الروائي رشاد أبو شاور يولد من جديد في دمشق (الولادة في مكانين)

رئيس التحرير
2019.06.24 16:43



هو الحاضر والغائب في ذات الوقت، هو رمز التضادّ بين العودة والرحيل , كأنه واحدٌ منا وعلينا، يفتح من أمامنا تاريخ بيروت و يأخذنا من أيدينا نحو أول البحر.
دلّتني عليكَ أول الصفات، شغف الهيكل في المسير وحركة الأيدي في الكلام , والسخرية البسيطة عندما اعتليت الأمل في الإلقاء لتأذن بعدم اليأس أمام الجميع , وحفظتكَ من سعالك فيه بحّة الناي الخفيفة عندما أنقذت بيروت من أيدي الآخرين , وهتفت بشغف الفدائي للبقاء أو الخروج .
 واليوم عندما التقيته  في دمشق لم أدري إن كان الآن بيننا أم ما زال على دروب أريحا يمزج الحناء برائحتها ليحفظ الكلام من السقوط الشهي في الإدعاء , وكأنه ينوي أن يعيد للحرف مكانه الجغرافي قرب تلة تعطي الغافي صفة النسيان  حينما عرفَ هو والمسيح إغواء الشيطان لينجوا معاً ويعودا إلينا أنبياء , ولو كنتُ أكتب قصيدة لقلت هو مضارع العشاق الذي يحضر دائماً وهو وطأة الخرافة على حساب الغياب الضروري , لكنه اليوم أتى ليقول لنا ما يجب وليكرّر لنا ما كان , وليحذرنا جميعاً بالابتعاد عن حفلة الخطأ التي تقودنا للنسيان , في أكثر من موعد وأكثر من مكان .
أقامت دمشق في مكتبة الأسد مؤتمراً تفاعلياً تحت عنوان ( المقاومة ثقافة وانتماء ) , ولقد حضر المؤتمر العديد من الشخصيات الإعلامية والاجتماعية البارزة ومنها ( الاعلامي د.بسام رجا , الاعلامي حسين مرتضى , الدكتورة أشواق عباس , معان وزير الثقافة السورية , رئيس اتحاد الكتاب ) والعديد من الشخصيات , والكل حضر ليأكد على مفهوم المقاومة وثقافتها .
ثقافة المقاومة هذه المقاومة التي تستطيع أن تحدّد ملامح ثقافة قديمة بيننا ولكنها تنمو و تتغير بتفاصيلها , وتستطيع أن تحدّد حياة شعوب ومنطقة بالكامل, ولقد ضم المؤتمر العديد من النشاطات والندوات التي تتحدث عن أهمية الثقافة اليوم و عن دور القارئ ودور الإعلام ودور الصحافة والأقلام الجديدة , ومن بين المدعوين إلى هذا الحفل كان الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور , الذي أتى ليؤكد أنه مازال على ذات النهج ومازال على ذات الطريق والطريقة , يكرس الجديد ويأخذ من القديم ليعيد للمخيم أصحابه وليسمّي الزيتونة باسمها دون أي تحريف .
بعد أن اعترف برمي أوراق خطابه على عتبات الفندق عرفنا أنه سيقول الكلام على سجيته بحرية الفرس عند سهل دون أي أقواس تفتح باباً للمجهول أو جمل خطابية لا تعلمنا سوى التصفيق .. فبدأ وقال : أنا أعرف دمشقَ , أنا أثق بدمشق , أنا أحب دمشق ولذلك حضرت .. هكذا بدأ الروائي كلامه وهكذا بدأ خطابه عن هواء دمشق وعن الحاضنة الأولى والقصيدة المستحيلة , وهكذا سمعنا جميعاً صوتاً لا هو في المنفى ولا هو في الوطن بل بينَ بين , ونحن متجمعون حوله لنعرف كيف يصير المنفى منزلاً والزيارة اقتباساً في هذه الأرض المجروحة التي تخلق كل يوم طفلاً بدل شهيد لتبقى وتجدّد عاماً مضى لكي تمضي , وتحدّث الروائي عن دور دمشق وضرورة استمرار ثقافتها ودورها في المنطقة , وتحدث عن تجربته في بيروت وعن دلالة المنطقة لولا دمشق , وكيف أن دمشق ما زالت أهلاً للخير ولتقديم المزيد .
لم يبقَ من الجانب الرسمي للحضور غير إثبات الكلمة والثقافة …
طريق بيروت دمشق وحادثة الماضي والحاضر
عن طريق بيروت دمشق , كرر رشاد أبو شاور رعبه عندما قال أنه يخشى هذا المطار لأنه في فترة من الفترات تم اختفاؤه فيه لمدة خمسة أيام , وكأن حادثة الماضي لم تترك الروائي يتصرّف على طريقته الحرة , وخاصة عندما رأى جسر الكولا ورأى نفسه يضرب بسلاح ( الشيلكا ) ليرعب التل الذي استحكمتهُ اسرائيل , وبسبب هذا الخوف من الذكرى ولأن مازالت الندبة في القلب , اعترف الروائي أبو شاور أنه أعطى زوجته كل أوراقه التي كتبها وأعطاها روايته الحديثة لتنشرها وخاصة أنه لم ينقح الفصل الأخير ولكنه كرر جملة ( انشروها كما هي ) هكذا طلب الروائي لتكون أعمالة شاهده على الماضي الذي مضى وعن حادثة تنهي جسر التواصل بين الجميع .
الغافي في ساروجا
لم أستطع أن أحفظ تراجيديا اللقاء الأول لأوصف شغف الفلاح بلمس كف الأميرة , ولن استطيع أن أوثق الزواج الفذّ بين الروح وبين الجسد ,لأن كل ذكريات الروائي رشاد أبو شاور تجمعت وانفجرت عندما نطق باسم ساروجا , ساروجا حيث بيته الأول والحي القديم الذي كبر فيه والحي القديم الذي رفض فيه هدى الكلمات الأولى عندما ظن أن (أنكيدو) صادق وأن الخلود هو السبيل , وهكذا وجد الروائي نفسه هنا عندما قررت حكمة الوالد أن تبقيهُ عند مربيتين أرمنيتين في ساروجا , وهكذا عاد إليها وطلب من الجميع الوحدة , وكأن الحياة بين قذيفتين لم تأذن لهُ بالوقت للاعتراف بالحب .
 حدثني الروائي رشاد أبو شاور عن زيارته الأخيرة لساروجا عندما وقف تحت بيته ونادى باسم أهله ولكن لم يردّ أحد النداء , وهو يعلم سلفاً أنه لا يوجد أحد ليرد النداء , ولكنه نادى لأن النداء أداة الحبكة الأخيرة للخضوع للأمر الواقع ولأن النداء رحلة الإثبات الأخيرة لكي تشعر النفس بالرضا وعدم تأنيب الحنين عندما تقع كل أدوات القلب , ولكن من توابع النداء البكاء بلا سبب , وهكذا سار الروائي رشاد في ساروجا وهو يبكي على ما كان .
أعمال الروائي رشاد أبو شاور الحديثة .
آخر إصدار للروائي الكبير رشاد أبو شاور رواية ( سأرى بعينيكِ يا حبيبتي ) هذه الرواية التي صدرت عن دار الآداب والتي وضعت المرأة في المركز , وتحدّثت عن الحياة الأنثوية وعن لغة التسلط الذكورية على المجتمع وكل ذلك بطريقة تطرح روح التدخل الحر للرواية وروح الحرية الكاملة للأنثى , وعن ما هو طور الكتابة أكد الروائي أنه سوف يستعيد حالة النكبة , لذلك ستكون الرواية عن هجرة الأرض الأولى وستصدر قريباً عن دار الآداب وسيكون عنوانها ( غيوم سوداء ثقيلة ) .
وداعان اثنان ليكتمل الرحيل .
كم حيرتني فيك , عندما يتداخل في حوارك الكحلي الغامض بالسماوي الخفيف , كأنك تعزف في أكثر من مكان , ولن أقول أني شخصاً معك أو منك ولكن يكفي مذاق العسل السوري الثقيل لندرك أين كنا وماذا حصل , ولندون معاً وداعان اثنان , الأول واضح الذكرى والملامح كطفل صغير يدنو من باب البيت والثاني للقاء الروح بالجغرافيا لعلنا نشفي الطير من المشي ولعلنا نشفي الحافي من أمل الطيران ولو بعد حين , و أعلم أنكَ كسرت الرواية كحبة بندق لأنك لا تحب المدح المعقد ولا تحب الحوارات المعتمة وأعلم أنك تكره لغة النشاذ التي تقود الأشجار للنمو فوق الأغصان ولذلك فلنحفظ هذا الترتيب , أنت الكاتب التي يوثّق المكان والإنسان ونحن الحدث الذي يتعرّض للنقاش في كل مصادفة تجمعنا .

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا