البارونة الأوروبية ترى كل شيء من النافذة: أفق سوريا أسود

رئيس التحرير-السفير
2019.06.25 01:24

وسيم ابراهيم

متعبون. مستنفدون للطاقة. لكن الوقائع المثبتة برهنت أن لا غنى عنهم. طبعاً، لا إثارة مأمولة من ملاحقتهم يجرجرون أنفسهم بضجر، يتأففون من مشاهدة أحداث ونتائج فيلم لا ينتهي، فيه 27 دوراً يريد أن يكون رئيسياً. إنهم ديبلوماسيو بروكسل، في أروقة قلعة السياسة الخارجية الأوروبية المشتركة. خلال معايشتهم على مدار فصول الصراع السوري، أثبتوا أنهم «ترموميتر» لا بد من أخذه على كامل محمل الجد. ينقلون ما يمكّن من استشراف ما تراه البارونة من النافذة المطلة على مبنى «جستوس ليبسيوس»، حيث تقام قمم الزعماء الأوروبيين واجتماعات وزرائهم.

هناك تقف الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية كاثرين آشتون، في مكتبها الذي حرصت على القيام بزيارة وداعية له وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون. كما صار مكتباً يجده وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مكاناً لا بدّ من زيارته. منه تطلّ «البارونة» بثقة متزايدة، كرستها سنوات تمثيلها المستمر للقوى الست الكبرى في مفاوضات حول واحد من أعقد ملفات القرن: النووي الإيراني. للأسف، ليس في هذا ما يسرّ المعنيين بـ«الثورة» السورية ومآلاتها. فالأفق الذي يُرى من النافذة الأوروبية يتراوح بين الحلّ البعيد، وبين لعنة التحول إلى بؤرة جديدة لصراع مستدام.

في مكتب خدمة العمل الخارجي تحضر البيانات الأوروبية، بدقة ميكروسكوبية، لكن تتيح خلاصة ثمينة. ليس في التقدير مبالغة، خصوصا حول من يخبرك عن وفاة قبل أن تظهر بأشهر! فمن صبر على تتبع تغير نسج البيانات، أمكنه قراءة نعي وفاة المجلس الوطني السوري قبل دفنه الرسمي… بشهرين ونصف الشهر. ليس قليلا. النافذة الأوروبية أتاحت رؤية الانطلاقة القوية والمراهِنة على المجلس.

في أول ذكر له في بياناتهم، رمّز له الأوروبيون بالأحرف المختصرة «SNC»، للسهولة استعداداً لتكرار الاسم وللعبه دوراً رئيسياً. مع ذلك، لم يحصل تطور خارق خلال هذا التكرار: كان المجلس الوطني يحضر في قراءة شديدة الرصانة لموقعه. بدأ الاعتراف به محاوراً شرعياً، ولم يتجاوز برغم كل ضجيجه، موقع «ممثل شرعي لتطلعات السوريين الساعين إلى الديموقراطية». مرّ الوقت. كل شيء كان يبدو عادياً. سجال معتاد وتذمّر بين أطراف المعارضة. المجلس الوطني يواظب على الظهور في موقع تمثيله الرئيسي. لكن مهلا: فجأة تظهر قطبة ناقصة في نسيج البيان الأوروبي. من دون أي مقدمات، تبخر اسم المجلس من البيان المشترك. لا مجال لالتباس أو خطأ تحت أعين ميكروسكوب السياسة الأوروبية. لقد سقط المجلس الوطني مرة واحدة. الدور الرئيس في تمثيل المعارضة سُحب منه. الأوروبيون أول من أعلنوا صراحة: «سقوط المجلس الوطني». نقطة. حدث ذلك في مساء 24 تموز العام 2012. من شكّك في هذا التقدير، كان عليه الانتظار حتى 11 تشرين الثاني ليرى ولادة «الائتلاف الوطني» المعارض.

ليست تلك الواقعة الوحيدة. قبل أشهر كانت الساحة الإعلامية تضج بقرب الإعلان عن صفقة أميركية – روسية. تكهنات جعلت التوقعات تتورم إلى حدها الأقصى. وسط ذلك، من سمع تعليق ديبلوماسيي بروكسل كاد أن يصفهم إما بالتكتم إلى حدّ الخرس أو بالانفصال عن واقع السياسة الدولية. حديث الصفقة جعل المتوجه إليهم يلهث بالسؤال:

- يقال إن الروس والأميركيين وصلوا لاتفاق، وهم على وشك الإعلان عن «جنيف 2»؟

- هذه التكهنات لا تعنينا، الموقف الأوروبي واضح.

- لكن لا يمكنكم التهرب من التعليق. تقولون إنهم شركاؤكم الدوليون لحل الأزمة، ولا بد أنكم على اطلاع على ما يجري؟

- بالتأكيد. لا بأس بتبادل وجهات النظر.

هذه الواقعة حدثت. كان لا مفر من الانشداه بشدة برودة الإجابة برغم كل سخونة الأخبار. لسان حالهم يقول: حلول الأزمة سلحفاتية، فلا داعي لتقمّص الأرانب. مرت مياه كثيرة تحت قنطرة تأويلات تمام الصفقة. تحذيرات، شدّ وجذب، صعود التوقعات ثم انتكاسها. لقاءات متجددة وخلافات: كل ما في الأمر «تبادل وجهات نظر». لمَ لا، فرأسمال الصفقة المعلن الآن هو استمرار التفاوض، والخلافات، حول قوائم لإطلاق المفاوضات…

من نافذة البارونة آشتون، مر طوال سنة ونصف السنة الأولى طقس سياسي أتاح صحواً واضحاً: «(الرئيس السوري بشار) الأسد يجب أن يرحل». حتى هذه العبارة الحاسمة، حُمّلت المرونة في داخلها. في الأشهر الأخيرة، صارت النافذة الأوروبية ترى الوجوب في شكل «الأخذ في الاعتبار الشروط الضرورية التي من شأنها أن تؤدي إلى انتقال سياسي وإلى مستقبل من دون الأسد». يرحل فعل «حاضر مطّاط». يرحل في بداية التفاوض أو كنتيجة له أو كختام، أو حتى يرحل مجازياً بمعنى الدور، فمن يجزم؟ ولا غرابة حقاً في هذه الخلاصة: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال في القمة بين بلاده والاتحاد الأوروبي إن «هذه العائلة (الأسد) حكمت أربعين عاماً». لا أوهام لدى الروس، ومن خلفهم، لكن لا تضحيات. الأمر ذاته بالنسبة للأميركيين، ومن خلفهم، سواء كان إعلان قبول الأسد على طاولة المفاوضات مقصوداً أم «زلة معنى» لا «لسان» قطعاً. هذا منظر واضح من نافذة البارونة، رغم تلبّد الأجواء والضجيج اللذين يعلوان بين حين وآخر، ثم يتبددان.

برغم التقليل الأولي من شأن مبادرة رئيس الائتلاف المعارض أحمد معاذ الخطيب، لكنها كانت جدية تماماً من وجهة النظر الأوروبية. عامان على «ثورة» سوريا تحولت إلى صراع مسلح مع النظام، ومؤخراً فقط صار للمعارضة في لسان الأوروبيين زعيم هو الخطيب. هاج المجلس الوطني وماج ولم يذكر الأوروبيون منه اسماً واحداً. الأمر مختلف جذرياً مع الخطيب. استقبلوه ورحبوا به. يقولون: ندعمه. في مدونتهم الرصينة للموقف المشترك يشيدون بمبادرته «للحوار السياسي»، ويحثون «ممثلي النظام» على عدم تفويتها.

قوائم العقوبات وجهة ضغوط لا تخطئ، وفي نهاية المطاف وُضِع الأسد وأسرته والحلقة الضيقة على القائمة السوداء. حتى نهاية شباط الماضي، أصدر الأوروبيون 21 حزمة عقوبات على سوريا. وصل طولها: 180 شخصية تخضع لتجميد الأصول والممتلكات، والأمر الأخير ذاته بالنسبة لـ 54 هيئة اقتصادية. لم تترك العقوبات التي بوشر بها منذ أيار العام 2011 مجالا لم تشمله، من النفط والطاقة إلى التجارة والقطاع المالي والاستثمارات والتأمين، حتى تسهيلات التجارة «الشرعية» تحصل بشروط صارمة. حظر السلاح مشدّد، والسفن والطائرات التي تمر بموانئ ومطارات أوروبا يمكن تفتيشها على الشبهة.

حظر السلاح، وإمداد المعارضة به، لم يحسم. الأولوية للحل السياسي، وشروطه واضحة كما تبدو من النافذة الأوروبية. مجلس مشترك بين ممثلين للنظام وممثلين للمعارضة، يقود سوريا إلى انتقال سياسي. إلى مستقبل من دون الأسد، والزمرة الضيقة حوله. ولأن حلا كهذا ليس مقبولا من طرفي الصراع، والمراهنين الأساسيين خلفهما، فالتشاؤم يطل من النافذة أيضاً. في حد التشاؤم الأدنى صراع طويل. على لسان وزراء خارجية أوروبيين، غير معنيين بالدعايات الإعلانية لرفع المعنويات، تكرر التحذير من «حرب أهلية طويلة». الخوف أن تكون حدود التشاؤم تشمل التأسيس لبؤرة صراع طويل الأمد. وكي لا ينسى أحد، قيل الكثير عن أن المنطقة لا تحتمل عراقاً يكون بؤرة صراع. قيل قبله عن خطر الصراع العربي – الإسرائيلي. حلّ الصراع الأخير، بحسب الوثائق الأوروبية التي تمثل تسوية الدولتين والقدس عاصمتهما، يعتقد انه حاصل غداً، لكن ترجمته في وقائع مستعصية منذ عقود. من النافذة الأوروبية يبدو واضحاً اللعب المسترخي، غير المتشنج، من القطبين الكبيرين حيال الصراع السوري. هذا ما يحرك الخشية من لعنة القول بأن المنطقة لا تحتمل بؤرة صراع دولي جديد هي سوريا.
السفير

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا