الصحافة المأجورة والصحفيين في ظل الفساد…«لا يمكنكم أن تعبدوا ربين، اللـه والمال»

رئيس التحرير
2019.08.21 17:25

يقولون التاريخ لا يرحم، بمعنى أن التاريخ يحفظ ويسجل كل الوقائع والأحداث وسير الشخصيات السياسية والأدبية والفنية والدينية.
ويقولون أيضاً إن التاريخ يكتب بحد السيف، بمعنى أن القوي هو من يكتب التاريخ على هواه.
والتاريخ بشكل عام هو خزانة الأمة، هو الذاكرة والرصيد الحضاري، وهنا ينبغي علينا حين نتناول التاريخ أن نتحرى الصدق في الوصف والدقة في النقل والتدقيق في المصادر المختلفة، وحينها يصح القول إن التاريخ لا يرحم ولا يترك حدثاً ما إلا ويسجله، فالتاريخ عملاق ضخم لا يدع حرفاً يمر من أمام عينيه إلا ويدونه.. وسيظل التاريخ يذكر أفعال البشر.
وإذا فتحنا صفحات تاريخ صحافتنا نقرأ ما دونه التاريخ باللون الأبيض ونقرأ أيضاً ما دونه باللون الأسود، نقرأ عن الصحافة الوطنية، ونقرأ عن صحفيين سلاحهم القلم والكاميرا وقاتلوا بهما قتالاً لا يوازيه القتال بسلاح البندقية، ونقرأ الجانب المظلم من تاريخ صحافتنا، تلك الصحافة التي كانت تعمل وفق محركها الأساسي المال، وخاصة في أيامنا هذه التي نشاهد بها صحفيين تربعوا على منصات المطبوعات والفضائيات وهم من كانوا قبل ذلك لا يفكون الحروف عن بعضها أو أنهم باعوا أنفسهم للشيطان.
الصحافة المأجورة والصحفيون الذين عاثوا فساداً في ظل الاستبداد والاحتلال والثورات المزعومة.

لا أستثني منكم أحداً

المال إن صح الكلام هو آفة الآفات، فهو المحرك الأساسي لضعيفي النفوس ومختلي الفكر والتفكير الذين لا يعرفون اللـه والوطن.. المال عندهم هو الرب الأول!
تاريخنا القديم منه والحديث مملوء بقصص وحكايا تروى عن هؤلاء، الذين لم يكونوا من طبقة واحدة أو جنس واحد لكنهم اجتمعوا جميعاً على المبدأ اليهودي ألا وهو: المال ربنا، فكانوا عبدةً للمال من دون سواه باعوا اللـه والوطن، ولكن التاريخ لم يرحمهم فأشار إليهم بالبنان، وسطر خيانتهم لله والوطن. من هؤلاء عبر التاريخ من كان من علية القوم رئيساً، أو نائباً أو وزيراً.. ومنهم من كان من رعاع المجتمع.. ونحن يجب ألا ننسى، وعلينا أن نسلط الضوء على كل من خان وباع الوطن عبر الأيام والسنين.. وفي المحصلة يجب ألا يغيب عن ذهننا: «لا يمكنكم أن تعبدوا ربين، الله والمال» (متى6: 24؛ لوقا16: 9-11).
كان هنالك عبر التاريخ الكثير ممن باعوا ضمائرهم ونفوسهم للحكام والمستبدين والمستعمر، وعلى سبيل المثال كان هنالك رئيس في سورية يدعى صبحي بركات، عمل بنشاط إلى جانب المستعمر الفرنسي للقضاء على ثورة الشمال، ويروي أدهم الـجندي أن بركات حين احتفل بزواجه: «كانت دمشق تلتهب بالنيران، وأقام حفلة طرب وغناء في داره، فكان يطرب، ومن ورائه وأمامه تصعد أنّات المظلومين، وبكاء المكلومين المنكوبين». ويقول نقيب الصحفيين اللبنانيين إسكندر الرياشي إن معركة ميسلون: «كانت في جزء كبير منها مؤامرة فرنسية استخدم الفرنسيون في سبيلها تلك الأموال التي عرضها الجنرال دي لا موت على نوري السعيد… وافتضح أمر المؤامرة وأمر بعض الساسة الذين أخذوا أكياسها الذهبية، بعد بضعة أسابيع فقط من معركة ميسلون، وذلك لما شكل الفرنسيون بعد دخولهم لدمشق حكومة سورية معظمها من أولئك الذين اشتركوا معهم في المؤامرة، فهبت العناصر الوطنية وأرسلت بعض الفدائيين يتربصون بأعضاء تلك الحكومة وبالساسة الذين رافقوهم…».
وفي تاريخنا الصحفي قديمه وحديثه نقرأ العديد من هذه القصص والحكايات عن نفوس ضعيفة عبدت المال.. وفي وقتنا الحالي سقط القناع عن عشرات الإعلاميين الذين باعوا ضمائرهم بعد أن استنفدوا قسطاً وفيراً من خيرات البلد بأساليبهم الملتوية، وخانوا وطنهم وتبوؤوا في دول الخليج وتركيا وبلدان أوروبية أخرى المقاعد الوثيرة في فنادق ومكاتب ذات النجوم الخمسة وكانوا أبطال ألاعيب الفساد والرشوة وبيع الوطن… هذا الأمر لا يقتصر على بلادنا وحدها، فيقول الصحفي المخضرم ناصر الدين النشاشيبي نقلاً عن الصحفي المصري صلاح سالم الذي كان يعمل في صحيفة الجمهورية المصرية: «عندنا في الجرنال أكثر من خمسمئة محرر ومصور ومراسل، نصفهم مرتبطون مع أميركا وخمسهم مع السوفييت، وثلثهم مع ألمانيا الغربية، والبقية مع سفارات العراق وسورية والبوليس السياسي المصري..».
يعزو النشاشيبي الرشوة والفساد في قطاع الصحافة إلى: «لقد هبت على الميدان الصحفي في أكثر من عاصفة عربية، رياح سمومية دمغت الصحفي العربي بأكثر من صفة «صغيرة» تتعلق طوراً بحدود ثقافته، وطوراً بنشأته وميوله في الغيرة والدس والحسد، وطوراً بحبه للمال والشهرة وخضوعه للمشي في ركاب الحكام والمصاريف السرية، وطوراً بالتطاول على أصحاب الأقلام وأصحاب الصحف جرياً وراء المنفعة الخاصة، وطوراً باختلاق الأخبار والمواقف أملاً في الوصول إلى مناصب صحفية معينة، وطوراً في الانحناء المذل أمام إغراء الشركات التجارية والمصارف..».

اترك لنا الثقافة
قد تكون كبريات الصحف والمجلات العربية ذات السمعة الكبيرة والتوزيع العالمي الصادرة داخل الوطن العربي أو في بلاد الاغتراب، قد تكون كلها في خانة الشبهات في الفساد المالي والأخلاقي والوطني!
الشاعر نزار قباني كان يدري سر هذه المطبوعات العربية الصادر في بلاد الاغتراب كصحيفة الشرق الأوسط اللندنية التي أصدرها آل سعود في لندن في شارع «فليت ستريت» فكتب قبل وفاته قصيدة طويلة في هجاء الملك فهد وسماه «أبو جهل»، وتحدثت القصيدة أيضاً عن صحيفة الشرق الأوسط ورئاسة تحريرها، وخلال هذه القصيدة صرخ نزار قباني بأعلى صوته مطالباً «طويل العمر» أن يترك الثقافة لأصحابها!:
على الذي يريد أن يفوز
في رئاسة التحرير
عليه.. أن يبوس
ركبة الأمير
عليه.. أن يمشي على أربعة
كي يركب الأمير
يعطي طويل العمر.. للصحافة المرتزقة
مجموعة من الظروف المغلقة
وبعدها
ينفجر النباح.. والشتائم المنسقة
أيا طويل العمر
يا من تشتري النساء بالأرطال
وتشتري الأقلام بالأرطال
لسنا نريد أي شيء منك
فانكح جواريك كما تريد
واذبح رعاياك كما تريد
وحاصر الأمة بالنار.. وبالحديد
لا أحد
يريد منك ملكك السعيد
لا أحد يريد أن يسرق منك جبة الخلافة
فاشرب نبيذ النفط عن آخره
واترك لنا الثقافة

سمسار إعلامي
تحدث بعض الكتّاب والصحفيين المخضرمين عن الفساد الذي طال الصحف والصحفيين في العصر الحديث، والذين جعلوا المال هو ربهم الأول!؟ ومن أشهر من كتب عن ذلك وبكل صراحة وجرأة، كان الصحفي والكاتب الكبير ناصر الدين النشاشيبي، الذي أشار إلى المال الخليجي الذي أفسد صحافتنا وصحفيينا وجعلهم سماسرة يأكلون ويشربون على موائد أمراء الخليج.. يقول النشاشيبي بهذا الصدد: «لقد استبد المال، والحاجة إليه، بمعظم أصحاب الصحف في هذا الشرق، وخضع معظم الصحفيين الكبار للضغوط المالية بحيث انتقل الصحفي الكبير من خانة الصحافة إلى خانة الوظيفة، ومن الجندي في السلطة الرابعة إلى موظف إعلامي في وزارة الإعلام الحكومية، ومن كاتب لا يخشى في قول الحق لومة لائم إلى صحفي يسعى لرضى الوزير وعفو الأمير وهبة الحاكم! بل لقد سمح بعض زملائي الصحفيين لأنفسهم، بالولوج في مهمات إعلامية رسمية لا تتفق مع الميثاق الصحفي ولا مع شمائل الصحافة الراقية. «ويخلص النشاشيبي للقول إن أحد أصدقائه من رؤساء تحرير الصحف تحول من رئيس تحرير صحيفة يومية إلى مجرد سمسار إعلامي تجاري لحساب دولة خليجية!».

وسقط القناع
والآن شهدت الساحة السورية في ظل الأزمة التي تكتسح بلادنا عدداً من الصحفيين والإعلاميين ممن دخلوا في كهوف الظلام والجهل ووقفوا إلى جانب الباطل ضد الوطن واحتلوا بفضل البتردولار، كراسي ريش النعام «وفعلوا كما تفعل النعامة» وخسروا كل شيء له علاقة بالوطن والأخلاق والحب والعشق ولكن- على حد قول الشاعر محمود درويش:
سقط القناع.. عن القناع
عن القناع.. سقط القناع
يا ما تبقى من هواء الأرض.. لا
يا ما تبقى من حطام الروح.. لا
فإما أن تكون أو لا تكون.

جريدة «نفير سورية» التي أصدرها آنذاك الأديب والمؤرخ الموسوعي اللبناني بطرس البستاني الذي يُعَدُّ قطبًا من
 ومن أقطاب النهضة العربية الحديثة. كان البستاني يلقب بـ«المعلم بطرس»، في إشارة غير مباشرة لمكانته العالية بين مفكري عصره، فالمعلم الأول هو أرسطو، وابن خلدون هو المعلم الثاني، وقد استحق البستاني لقب «المعلم» لأنه من أوائل من نادَوْا بتعليم المرأة، وأول من ألف قاموسًا عربيًّا عصريًّا مطوَّلًا، وأول من ألف موسوعة عربية سماها دائرة المعارف.
لم تكن «نفير سورية» جريدة بالمعنى الدقيق للكلمة، بل كانت نشرة صغيرة من صفحتين تحوي رسائل وطنية مكتوبة بلغة مفهومة وأسلوب واضح، موجهة إلى المواطنين السوريين «لشد عرا الألفة والمودة بين الناس». وقد ظهر في هذه النشرة ثلاثة عشر نفيراً في الفترة بين أيلول 1860 ونيسان 1861. وقد أراد البستاني من خلال جريدته «نفير سورية» أن يقرع جرس الإنذار لإيقاظ السوريين من خطر الحرب الطائفية التي كانت تعصف بوطنهم.
قال البستاني في افتتاحية العدد الرابع من «نفير سورية» المنشور في 25 تشرين الأول 1860: «فسورية المشهورة ببر الشام وعربستان، هي وطننا… وسكان سورية على اختلاف مذاهبهم وهيئاتهم وأجناسهم وتشعباتهم، هم أبناء وطننا».
وقد كان البستاني سبّاقاً في إعلان هويته إذ أشار في افتتاحياته بوضوح إلى «الوطن السوري» و«الشعب السوري»، كما ناشد مواطنيه السوريين الترفع عن قضايا الانتماء الديني المذهبي، وإظهار التسامح والألفة والمحبة. فقال للطائفيين موبخاً: «ألا تأكلون كلكم نفس الأكل؟ ألا تشربون كلكم نفس الماء؟ ألا تتنفسون كلكم نفس الهواء؟ ألا تتكلمون كلكم لغة واحدة؟ فاعلموا إذاً أن الأرض التي تقللكم هي نفس الأرض، وأن مصالحكم ومنافعكم واحدة وعاداتكم وتقاليدكم واحدة أيضاً».
في افتتاحية أخرى يذكّر البستاني السوريين بالقول المنسوب إلى الرسول العربي: «حب الوطن من الإيمان» ويندد بالطائفيين قائلا: «من يستبدل حب الوطن بحب الطائفة ليس سورياً وطنياً، بل هو عدو الوطن». لقد أثبت التاريخ أن بطرس البستاني كان «معلماً» كبيراً، فأي نوع من «التلاميذ» كنا نحن؟
ترى ما الذي كان «المعلم بطرس» سيقوله لو علم أن بعض «السوريين» لم يفهموا الدرس الذي شرحه منذ مئة وخمسة وخمسين عاماً، وأن بعضاً آخر منهم يُسْتَخْدَمُونَ الآن كمخلب قط في يد الغريب؟
 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
  ذكور ضفادع القصب تذعن قبول ممارسة الحميميه مع ضفدع مثلي ليتجنب أن يؤكل.  لحظة لا تصدق: حيلة الاخطبوط العجيبه كارنافال ترامب : لتحسين عمليات التحقق من مالكي السلاح وتعديل الهجرة بعد مجزرتي إل باسو ودايتون  فرنسا:الزام جميع أسطح المنازل الجديدة بتغطيتها في النباتات أو لوحات #solar عكس كندا ؟؟ شوووووب:شاهد: كيف يبرد السكان أجسامهم بعد أن اجتاحت موجة الحرارة الشديدة الدول الاسكندنافية اتهامات لوائل كفوري:ضرب وحبس وعنَّفَ طليقته وانفصال الممثلة هنا شيحة ووفاة الممثلة البحرينية صابرين  "ويلا" غوريلا تتبختر وتتمنفخ امام والدها وزوار الحديقه مشاهد رافقت انتصار الجزائر اخترناها لك قد تزيد من جعل يومك جيداً  ان لم تستخدم تطبيق FaceApp بعد..احذر أن تعطي روسيا معلومات أخطر مما تتخيل