنسانية، وهو الذي أنزل "رحمة للعالمين"، إلى رمزٍ لكلّ شيء، اللهم إلا الرحمة.
وانطلاقاً من هنا، فإنّ من يُرِد الانتقام لرسول الله فعلاً، وبعيدًا عن المزايدات، عليه التشبّه به فعلاً، بخصاله وأخلاقه، والاتعاظ من دروسه وعبره، والالتزام بمبادئه وقيمه، وأولها قيم الانفتاح والمحبّة والشموخ، كيف لا وهو الذي بُعِث ليتمّم مكارم الأخلاق. من يرد الانتقام لرسول الله فعلاً، وبعيدًا عن المزايدات، عليه العمل على العودة إلى أصول الدين وجذوره، ذلك أنّ الأصل في وجود الإسلام وقيامه هو البناء لا الهدم، الإحياء لا القتل، تقديس الروح البشرية لا امتهانها، حرمة الدماء والأموال والأعراض لا انتهاكها.
وأبعد من ذلك، من يرد الانتقام لرسول الله عليه أن يفعل ذلك بالحفاظ على دين رسول الله وتنقيته من خلال العمل على تجديد رسالته في ضوء التهديدات التي يتعرّض لها، والتجديد لا يعني بأيّ شكل من الأشكال إلغاء الثوابت أو تغيير الدين بل هو يعني عدم جعل النص التاريخي نصًا مقدّسًا وإعادة الحيوية لحركة الاجتهاد، ويعني الوقوف بوجه التأويلات والتفسيرات المشوّهة والمزوّرة، بما يخدم إنسانية الإنسان قبل أيّ شيء آخر، منعًا للاستغلال الخاطئ الذي تلجأ إليه المجموعات المتطرفة لتحقيق مآربها الخاصة البعيدة كلّ البعد عن جوهر الدين، بزعم حماية الدين والحفاظ عليه.

 

مسؤولية مضاعفة..
المسؤولية مضاعفة على مرجعيات المسلمين إذًا، باختلاف وتنوّع مذاهبهم ومعتقداتهم، ولكنّها مسؤولية لا يمكن تجاهلها أو نكرانها، ويجب تحمّلها من الجميع دون استثناء، حتى لا تجرّ "خطيئة" نشر الرسوم الساخرة من قبل صحيفة "شارلي إيبدو" ومثيلاتها إلى "خطايا" أكبر وأكثر خطورة من المسلمين أنفسهم، وحتى لا ينجح أعداء الدين بتحويله إلى "دراكولا" القرن الواحد والعشرين من دون أن يرفّ لهم جفن.
وفي وقتٍ بدأت ظاهرة "الإلحاد" بالانتشار في الكثير من المجتمعات بفعل التصرفات "الشاذة" عن الدين وجوهره، فإنّ المطلوبَ اليوم تحرّكٌ من نوعٍ آخر، تحرّكٌ يعيد "الإنسانية" إلى عمق التفكير الوجودي، وهي وحدها التي "تجمع" ولا "تفرّق"!

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا «Game of Thrones»أسطورة وتاريخ و14 مسلسلاً ينافسه وسيلفستر ستالون: ممثل فاشل