نبيه البرجي: فراعنة وخلفاء !!

رئيس التحرير
2019.08.23 17:14

 

الآن، ادرك المفكر الفرنسي جاك اتالي لماذا بعث الله بكل انبيائه، دون استثناء، الى هذا المكان دون سائر الامكنة الاخرى…
لان احدا لا يستطيع ترويض هذه المنطقة سوى الله. لا يتورع عن السؤال ما اذا كان لا يزال بامكانه ان يفعل ذلك بعدما تحوّل الشرق الاوسط الى مستودع للقبائل، وللايديولوجيات، وللحرائق. في نهاية المطاف، مستودع للموتى!!
لا ندري ما اذا كان قد تناهى اليه قول اليهودي الاخر هنري كيسنجر «ان ازمة الشرق الاوسط ولدت مع الله وتموت مع الله» او ان الازمة هي «صراع نصف المطلق مع النصف الآخر»، كما نقل الينا الديبلوماسي الاميركي المستعرب جورج بوش لدى زيارته دمشق في الثمانيات من القرن الماضي…
السؤال الذي طرحه آتالي والذي قد يضيء المشهد بأكمله «هل يتصرف ابو بكر البغدادي كخليفة ام كنبي؟». كان كثيرون في الغرب قد علقوا على الانتخابات المصرية الاخيرة بالتساؤل ما اذا كانت الديموقراطية التي قال الكسي دوتوكفيل (مؤلف كتاب الديموقراطية في اميركا- عام 1834) انها مثل اولاد الازقة تربي نفسها بنفسها، لا تصلح البتة لمنطقة اخترعت الالهة ولا تستطيع البقاء الا في ظل الآلهة، وسواء حملوا اسم الفراعنة ام اسم الخلفاء…
حتى ان القيصر ( فلاديمير بوتين)، وحين بعث بقاذفات السوخوي الى سوريا، كان عليه ان يحظى بمباركة الكنيسة الارثوذكسية لـ«الحرب المقدسة»، وان كان هذا تقليدا قديما من ايام القياصرة. اما جورج دبليو بوش الذي استخدم تعبير «الحرب الصليبية» لدى غزو العراق، فقد اقام خطأ ساخنا مع الله كبديل عن الخط الساخن بين البيت الابيض والكرملين…
غريب هذا الشرق، وغريبة ديانات هذا الشرق التي تحولت الى ايديولوجيات (لاحظوا الطقوس والممارسات) حين نقرأ في التوراة ان «دمشق تزول من المدن وتغدو ركاما من الانقاض». سأل دومينيك شوفالييه «اي الهة تلك التي ترقص دمويا بين النصوص»؟
لاحظوا كيف يتم التعامل عربيا وتركيا مع الازمة في سوريا «خذوا كل شيء واعطونا رأس بشار الاسد». لا احد يفكر في وقف دوامة الدم، وبعدما بدا جليا ان لعبة الامم تتجاوز النظام ورأس النظام. لا احد يعنيه سقوط مئات الآلاف، وهجرة مئات الآلاف الى المجهول.
ثمة رجل دين، قال مفاخرا، وعبر احدى الشاشات، ان هؤلاء المسلمين الذين ذهبوا زحفا على بطونهم عبر الحدود هم من سيعيدون الاندلس الى اهلها، وهم من سيثأرون للسلطان العثماني الذي توقفت خيوله عند اسوار فيينا، وهم سينبشون قبر شارل مارتل الذي هزم العرب في معركة بواتييه على الارض الفرنسية..
بداوة الرؤية. الرؤيا ايضا. الآن، العرب لا يثقون بأميركا. راهنوا على دك دمشق بالتوما هوك، وعلينا ان نتصور ماذا كان حدث للمدينة اذا ما زحف اليها البرابرة. ليس هناك من بابلو بيكاسو عربي ليرسم تلك الغرنيكا الهائلة وحيث تتحول المدينة الى مهرجان للجثث المقطوعة الرأس، وليس ثمة من هوميروس عربي ليرثي القتلى الذين ذهبوا هباء في حضرة الآلهة…
وليد جنبلاط قال ان الحرب بدأت الآن في سوريا. خالد العطية قال بحرب تشارك فيها قطر و السعودية وتركيا. بطبيعة الحال، لا احد يستطيع ان يتصور نظاما يبقى الى الابد، ويقفل كل ابواب الزمن، ولكن ما هو النموذج الذي يقدمونه في الديموقراطية والعدالة والحداثة اذا كنا جميعا لا نزال داخل ثقافة داحس والغبراء؟
نسأل «لماذا يفترض ان نتعامل بكل تلك الكراهية مع ايران؟». لا ريب ان فيها العديد من الرجال الذين لا علاقة لهم بالقرن ولا بجدلية الازمنة، ولكن هناك حسن روحاني وهناك محمد جواد ظريف، الاثنان يمدان الايدي الى العرب. هل التهمة ان الايرانيين يلعبون جيوبوليتيكيا، بلهجة امبراطورية، اما نحن فنلعب جيوبوليتيكيا بلهجة قبلية؟ هذه ثقافة لم تعد تجدي في زمننا.
كيف لنا ان ندفع سوريا والعراق الى الحطام. اليمن بطبيعة الحال، فيما باستطاعتنا الجلوس الى الطاولة والتباحث توصلا لتسوية ما لا ان نقول إن تركيا التي ادارت الظاهرة الداعشية بكل ابعادها، تشارك في لقاء فيينا فيما تستثنى ايران، وبصورة قاطعة، كما لو ان رجب طيب اردوغان اكثر ديموقراطية من حسن روحاني، وكما لو ان التاريخ العثماني اكثر رأفة بالعرب من التاريخ الفارسي…
اسطنبول هي مرجعيتنا الآن. وزير خارجية عربي مقتنع تماما بأن اميركا ستخلي الشرق الاوسط لروسيا لتتفرغ، وبالتنسيق معها، للشرق الاقصى، وحيث الثروات، والاسواق، والاحتمالات، الكبرى. لا احد هناك يقف الى جانبنا سوى السلطان بكل الغطرسة العثمانية، وبكل النرجسية الفاضحة، وسوى الفرنسي فرنسوا هولاند الذي لا شك انه وصل الى الاليزيه على صهوة… سلحفاة.
هل فلاديمير بوتين يقنع العرب بأن اي حرب لا يمكن ان تكون مقدسة حتى ولو باركتها الكنيسة. السلام هو المقدس. سوريا ضاقت ذرعا بالجثث، وبالسواطير…
مرة واحدة دعونا نصدق السناتور جون ماكين: القيصر يلعب بنا ديبلوماسيا للوصول الى مآربه الاستراتيجية!!

لا نفهم أميركا ولا تفهمنا أميركا

 


«ذات يوم، قد تبعث اميركا بمركبة الى السماء، وتعود هذه بنماذج من الملائكة او من اي شيء اخر، لكنها لن تفقه، في اي يوم، ما يجري على الارض».
هكذا كتب اندريه فونتين منذ نحو عقدين. سفير عربي قال لنا «لا نفهم اميركا ولا تفهمنا اميركا. لعل علاقة الغرام الملتبسة هي العلاقة الخلاقة». هنري كيسنجر هو من ابتدع مصطلح «الالتباس الخلاق» لا في الغرام بل في الاستراتيجيا. في الحالة الراهنة…الالتباس القاتل.
وحين راح العرب يتحدثون عن «لعنة سايكس-بيكو»، ذكرّهم الانكليزي ديفيد هيرست بأن وزير الخارجية الروسي سيرغي سازانوف شارك في كل تفاصيل الاتفاقية، ليسأل «هل تتصورون انه لو كان وزير الخارجية الاميركية هناك لاخذت الخرائط شكلا افضل»؟ لا فارق بين جمهوريات الموز وممالك الموز. هل ثمة من يعتقد ان ديكتاتورية شيوخ القبائل اقل وطأة من ديكتاتورية قادة الدبابات؟
السفير العربي الذي لا يخفي صدمته من التراخي وحتى من الانتهازية الاميركية حيال العبث (الايراني) الجيوبوليتيكي في المنطقة، يرى ان ثمة جانبا مضيئا لما يجري، وهو «اننا بتنا نفكر بكوننا قادرين»، قبل ان يستدرك بأن المال «جعلنا نظن اننا نمتطي ظهور غيرنا، وهذا ما دفعنا الى الخمول الذي هو آفة سوسيولوجية وبما تعنيه الكلمة، قبل ان نكتشف ان الآخرين هم الذين يمتطون ظهورنا».
لا يلبث ان يتساءل «هل باستطاعتنا ان ننزل الاميركيين عن ظهورنا؟». يستطرد ضاحكا، ومحبطا» لا، لا لو نزلوا فعلا لتهنا في هذه الصحراء التي كانت تحبنا حين كنا في شظف العيش. الآن لا. نحن، بالنسبة الى الصحراء، كائنات اخرى».
يعود الى الالتباس، «لدينا قناعة بأن الاميركيين هم من ورطوا السعوديين في حرب اليمن، قلنا لاخواننا دعوا الحوثيين يتمددون. لن يستطيعوا الامساك باليمن في حال من الاحوال، و سيتشتتون ويضيعون داخل ذلك الموزاييك القبلي، وسيغرق الايرانيون هناك و سيغرقون في كل مكان آخر».
ويسأل «ولكن اين الايرانيون في اليمن؟ هم يحاربون بغيرهم. ماذا فعلوا في سوريا سوى انهم بعثوا الى النظام بذلك الطراز البدائي من المقاتلين الحفاة من افغانستان وباكستان، الى ان ظهر انهم اقل قدرة بكثير من ان يقاتلوا تركيا والسعودية وقطر والاردن بل وفرنسا واسرائيل وغيرها من الدول ومن التنظيمات، فاطلقوا صيحة الاستغاثة باتجاه الكرملين».
الروس استجابوا. سبق لسيرغي لافروف وقال لجون كيري، إبان الازمة الاوكرانية «هذه ليست كوبا»، باعتبار ان البحر الكاريبي هو المجال الجيوبوليتيكي الشديد الحساسية للولايات المتحدة، كما هو البحر الاسود للاتحاد الروسي. وحين قرر الروس التدخل قال كيري «هذه ليست اوكرانيا»، فكان الرد «هذه ليست كوبا ايضا». اذاً، انه التعايش المثير بين القاذفات الاميركية والقاذفات الروسية في السماء السورية…
الى اين يفضي ضجيج الطائرات؟ تقول موسكو «المدى الاستراتيجي هو اعادة الدولة في سوريا، حتى اذا ما حاولت اي من الدول افغنة الارض فسيكون الرد عاصفا، وهذا ما بات واضحا للجميع».
وموسكو التي تحدثت عن الكرنفال الجوي لدول التحالف، تتحدث الآن عن الكرنفال البحري للحلف الاطلسي في البحر الابيض المتوسط. هل سيحارب فرنسوا هولاند وديفيد كاميرون، وهل ستحارب انغيلا ميركل من اجل رجب طيب اردوغان الذي هو عرّاب تنظيم الدولة الاسلامية او الداعشية على انها النيو انكشارية التي ستكون الذراع الايديولوجية للنيو عثمانية بعدما ظهرت البنية الفولكلورية لـ«الاخوان المسلمين» في مصر، وقبلها في سوريا وفي الاردن وصولا الى ليبيا؟
المعلومات تقول ان بوتين اعدّ الف طائرة، او اقل بقليل، للحرب في سوريا. وفي القمة الاخيرة لرابطة الدول المستقلة في قازاخستان كانت هناك محادثات استراتيجية بالغة الحساسية، اي ان القاذفات الروسية لن تكون محصورة عند الضرورة في القواعد السورية. ثمة قواعد اخرى في اسيا الوسطى وفي القوقاز.
الاميركيون يدركون ذلك، وبالتفصيل. فلاديمير بوتين سيذهب بالحرب الى نهايتها. ليس مستعدا للتراجع قيد انملة، ولن يترك سوريا لمن يريدونها قطعة قطعة، ودون ان تكون بأي حال الحرب المستحيلة، فالتضاريس السورية ليست معقدة ابدا، وخلال اسابيع قليلة، بدا ان معظم طرق الامداد للتنظيمات المعارضة قد قطعت، فهل يمكن لصواريخ «تاو» ان تؤثر في مسار الصراع؟
لا احد يغفل شراسة المقاتلين وتمرّسهم الميداني، لكن من يتابع التطورات على الارض يتحدث عن تراجع دراماتيكي في المعنويات، ودون ان يكون هناك اي تأثير للكلام عن الافغنة.
ما يقوله الروس وراء الضوء لا يقولونه جزافاُ. ينصحون « الاخوان» او«الرفاق» في المنطقة بالتأمل ولو للحظة. غريب ان العرب حتى الان لايقرون بأن الرهان على توزيع سوريا (وأسوأ بكثير من توزيعات سايكس-بيكو) هو رهان على حرب الالف عام تسقط عروش كثيرة واحصنة كثيرة!!

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
  ذكور ضفادع القصب تذعن قبول ممارسة الحميميه مع ضفدع مثلي ليتجنب أن يؤكل.  لحظة لا تصدق: حيلة الاخطبوط العجيبه كارنافال ترامب : لتحسين عمليات التحقق من مالكي السلاح وتعديل الهجرة بعد مجزرتي إل باسو ودايتون  فرنسا:الزام جميع أسطح المنازل الجديدة بتغطيتها في النباتات أو لوحات #solar عكس كندا ؟؟ شوووووب:شاهد: كيف يبرد السكان أجسامهم بعد أن اجتاحت موجة الحرارة الشديدة الدول الاسكندنافية اتهامات لوائل كفوري:ضرب وحبس وعنَّفَ طليقته وانفصال الممثلة هنا شيحة ووفاة الممثلة البحرينية صابرين  "ويلا" غوريلا تتبختر وتتمنفخ امام والدها وزوار الحديقه مشاهد رافقت انتصار الجزائر اخترناها لك قد تزيد من جعل يومك جيداً  ان لم تستخدم تطبيق FaceApp بعد..احذر أن تعطي روسيا معلومات أخطر مما تتخيل