“إلى السوريين” للأديب جبران خليل جبران

رئيس التحرير;لمباركية نوّار
2019.06.25 14:38



لمباركية نوّار
        جبران خليل جبران (1883 ـ 1931م) قنديل منير ومزهر من قناديل الشرق، وسراج انتشر ضياؤه في سمائه فملأه نورا في زمن انتشر فيه ظلام مقيم. ومن منابته بالشرق ومواطن إقاماته في الغرب أرسل أشعة إبداعات كتاباته التي اخترقت مسارح المطابع وساحات المكتبات فأكسبته تحايا الإكبار وعبارات التمجيد، وحشدت له قوافل المعجبين وكتائب المريدين من بني الإنسانية جمعاء.
        عندما رحل الأديب جبران خليل جبران مع والدته وأختيه وأخيه غير الشقيق مغادرا وطنه لبنان وقريته بشرّى ومستوطنا قارة أمريكا البعيدة بسبب ظروف العيش التي أرغمتهم على الهجرة بعد أن زج بوالده في غياهب السجون، عندما رحل حمل في قلبه الخافق وفي شرايينه النابضة هموم وآلام أمته، واستمرت روحه العطوفة حائمة على مصر والشام وبلاد العرب قاطبة، يصغي إلى أنين أبناء جلدته، ويقاسمهم أوجاع نوائب الدهر التي سلطها عليهم المستعمر الغازي يستعبدهم في طغيان ويسيمهم ألوانا من الاستبداد والعذاب، وينهب خيرات أراضيهم في جشع وطمع، ويغتصب ممتلكاتهم قهرا وعنوة، ولا يدفع بهم للسير إلا في طريق الذل والخنوع والانكسار مطأطئ الرؤوس وحسيري الأبصار وعقولهم غارقة في بلادة التيه ومستلقية في خجل البله.
        لم يكن الأديب جبران خليل جبران رجلا سياسيا، وإنما كان ينزع في بعض كتاباته التي قاوم فيها بإرادة وهمة قويتين إلى الفكر السياسي العاشق للعيش في ظلال الحرية. وحتى في مرحلته كتاباته الرومانسية، فإنه كان عندما يكتب عن أحوال وأهوال أمته العربية، ينقع ريشته في حبر مسكوب في محبرة ومخلوط بدم نازف ودموع منهمرة، وقلبه ترتجف شفقة وحزنا وهلعا على مصائر أبنائها، ويذهب ويجيء محتارا كما يفعل البحر في مده وجزره.
        لقد عايش الأديب جبران خليل جبران محن وطنه لبنان والشقيقة سوريا في مرحلة التململ للخروج من تحت عباءة العثمانيين بحثا عن مكان تحت أشعة الشمس بفضل نضال دعاة الاستقلال من البلدين من السياسيين ومن الجمعيات التي تجندت لمطالبة الأمبراطورية العثمانية بمنحهم الحرية والاعتراف باللغة العربية لغة رسمية وسيدة. وظهر في بعض كتاباته، آنئذ، متمسكا بقيم المواطنة المثلى ومتحللا من علل التصانيف الدينية وأوبئتها العرقية من غير تنكر للأصول أو احتقار للقيم التي تصنع الهُويّة . ونستدل على ذلك بالفقرة الموالية المقتبسة من إحدى كتاباته، وهي الفقرة التي يقول فيها:
        (أنا مسيحي ولي فخر بذلك، ولكنني أهوى النبي العربي وأكبُرُ اسمه، وأحب مجد الإسلام وأخشي زواله.
أنا شرقي ولي فخر بذلك، ومهما أقصتني الأيام عن بلادي أظل شرقي الأخلاق، سوري الأميال، لبناني العواطف.
أنا شرقي وللشرق مدنية قديمة العهد ذات هيبة سحرية ونكهة طيّبة عطرة. ومهما أُعجبُ برقي الغربيين ومعارفهم، يبقى الشرق موطنا لأحلامي ومسرحا لأمانيّ وآمالي).
       لست أدري كيف سيكون رد فعل الأديب جبران خليل جبران لو عايش حال أمته في أيامنا، ووقع بصره على الشقيقة سوريا التي أصبحت مبانيها وقلاعها وطرقاتها وجسورها ومساجدها وكنائسها ومدارسعا وجامعاتها وحاراتها وباحاتها أكواما من الحجر والمدر والصخر والفولاذ. ولو رأى فيها، أيضا، روابي الجثث وأكوام الأجساد من كل الأعمار؟. ولو وقف على تشتت السوريين وتفرقهم في كل بقاع المعمورة باحثين عن لقمة تسد رمقهم وسقف يحميهم؟.  ولو رأى أطفالها الصغار المشردين كيف يجازفون في رحلات البحار الهائجة التي لا ترحم براءتهم الغريرة؟؟، وكيف إتخذ “أيلان”، في نهاية مطاف مغامرة شق فيها والده البحر مع عائلته الصغيرة، من رمال شواطئ البحر مهادا ومضجعا ووسادة للاستراحة الأبدية، بدل أن ينعم بالنوم القرير في حضن أمه أو على صدرها وهي تشد على جسمه الصغير مهدهدة على كتفه على وقع أغاني كردية عذبة؟؟. لا شك أنه سيرثي سوريا كما رثاها في هذه المقالة التي كتبها في سنة 1910م لما كان مقيما في باريس يتابع دروسا في فن الرسم، وزفها كخطاب عنوانه: “إلى السوريين”، ولكن المقصود في كلامه هو: سوريا. ومن يقرأ هذه المقالة  التي حوتها مجلة “مرآة الغرب” التي أصدرها نجيب دياب في الولايات المتحدة الأمريكية  يدرك أن التاريخ يعيد نفسه، ولا يتجرأ من التطهر من مساوئه وأتعابه التي تثقل ظهر البشرية. يقول الأديب جبران خليل جبران في هذه المقالة الفريدة:
(دعوها تمت فقد طال نزاعها أمام وجه الأبدية. أتركوها تهلك وشعاع الاستشهاد في عينيها، فذاك خير من أن تعيش ومرارة الأوجاع بين شفتيها. ذروها تقضي تاعسة، فأنتم لا تستطيعون إسعادها. ابتعدوا عن مضجعها فعلـّتها تهزأ بأدوائكم، ويأسها يحتقر دموعكم، وحشرجة صدرها تسخر بتنهداتكم.
تفرقوا عنها، وأسلموا بأرواحكم، فالأرض قد فتحت صدرها لتخفيها، وثعبان الجحيم فغر فاه ليبتلعها، وأشباح الهاوية تراكضت نحوها لتبيدها.
إن غبار الصحراء قد أعمى عينيها، وحر القيظ أذاب شحمها، ووحوش الغاب مزقت جلدها، وطيور السماء نتفت شعرها. فلم يبق منها سوى هيكل من عظام مطروح على أكمة من رماد.
لقد فتك الأعداء بأبنائها، وهدمت الحروب بروجها وهياكلها، وأفنت اللصوص حقولها وكرومها، ولم يبق لها غير مضجع من تراب ومسند من هشيم.
لقد اختلس الفاتحون خزائنها، واقتسم الجنود عقودها وأساورها، وسرق الرعاع أثوابها ومناطقها، فلم يبق على جسدها سوى إكليل من الأشواك وقلادة من الدموع.
دعوها تنسحق، فأنتم لا تستطيعون انتشالها من بين الأقدام والسنابك؛ لأن الخوف قد أمات نفوسكم، والتردد أوهى سواعدكم، والجبانة كسرت سيوفكم ورماحكم.
تفرقوا عنها صامتين، فالعويل لا يبعث الأموات والصراخ لا يعيد الرواح. قفوا بعيدا ساكتين فأنة الكهوف لا توقف مد البحر وجزره.
دعوها تقضي فهي أمام عرش الموت أكثر هيبة منكم تحت أقدام العبودية.
أما أنت أيها القلب الكبير المنير المملوء بأغاني الحياة والحرية، فسر أنت وحيدا منفردا نحو قمة الجبل، وما هذه الأشباح التي تراها على جانبي الطريق سوى صخور جامدة وعظام بالية).
(*) ـ كاتب وباحث من الجزائر

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا