ï»؟

الصحافة العربية بلا هيكل :صديق عبد الناصر الوفي وناصح السادات

رئيس التحرير
2018.10.19 13:51



رحل الكاتب والصحافي المصري الشهير محمد حسنين هيكل تاركاً خلفه سيرة مثيرة ومُفعمة بالحيوية والجدل في مجال السياسة والصحافة وصناعة القرار، وفيما يعتبره البعض استاذًا ترك بصمته أينما حطت به الرحال، اعتبره البعض الآخر صانعًا وهميًا لتاريخ يضج بالإدعاء والزيف والروايات البوليسية

غادر الصحافي المصري محمد حسنين هيكل الدنيا الأربعاء عن 93 عامًا بعد معاناة مع المرض، فترك وراءه إرثًا صحافيًا عريضًا، لا يتوافق الجميع على توصيفه، أو على تقويمه سلبًا أو إيجابًا.
 
الصحافي الروائي
 
إن كان أشهر صحافيي مصر يملك كفاءة عالية في مهنة الصحافة، وفي التأثير في إعلام القرن العشرين، وهو الذي عاصر الصحافة المكتوبة ثم الإذاعة والتلفزيون، فإن مهنيته وحسن أسلوبه سجلا ضعفًا مشهودًا على سلم المصداقية، والاحترام المهني، والخيال الروائي الذي يبدو.
 
فقد بدأ هيكل الكبير حياته مترجمًا للروايات البوليسية، كروايات شيرلوك هولمز. ويبدو أنه تأثر عميقًا بها فخلقت فيه حسًا دراميًا ما أحسن استثماره في حياته الصحافية-السياسية، إذ ما أتقن فن تجويد القصة وتأكيدها وفق قواعد التوثيق المتعارف عليها.
 
لا شك في أن الحظ واكب هيكل، المولود في عام 1923، طوال حياته، وبقي ملازمه إلى ثانية مماته؛ إذ كان آخر الراحلين من معاصريه، لذا واتته فرصة ثمينة ليكتب عنهم، ولينسب إليهم أقوالًا وأفعالًا، وليروي مواقف "حصلت" له معهم وهم تحت التراب، من دون أن يملكوا حق الرد عليه، شتمًا أو ثناءً، أو الدفاع عن أنفسهم أمام ما يسوقه ضدهم من تهم.
 
مهنية «الأستاذ»
 
وعند ذكر المهنية، لا مفر من تذكر مسألة على جانب كبير من الأهمية: تشوهت مهنية أجيال عدة من أبناء الصحافة بفعل مدرستين تنتميان إلى بيت واحد، هو بيت أمين. فقد ذهب مصطفى وعلي أمين إلى إنجلترا وخاضا تجربة صحافة الإثارة والمبالغة، بل صحافة الرصيف البريطانية، بحسب جريدتي «ذَا اكسبريس» و«ديلي ميرور»، فكانت «آخر ساعة» و«الأخبار» و«أخبار اليوم».
 
أنتجت هذه الصحافة صحافيًا صار «الأستاذ» في ما بعد، لكن نشبت الحرب الضروس بين هيكل والأخوين أمين، استخدم الطرفان فيها الأسلحة الرديئة والقاتلة كلها، وانتهى الأمر بسجن مصطفى أمين بسبب وشاية اتهمه فيها هيكل بالعمل لحساب الاستخبارات الأميركية، والتي أوردها في ما بعد كتابه الشهير "بين الصحافة والسياسة"، الذي أصدره في عام 1984. وظلت الخصومة قائمةً حتى وفاة مصطفى أمين. كما غادر علي أمين مشردًا خارج مصر حتى مات، ولم يكتب تلميذهما «الاستاذ» حرفًا واحدًا في رثائهما.​
 
الغزل المستمر
 
ما غادر هيكل عهدًا في مصر إلا وغازله، بطريقة أو بأخرى، إذ ما أحب المعارضة، ومتى اضطر إليها نأى بنفسه والتزم الصمت والحياد، وربما لم يحصل ذلك في العام الذي حكم فيه محمد مرسي الاخواني مصر بعد ثورة 25 يناير. فهيكل عاصر ملكًا واحدًا وخمسة رؤساء جمهورية. نسج الكثير في غزل الملك فاروق من دون أن يعيره «مولانا» أي اهتمام، وتقرب إلى جمال عبد الناصر ملتصقًا بثورة 23 يوليو، لكن أنور السادات أبعده عن رئاسة تحرير جريدة «الأهرام» بعدما كانت برجه العاجي وحصنه المنيع، في إثر خلاف مع الرئيس على ما آلت إليه الحال بعد حرب عام 1967.
 
حاول التقرب إلى حسني مبارك لكن هذا الأخير همّشه، كما نجح في التقرب إلى الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي في البداية لكن انقلب الأمر ضده. وفي عهد الاخوان المسلمين القصير، صمت هيكل وابتعد غير عابئ بمحاولات محمد مرسي استمالته إلى صفه.
 
أنا هو!
 
ثمة من يظن أن علاقة هيكل بعبد الناصر أنموذجية، ينبغي إشباعها درسًا وتمحيصًا؛ إذ في طياته أدلة على أن هيكل أتقن أيما إتقان لعبة «وضع الصحافي في خدمة السياسي، ووضع السياسي في خدمة الصحافي» المزدوجة. فبحسب الصحافي محمد حماد، أدرك هيكل أن عبد الناصر يحتاج في موقعه المتقدم هذا إلى من يمده بالأفكار والأخبار، فأدى هذا الدور بتأن وتؤدة، وأحسن في أن يكون لسان عبد الناصر، الذي ما أخفى إعجابه بذلك، قائلًا مرات عدة: «هذا ما كنت أريد قوله». وهذا ربما زرع في نفس هيكل ما عدّه حقيقة من حقائق ثورة 23 يوليو، مفادها أن الرئيس عبد الناصر يحتاج إلى صحافي يعبر عنه، «وأنا هو هذا الصحافي»، بحسب هيكل.
 
يقال الكثير عن عروة وثقى بين هيكل وعبد الناصر رفعته إلى مصاف حكام مصر في حينها. أفلم تقل نوال المحلاوي، سكرتيرة هيكل وأمينة سره، للأديب الراحل يوسف إدريس إنها الرقم ثلاثة في مصر؟ وحين استغرب ادريس هذا الكلام واستوضحها سألته عمن يحكم مصر، فرد: «عبد الناصر». فأجابت بثقة: «وعبد الناصر في جيب الأستاذ هيكل، والأستاذ في جيبي». أن يكون هيكل في جيبها فهذا أمرهما وحدهما، أما أن يكون عبد الناصر في جيب هيكل، فهذا ما أثار الكثير من التساؤلات. وهذا ليس إلا مثال بين أمثلة كثيرة، دالة على ما كان لهيكل من سلطان في عهد عبد الناصر.
 
شعرة معاوية
 
في توازنات القوى الدقيق بين أركان ثورة 23 يوليو، كان هيكل مقربًا إلى السادات أيضًا، لكن هذا الأخير أخرجه من اللعبة السياسية بإخراجه من رئاسة تحرير الأهرام في عام 1974. فالسادات لم يرتح يومًا لسطوة هيكل في عهد سلفه، خصوصًا أنه لم ينس لحظةً واحدةً حين أجبره هيكل، وكان السادات يومها رئيسًا لمجلس الأمة المصري، على الاعتذار من صحافي في «الأهرام» غضب منه السادات بسبب مقالة عن البرلمان. كما لم ينس كيف تركه هيكل منتظرًا في صالة مكتبه في عام 1968 أكثر من 45 دقيقة، لتخرج بعدها المحلاوي نفسها وتخبره بأن «الأستاذ» لن يقابله، على الرغم من وجود موعد مسبق بينهما.
 
لم تنقطع شعرة معاوية بين الرجلين، فهيكل هو من سمى السادات «صاحب قرار أكتوبر العظيم»، نسبةً إلى حرب 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1973 وعبور الجيش المصري قناة السويس إلى الضفة الشرقية. لكن ما أن استقرار الحال للسادات في عام 1977 حتى بادر إلى إقصاء هيكل بشكا نهائي، فحبسه مع آلاف آخرين في حملة أيلول (سبتمبر) 1981 الشهيرة.
 
الفرص الضائعة
 
قتل السادات في عام 1981، وتولى مبارك سدة الرئاسة في مصر. لم يكن الود منسوجًا بين الرجلين، فمبارك ما وثق بهيكل يومًا، وبادله الآخر الشعور نفسه، حتى أنه هاجمه مرارًا، وهاجم نيته توريث حكم مصر لأولاده ابتداءً من عام 2002.
 
لكن مبارك لم يمنع هيكل من الكتابة، ولو كتب ضده. فبقي حرًا يهاجم آل مبارك، ويتهمها بالسطو على 100 مليار دولار حصلت عليها مصر بدلًا من مساهمتها في حرب تحرير الكويت. لم يتعرض هيكل واولاده للمضايقة، بل تمكن أولاده من العمل بحرية، وجنوا ثروات طائلة.
 
في عهد مرسي، كان هيكل شديد الانتقاد لعهد مبارك، لكنه كان حذرًا في إعلان دعمه لحكم الاخوان المسلمين، خصوصًا أنه في كل العهود التي سبقت كان يقف إلى جانب السلطات ضد الإخوان. إلا أنه بدأ «يحلحل» موقفه هذا، خصوصًا أن مرسي طلب مشورته في بعض المسائل، لكن حل يوم 30 حزيران (يونيو) فانقلب الوضع المصري رأسًا على عقب. فما كان من هيكل إلا أن مال مع ميل الأوضاع، فهو من قال إنه يرى في السيسي عبد الناصر آخر، وأكثر المؤمنين بأفكار عبد الناصر في مصر، خصوصًا أنه كان في حينه وزير دفاع. بادله السيسي بأوصاف سارة، إلا أن هيكل لم يكن في أي لحظة من اللحظات مقربًا إلى السيسي رئيسًا.​

فقدت مصر الأستاذ محمد حسنين هيكل، أحد أبرز أعلام الصحافة العربية والعالمية، الذي وافته المنية صباح اليوم (17 02 2016) عن عمر ناهز 93 عاما.فقد غادر هيكل الدنيا عن 93 عامًا بعد معاناة مع المرض، فترك وراءه إرثًا صحافيًا عريضًا، لا يتوافق الجميع على توصيفه، أو على تقويمه سلبًا أو إيجابًا.

 
الصحافي الروائي
 
إن كان أشهر صحافيي مصر يملك كفاءة عالية في مهنة الصحافة، وفي التأثير في إعلام القرن العشرين، وهو الذي عاصر الصحافة المكتوبة ثم الإذاعة والتلفزيون، فإن مهنيته وحسن أسلوبه سجلا ضعفًا مشهودًا على سلم المصداقية، والاحترام المهني، والخيال الروائي الذي يبدو.
 
فقد بدأ هيكل الكبير حياته مترجمًا للروايات البوليسية، كروايات شيرلوك هولمز. ويبدو أنه تأثر عميقًا بها فخلقت فيه حسًا دراميًا ما أحسن استثماره في حياته الصحافية-السياسية، إذ ما أتقن فن تجويد القصة وتأكيدها وفق قواعد التوثيق المتعارف عليها.
 
لا شك في أن الحظ واكب هيكل، المولود في عام 1923، طوال حياته، وبقي ملازمه إلى ثانية مماته؛ إذ كان آخر الراحلين من معاصريه، لذا واتته فرصة ثمينة ليكتب عنهم، ولينسب إليهم أقوالًا وأفعالًا، وليروي مواقف "حصلت" له معهم وهم تحت التراب، من دون أن يملكوا حق الرد عليه، شتمًا أو ثناءً، أو الدفاع عن أنفسهم أمام ما يسوقه ضدهم من تهم.
 
مهنية «الأستاذ»
 
وعند ذكر المهنية، لا مفر من تذكر مسألة على جانب كبير من الأهمية: تشوهت مهنية أجيال عدة من أبناء الصحافة بفعل مدرستين تنتميان إلى بيت واحد، هو بيت أمين. فقد ذهب مصطفى وعلي أمين إلى إنجلترا وخاضا تجربة صحافة الإثارة والمبالغة، بل صحافة الرصيف البريطانية، بحسب جريدتي «ذَا اكسبريس» و«ديلي ميرور»، فكانت «آخر ساعة» و«الأخبار» و«أخبار اليوم».
 
أنتجت هذه الصحافة صحافيًا صار «الأستاذ» في ما بعد، لكن نشبت الحرب الضروس بين هيكل والأخوين أمين، استخدم الطرفان فيها الأسلحة الرديئة والقاتلة كلها، وانتهى الأمر بسجن مصطفى أمين بسبب وشاية اتهمه فيها هيكل بالعمل لحساب الاستخبارات الأميركية، والتي أوردها في ما بعد كتابه الشهير "بين الصحافة والسياسة"، الذي أصدره في عام 1984. وظلت الخصومة قائمةً حتى وفاة مصطفى أمين. كما غادر علي أمين مشردًا خارج مصر حتى مات، ولم يكتب تلميذهما «الاستاذ» حرفًا واحدًا في رثائهما.​
 
الغزل المستمر
 
ما غادر هيكل عهدًا في مصر إلا وغازله، بطريقة أو بأخرى، إذ ما أحب المعارضة، ومتى اضطر إليها نأى بنفسه والتزم الصمت والحياد، وربما لم يحصل ذلك في العام الذي حكم فيه محمد مرسي الاخواني مصر بعد ثورة 25 يناير. فهيكل عاصر ملكًا واحدًا وخمسة رؤساء جمهورية. نسج الكثير في غزل الملك فاروق من دون أن يعيره «مولانا» أي اهتمام، وتقرب إلى جمال عبد الناصر ملتصقًا بثورة 23 يوليو، لكن أنور السادات أبعده عن رئاسة تحرير جريدة «الأهرام» بعدما كانت برجه العاجي وحصنه المنيع، في إثر خلاف مع الرئيس على ما آلت إليه الحال بعد حرب عام 1967.
 
حاول التقرب إلى حسني مبارك لكن هذا الأخير همّشه، كما نجح في التقرب إلى الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي في البداية لكن انقلب الأمر ضده. وفي عهد الاخوان المسلمين القصير، صمت هيكل وابتعد غير عابئ بمحاولات محمد مرسي استمالته إلى صفه.
 
أنا هو!
 
ثمة من يظن أن علاقة هيكل بعبد الناصر أنموذجية، ينبغي إشباعها درسًا وتمحيصًا؛ إذ في طياته أدلة على أن هيكل أتقن أيما إتقان لعبة «وضع الصحافي في خدمة السياسي، ووضع السياسي في خدمة الصحافي» المزدوجة. فبحسب الصحافي محمد حماد، أدرك هيكل أن عبد الناصر يحتاج في موقعه المتقدم هذا إلى من يمده بالأفكار والأخبار، فأدى هذا الدور بتأن وتؤدة، وأحسن في أن يكون لسان عبد الناصر، الذي ما أخفى إعجابه بذلك، قائلًا مرات عدة: «هذا ما كنت أريد قوله». وهذا ربما زرع في نفس هيكل ما عدّه حقيقة من حقائق ثورة 23 يوليو، مفادها أن الرئيس عبد الناصر يحتاج إلى صحافي يعبر عنه، «وأنا هو هذا الصحافي»، بحسب هيكل.
 
يقال الكثير عن عروة وثقى بين هيكل وعبد الناصر رفعته إلى مصاف حكام مصر في حينها. أفلم تقل نوال المحلاوي، سكرتيرة هيكل وأمينة سره، للأديب الراحل يوسف إدريس إنها الرقم ثلاثة في مصر؟ وحين استغرب ادريس هذا الكلام واستوضحها سألته عمن يحكم مصر، فرد: «عبد الناصر». فأجابت بثقة: «وعبد الناصر في جيب الأستاذ هيكل، والأستاذ في جيبي». أن يكون هيكل في جيبها فهذا أمرهما وحدهما، أما أن يكون عبد الناصر في جيب هيكل، فهذا ما أثار الكثير من التساؤلات. وهذا ليس إلا مثال بين أمثلة كثيرة، دالة على ما كان لهيكل من سلطان في عهد عبد الناصر.
 
شعرة معاوية
 
في توازنات القوى الدقيق بين أركان ثورة 23 يوليو، كان هيكل مقربًا إلى السادات أيضًا، لكن هذا الأخير أخرجه من اللعبة السياسية بإخراجه من رئاسة تحرير الأهرام في عام 1974. فالسادات لم يرتح يومًا لسطوة هيكل في عهد سلفه، خصوصًا أنه لم ينس لحظةً واحدةً حين أجبره هيكل، وكان السادات يومها رئيسًا لمجلس الأمة المصري، على الاعتذار من صحافي في «الأهرام» غضب منه السادات بسبب مقالة عن البرلمان. كما لم ينس كيف تركه هيكل منتظرًا في صالة مكتبه في عام 1968 أكثر من 45 دقيقة، لتخرج بعدها المحلاوي نفسها وتخبره بأن «الأستاذ» لن يقابله، على الرغم من وجود موعد مسبق بينهما.
 
لم تنقطع شعرة معاوية بين الرجلين، فهيكل هو من سمى السادات «صاحب قرار أكتوبر العظيم»، نسبةً إلى حرب 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1973 وعبور الجيش المصري قناة السويس إلى الضفة الشرقية. لكن ما أن استقرار الحال للسادات في عام 1977 حتى بادر إلى إقصاء هيكل بشكا نهائي، فحبسه مع آلاف آخرين في حملة أيلول (سبتمبر) 1981 الشهيرة.
 
الفرص الضائعة
 
قتل السادات في عام 1981، وتولى مبارك سدة الرئاسة في مصر. لم يكن الود منسوجًا بين الرجلين، فمبارك ما وثق بهيكل يومًا، وبادله الآخر الشعور نفسه، حتى أنه هاجمه مرارًا، وهاجم نيته توريث حكم مصر لأولاده ابتداءً من عام 2002.
 
لكن مبارك لم يمنع هيكل من الكتابة، ولو كتب ضده. فبقي حرًا يهاجم آل مبارك، ويتهمها بالسطو على 100 مليار دولار حصلت عليها مصر بدلًا من مساهمتها في حرب تحرير الكويت. لم يتعرض هيكل واولاده للمضايقة، بل تمكن أولاده من العمل بحرية، وجنوا ثروات طائلة.
 
في عهد مرسي، كان هيكل شديد الانتقاد لعهد مبارك، لكنه كان حذرًا في إعلان دعمه لحكم الاخوان المسلمين، خصوصًا أنه في كل العهود التي سبقت كان يقف إلى جانب السلطات ضد الإخوان. إلا أنه بدأ «يحلحل» موقفه هذا، خصوصًا أن مرسي طلب مشورته في بعض المسائل، لكن حل يوم 30 حزيران (يونيو) فانقلب الوضع المصري رأسًا على عقب. فما كان من هيكل إلا أن مال مع ميل الأوضاع، فهو من قال إنه يرى في السيسي عبد الناصر آخر، وأكثر المؤمنين بأفكار عبد الناصر في مصر، خصوصًا أنه كان في حينه وزير دفاع. بادله السيسي بأوصاف سارة، إلا أن هيكل لم يكن في أي لحظة من اللحظات مقربًا إلى السيسي رئيسًا.​

ولد محمد حسنين هيكل في عام 1923، في حي الحسين جنوب القاهرة، لأب من جذور صعيدية، كان يعمل تاجرا للحبوب، وكان يرغب في أن يكون ابنه طبيبا. لكن الأٌقدار اختارت له طريقا آخر، وهو الصحافة.

ونظرا لظروفه المادية الصعبة، التحق هيكل بمدرسة التجارة المتوسطة، ثم بالجامعة الأمريكية، حيث تعرف على سكوت واطسون الصحافي بـ"إيجيبشين غازيت"، الصحيفة الأجنبية الأولى في مصر، والتي لا تزال تصدر عن مؤسسة دار التحرير – الجمهورية. ونجح واطسون في إلحاق هيكل، البالغ من العمر 19عاما، بالجريدة في 8 فبراير 1942، كصحافي تحت التمرين بقسم المحليات.

لكن الحرب العالمية الثانية كانت مستعرة في ذلك الحين، وأصبح دور هيكل ترجمة ما تنقله وسائل الإعلام الأجنبية عنها. وقد كلف أثناء عمله بتغطية وقائع الحرب الدائرة  في منطقة العلمين، ثم سافر بعد ذلك ليغطي الحرب في مالطا، وفيما بعد إلى باريس، التي التقى فيها بالسيدة فاطمة اليوسف صاحبة مجلة "روز اليوسف"، والتي قررت نقل الصحافي الموهوب في عام 1944 إلى مجلتها، حيث تعرَّف إلى محمد التابعي، لينتقل معه إلى مجلة "آخر ساعة"، التي قدم على صفحاتها "خبطات" صحافية أهلته للحصول عن جدارة على جائزة الملك فاروق، أرفع الجوائز الصحفية بمصر في ذلك الوقت. ثم انتقل هيكل بعد ذلك إلى العمل في جريدة "أخبار اليوم" مع التوأم على ومصطفى أمين، والتي شهدت سباقات هيكل الصحافية: من تغطيته لحرب فلسطين إلى انقلابات سوريا، ومن ثورة محمد مصدق في إيران واغتيال الملك عبد الله في القدس إلى اغتيال رياض الصلح في عمان، واغتيال حسني الزعيم في دمشق. ليستمر به المشوار حتى توليه رئاسة تحرير "آخر ساعة"، وقد بلغ من العمر 29 سنة، قبل ثورة يوليو بنحو شهر فقط .

الأستاذ هيكل - كما يسميه المجتمع الصحافي المصري - يمثل حالة فريدة من نوعها يصعب أن تتكرر؛ فهو أحد أشهر الصحفيين العرب والمصريين في القرن العشرين. وقد ساهم في صياغة السياسة في مصر منذ عهد الملك فاروق حتى الآن، كما كان يعد الصديق الأقرب للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي مثل وجوده إلى جواره علامة فارقة للرئيس وللأستاذ، فكان كاتب خطاباته وكاتم أسراره وظله في أسفاره وتنقلاته، وعاش معه ثورة الضباط الأحرار بكل تطوراتها، إلى أن استقر الأمر لعبد الناصر، فكان لهيكل نصائح ثمينة قدمها للرئيس الجديد.

كان هيكل رائدا لنهضة كبيرة في الصحافة المصرية والعربية، حيث أسس وصاغ علاقة جديدة بين السلطة والصحافة. فكان مكتبه في الأهرام مزارا ومقصدا لكبار الساسة في العالم، الذين كانوا يدرجون في مقابلاتهم الرسمية لمصر زيارة الأستاذ هيكل في مكتبه بـ"الأهرام". وبعد وفاة الرئيس عبد الناصر، وقف هيكل بكل قوة مع الرئيس السادات للقضاء على مراكز القوى، غير أنه ومع مرور الوقت، نشبت خلافات عنيفة بين الأستاذ والرئيس، فأقاله السادات من "الأهرام" بقرار رئاسي، ليُلقى القبض عليه إبان اعتقالات 1981 قبيل اغتيال السادات، إلى أن أفرج عنه الرئيس محمد حسني مبارك، وليبدأ رحلة جديدة تحول معها من كاتب إلى مفكر ومؤرخ وسياسي من طراز فريد .

الأستاذ هيكل قدم للمكتبة العربية نحو 40 كتابا، ترجم معظمها إلى نحو 30 لغة، من أبرزها: "خريف الغضب" و"عودة آية الله" و"الطريق إلى رمضان" و"أوهام القوة والنصر" و"أبو الهول والقوميسير". بالإضافة إلى مجموعة "حرب الثلاثين سنة" و"المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل".

وظل هيكل حتى النفس الأخير يقدم النصائح للزعماء والقادة العرب والمصريين، وظل حتى وقت قريب يقوم بزيارات خاصة إلى الزعماء والقادة العرب يعامل فيها كالقادة والملوك.

وإضافة إلى كل ما تقدم، كان هيكل يمثل وكالة أنباء متكاملة المعالم، حيث ظل متابعا حتى الرمق الأخير لكافة المستجدات. وكما كان فريدا في إبداعه، كان فريدا في إعلانه اعتزال الكتابة المنتظمة وهو في أوج مجده عام 2003م، وذلك بعد أن أتم عامه الثمانين وأثار ضجة كبيره بمقاله الوداعي ذي الجزئين، إلا أنه عاد إلى جريدة "الأهرام" وعموده الأسبوعي “بصراحة” في أعقاب ثورة 25  يناير، التي أطاحت نظامَ مبارك.

هيكل، الأستاذ، الذي فقده العرب والعالم، هو ظاهرة صحفية وسياسية لن تتكرر، وسيبقى على مر السنين علامة فارقة في تاريخ الصحافة العربية والمصرية.

كلمة التحرير كتاب واراء مختارات من الصحافة حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم إعلانات تصويت
بانتشار الكتب الالكترونية في العالم هل ما زلت تفضل قراءة الكتب الورقية؟


القائمة البريدية
البريد الالكتروني

هجرة الجنوب الى الشمال وترامب يغلق الحدود وويستدعي الجيش ارني نظارتك اقل لك من انت :موضة ام طبية ام أداة لتحسين الرؤية ام أسلوب حياة للمشاهير.. هكذا تختار الإطار الأنسب لوجهك افضل اصغر صورة فيديو شرطية أرجنتينية قامت بإرضاع وتهدئة روع طفلة عفويا وتترقي مجرذ نملة ..... ازئروا رررر:بورتريه عائليه والاب يشخر مفاجآت الحفل العالمي للعام 2018:الفائز الأكبر سناً في التاريخ وأول ممثل ذي بشرة سوداء يفوز بالأوسكار.. ترامب يهاجم أوبرا وينفري: خوضي الانتخابات حتى أفضحك وتُهزمي كالآخرين! ترامب في يهاجم أوبرا وينفري: خوضي الانتخابات حتى أفضحك وتُهزمي كالآخرين! ترامب في يهاجم أوبرا وينفري: خوضي الانتخابات حتى أفضحك وتُهزمي كالآخرين!