ï»؟

شهادات بشيخ الاعلام العربي حسنين هيكل !!

رئيس التحرير
2018.01.16 05:01

يوم صدمني هيكل في رأيه في اهم تجربة صحافية في حياتي.. لم يكن “بوقا” لعبد الناصر.. وهذه هي شهادتي.. اجتهد واخطأ.. وعلاقته بالسيسي لم تكن كما يعتقد الكثيرون
 

عبد الباري عطوان
في اوائل نيسان (ابريل) عام 1989 سافرت الى القاهرة من اجل الاعداد لتوزيع صحيفة “القدس العربي”، التي تشرفت برئاسة تحريرها، وفتح مكتب لها، وكانت وجهتي الاولى مكتب “الاستاذ” محمد حسنين هيكل لاتشاور معه في الامر، والاستماع الى نصائحه، والاستفادة من خبراته السياسية والمهنية.
بعد التحية والسلام، اخرجت من حقيبتي عددا تجريبيا من الصحيفة، وكان من 12 صفحة بالابيض والاسود، فالتقطه بلامبالاة، وتصفحه في ثوان معدودة، والتفت الي وقال “ايه ده.. فين الانتفاضة.. فين المقاومة.. فين فلسطين؟.. ده مثل اي “جورنال” تاني”.
ابتلعت ريقي من شدة الصدمة والحرج، فكنت اعتقد انني احمل نموذجا لصحيفة مختلفه عما عداها، فالمثل العربي يقول “القرد في عين امه غزال”، ولكن كلام “الاستاذ” صدمني و”ارستقراطيته” الصحافية اشعرتني بأن مولودي الجديد قردا وليس غزالا، وغادرت مكتبه منكسرا، وتعثرت قدماي بسجاد مكتبه الفاخر، وعلمت لاحقا انه هو الذي اقترح فكرة اصدار هذه الصحيفة في اجتماع ضمه مع الشاعر الكبير محمود درويش على الرئيس ياسر عرفات وغضب لانه لم يتم ابلاغه بتنفيذ المشروع في حينه وتكليفه بالاشراف عليه.
صحيح ان العدد التجريبي الاول كان بائسا طباعيا ومهنيا، فقد كانت الميزانية محدودة، والمنافسون في لندن في حينها (الحياة والشرق الاوسط) ناطحات سحاب عملاقة باذخة، شكلا وضمونا وانفاقا، وكل طموحي كان نصب خيمة، او بيت شَعر (بفتح الشين) بينهما، ولكن ردة فعل “الاستاذ” احبطتني، وانا كنت وما زلت اعتبره قامة عليا في الصحافة، بل الاعلى.. ولم انتظر منه الا كلمة تشجيع لشاب (كنت في الثلاثينات) ينضح حماسة وطموحا، ولكنه بخل علي بها، وكان صارما حاسما، وغير مجامل على الاطلاق.
انتقلت من مكتبه المطل على النيل الى شقة “قامة” اخرى هو الاستاذ احمد بهاء الدين في منطقة المساحة بالدقي، واستقبلني استقبالا حارا حميما، وتصفح الصحيفة بتأن، وطالع صفحاتها جميعا، وبعد اكثر من عشرين دقيقة التفت الي وقال “الجرنال ده عايز يقول حاجة جديدة.. وسيكون له شأن في عالم الصحافة”.
فانفردت اساريري، وزالت حالة الاكتئاب التي خرجت بها من مكتب “الاستاذ” الاكبر.. واستمرت علاقتي مع الاستاذ بهاء رحمه الله حتى وفاته في احد مستشفيات لندن، وزارني عدة مرات في مقر الصحيفة المتواضع، ورأس في احد المرات اجتماع تحريرها.
***
قاهرة المعز اغلقت ابوابها في وجهي، مثل عواصم عربية اخرى بسبب موقفنا من حرب غزو الكويت، واحتللنا مكانة بارزة في قمة القوائم السوداء في مطارها وعدة عواصم عربية اخرى، فانقطعت الصلة مع الاستاذ هيكل، الا ان اعادها الصديق العزيز محمود درويش وجمعنا في احد مطاعم لندن، وتواصلت اللقاءات بعدها.
الاستاذ هيكل بدأ يتابع صحيفتنا، ولكنه لم يظهر اعجابه بها الا متأخرا في حفل غداء بدعوة من احد الاصدقاء ضم العديد من زملاء المهنة في صحافة المهجر، وصحيفة “الحياة” على وجه التحديد، واعتبرها، اي صحيفة “القدس العربي” صحيفة “رأي”، وهذا هو المستقبل حسب رأيه، ولكنه لم يبخل على الزميله الاولى بالاطراء ايضا، وكانت تستحق ذلك.
الاستاذ هيكل كان ارستقراطيا ليس في الصحافة فقط، وانما في حياته الخاصة، فكان يتردد على مصايف الامراء والاثرياء في جزيرة سردينيا الايطالية رغم ميوله الاشتراكية، وكان يحرص ان تكون جميع لقاءته واجتماعاته في لندن في فندق كلاريدجز، اكثر فنادقها عراقة وفخامة، ولم يشاركه هذا العشق الا العاهل الاردني الملك حسين، وربما ملوك وامراء آخرون لا  اعرفهم، رغم انه لم يكن يقيم في الفندق نفسه، وانما في شقة قريبة.
في احد لقاءاتنا في بهو الفندق نفسه وقد تشعب الحديث وطال، وكان بالمناسبة يسجل بعض الافكار والآراء في دفتر مذكرات صغير اذا راقت له، واحتوت معلومة مهمة، التفت الي وقال انظر الى تلك الطاولة في المطعم، انهم اسرتي، زوجتي واولادي يعدون لي مفاجأة بمناسبة عيد ميلادي (الخامس والسبعين)، على ما اعتقد، ولكنني افسدتها عليهم بالحضور قبلهم للقائك في المكان نفسه، ودعاني للانضمام الى الحفل لكني اعتذرت رغم اصراره.
في احد لقاءاتنا في احد مطاعم لندن اثناء حادثة الغبار البركاني، تناولنا احداث المنطقة، وقد فاجأنا جميعا بالقول بأنه يتوقع زلزالا كبيرا في مصر، وان ايام الرئيس مبارك باتت معدودة، واكد ان المشير محمد حسين طنطاوي سيلعب دورا كبيرا في هذا الزلزال، تماما مثلما مسك الحكم عندما انهار الرئيس مبارك وهو يلقي خطابه امام مجلس الشعب، واكد مرة اخرى ان المؤسسة العسكرية لن تسمح مطلقا بالتوريث، وتولي جمال مبارك الحكم، وقد صدقت كل، او معظم توقعاته.
من حرصي عليه، ولسذاجتي، كان يشعر بالملل لتأخره في العودة الى مصر بسبب ذلك الغبار الذي عطل حركة الطيران لاكثر من اسبوع، عرضت عليه خدماتي في حجز مكان له في اليوم الاول لعودة الطيران، وبعد تمنع منه، واصرار مني، قال لي ان اولاده سيرسلون له طائرة خاصة فاسقط في يدي.
اسغربت ان لا يشارك الرئيس عبد الفتاح السيسي في تشييع جثمانه، فقد اعتقدت ان العلاقة بينهما كانت قوية، لانني عندما التقيته في بيروت في بيت احد الاصدقاء المشتركين في كانون الاول (ديسمبر) عام 2014، حيث كنت ازورها لتوقيع كتابي عن “الدولة الاسلامية” في معرض بيروت الدولي للكتاب، قال انه التقى الفريق اول عبد الفتاح السيسي قبل اربعة ايام من حضوره لبيروت لاكثر من خمس ساعات، واكد انه لن يخلع البزة العسكرية، ولن يترشح للرئاسة، ولم يكن مصيبا هذه المرة، مما يؤكد ان المشير السيسي لم يكن يثق به، ويطلعه على اسراره مثلما يعتقد الكثيرون.
هيكل لم يكن مطلقا من المؤيدين لاي تقارب بين مصر والسعودية، واثناء زيارة اخرى لبيروت التقى السيد حسن نصر الله، زعيم حزب الله، وحمل رسائل من القيادة المصرية الى القيادة الايرانية وبالعكس، بتكليف من السيد نصر الله، وحقق هذا الدور نجاحا ملموسا.
كان شغوفا بمعرفة اسباب مغادرتي لـ”القدس العربي” وتواعدنا على اللقاء في فندق فينيسيا حيث يقيم، ولكنني اعتذرت تحت ذريعة ظرف طاريء على امل اللقاء في لندن، ولم يقبل اعتذاري، وكان محقا في وصفه بأنه هروب، فلم اكن اريد الحديث في هذا الموضع، كعادتي دائما في كل صحيفة اغادرها، وهي قليلة العدد على اي حال.
واذا كانت تنبؤاته قد اصابت في مسألة حدوث زلزال سياسي في مصر، والدور المستقبلي للمشير طنطاوي وزير الدفاع حينها، فان نظريته حول قيام مجموعة صربية بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر وليس “القاعدة” لم تكن كذلك، رغم اصراره على دقتها حتى وفاته.
كان رجلا يحمل كبرياء وعزة نفس غير مسبوقين، يضع نفسه في مقام الملوك والرؤساء، ان لم يكن اعلى، لا ينحني لاحد، يعتد بنفسه وتاريخه، ولا يتواضع الا في حالة واحدة، وهي وصف نفسه بأنه “جورنالجي” ونقطة على السطر، وهذا فخر وتقدير كبيران لمهنة الصحافة.
 في ايامه الاخيرة ضعف سمعه، ولكنه كان يرفض وضع سماعات تعدّل هذا الضعف، وكان الحديث معه صراخا يسمعه من يجلس على بعد كيلومتر، فلم يكن يريد ان يظهر في مظهر الضعيف، ولم يكن غريبا عليه ان يرفض ان يزوره اي احد وهو على سرير المرض، مهما كانت مكانتهم عنده.
الراحل محمد حسنين هيكل كان عميدا للصحافة العربية بلا منازع، رجل قيّم ومباديء، يؤمن بالعمق العربي لمصر، وتعرض للاعتقال والسجن بسبب معارضته الشرسة لاتفاقات كامب ديفيد، وبعد ذلك اتفاقات اوسلو، ووثق ذلك في كتب حظيت بشعبية واسعة.
كان انيقا في ملبسه واسلوبه، ادخل المعلومة والخبر والرأي، فجاءت مقالاته “كوكتيلا” متميزا في الصحافة العربية، انتظرها خصومه قبل مريديه، وما اقل الاوائل واكثر الاواخر.
***
اتهمه البعض بانه كان “بوقا” للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ولا اعتقد ان هذه نقيصة، فقد احب الرجل ورأى فيه زعيما عربيا، احتل قلوب الغالبية الساحقة من العرب، وانتصر لقضية فلسطين والعروبة ومكافحة الاستعمار، اجتهد واصاب واخطأ ومات فقيرا، اي عبد الناصر)، لم يترك ثروة ولا قصورا، وابدع الاستاذ هيكل عندما تحدث مرة عن سفره معه، (اي عبد الناصر) على ظهر يخت المحروسة الذي كان للملك فاروق، وقال انه ورفاقه تناولوا طعام اليخت الفرنسي الفاخر بينما اكتفى الرئيس جمال عبد الناصر بوجبته المفضلة الجبنة المصرية البيضاء المالحة مع شرائح الطماطم.
ربما ينتقده البعض ويتطاول عليه اخرون، لانه كان قريبا من الرئيس السيسي ونظامه، وهذا انتقاد صحيح، فالرجل لم يكن اي ود للاخوان المسلمين في اي يوم من الايام، ومن الطبيعي ان يكون حاله كذلك مع حكمهم، ولكن يمكن ان يجادل احد بأنه كان مع مصر العربية، يقف في خندقها ويجاهر بذلك، وهذا حقه واختياره، الذي يجب احترامه، حتى لو عارضه البعض واختلفوا معه.
لم ابالغ مطلقا عندما وصفته بأنه ينتمي الى زمن العمالقة مثل نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، ويوسف ادريس، وام كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وطه حسين، وكل رموز الزمن المصري الجميل،  زمن الكرامة والعزة والشموخ.
طلبت مني صحيفة “الشروق” ان اكتب مقالا بمناسبة عيد ميلاده التسعين، فلم اتردد، وانا الذي لا اكتب في صحف غير صحيفتي الا في حالات نادرة، لاعتقادي انه من اوعز بذلك، وكنت اتوقع ان اكرر المحاولة في عيد ميلاده الخامس والتسعين، ولكن لم يمهله القدر، وها انا اكتب تأبينا له.
رحم الله الاستاذ هيكل..


هيكل الصحافي و«البروباغنديست»
 
عبد الرحمن الراشد

بعد هزيمة حرب 1967.. لا بد أنها كانت مهمة ترقيع صعبة على هيكل مثلما كانت مستحيلة على غوبلز مع وصول طلائع قوات الحلفاء على مشارف برلين واقتراب هزيمة الألمان. مع هذا، رأينا كيف حاول هيكل إنقاذ ما أمكنه إنقاذه، ففي الوقت الذي كان يحشد الاتحاد الاشتراكي الآلاف من كوادره للتجمهر في وسط القاهرة، كان هيكل يدير مسرحية استقالة عبد الناصر، وكيف أن الشعب أصر على بقائه. ثم لاحقًا، علق إعلام هيكل مسؤولية الهزيمة على مشجب الوزير عبد الحكيم عامر، الذي «ينتحر» بعد قليل في زنزانته. ويشن هيكل حملة تنظيف لصورة رئيسه مما لحق بها بالترويج لحكايات عن مؤامرات داخلية وخارجية. وبالفعل، نجح هيكل مؤقتًا في ترميم سمعة الزعيم إلا أن الزعيم نفسه كان قد غير «الأجندة»، وصار الفارق بين الحقيقة والدعاية يتسع حتى لم يعد ممكنًا لهيكل أن يسوّق صورة «البطل الاشتراكي القومي العروبي المؤمن بالقوة» والرئيس في نفس الوقت يظهر على أخبار المساء مع أميركيين و«رجعيين». «البروباغنديست» يحتاج إلى شيء من الحقيقة، وشيء من الانتصار، كما كان الأمر عليه في حرب السويس عام 1956. من دونهما حبل الدعاية قصير.
مات عبد الناصر وظل «البروباغنديست» وفيًا له خلال الأربعين عامًا التي عاشها بعده. وتأكد لاحقًا أن هيكل لم يتم تعويضه في مصر كمهندس للإعلام الدعائي. خليفتا عبد الناصر، الرئيسان السادات ومبارك، قدما إنجازات كبيرة لكن أدواتهما الدعائية كانت ضعيفة، فالسادات انتصر على إسرائيل لكنه هزم أمام دعاية البعث واليسار في بغداد ودمشق وبيروت! ومبارك أسقطته الدعاية المحلية وحدها. وكما روى الأستاذ أحمد مسلماني في سلسلته عن هيكل أنه تقرب من السادات ومبارك ولم يصلح الحال، ولاحقًا مع مرسي ثم السيسي، فكبرياء هيكل فاقت ما منحه هؤلاء.
أعتقد أن أزمة الأستاذ هي مع نفسه، إذ لم يستطع النزول من على الشجرة منذ وفاة عبد الناصر، بصفته قائدًا إعلاميًا وشريكًا سياسيًا. ولا شك أنه كان شخصية مهمة إلا أن العالم أكبر من أن يملأه فرد أو جماعة واحدة، والتاريخ مثل القطار يتسع للكثيرين ولا يقف في محطة واحدة.
قلت لم ينزل من الشجرة، أعني أنه بسبب اعتزازه بنفسه وتاريخه لم يخرج من الصندوق الذي بناه هو لعبد الناصر وجيله وحقبته. مرة اتصل بي هيكل في لندن، واستضافني على قهوة في فندق «كلاريدجز»، سبب اللقاء رغبته في أن أساعده على ترتيب مقابلة مع الأمير عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله، ولي العهد السعودي حينها. أوضحت له أنني لم أستطع، وكنت أعرف أيضًا عن سوء علاقة هيكل بالرئيس مبارك، التي لا بد أنها سبب امتناع المسؤولين السعوديين عن مقابلته حتى لا تعطي إشارة خاطئة لمبارك. على أية حال، ردًا على القهوة دعوته إلى العشاء مع الصديق المشترك مصطفى ناصر. وفي «سانت لورانزو» صدفة قابلت هناك زميل العمل القديم عبد الباري عطوان الذي جاء لعشاء آخر. وعندما دخل هيكل المطعم وجدني مع عبد الباري الذي بادأ هيكل بلومه لماذا لا يرد على مكالماته، وها هو الآن في ضيافة «النفطيين»؟! توبيخ مع مداعبة إلا أن هيكل سارع للتبرؤ، زاعمًا أن الدعوة من الصديق مصطفى. لم يقلقني ذلك، فقد كانت كذبة بيضاء والعشاء كان مشتركًا، وحتى أهوّن عليه الحرج قلت له: أنت في عشاء واحد مع نفطي مثلي، لكن عبد الباري يمازحك، وهو نفسه أمضى ثلثي عمره المهني يعمل في مؤسسات نفطية.
والتقيته بعدها مرات قليلة في القاهرة ولندن، حيث تأكد لي أنه مثل جنرال يرفض التقاعد رغم انتهاء الحرب، يعمل كل يوم، له شخصية قوية تأسر مستمعيها، ويملك حيوية مذهلة، في الثمانينات من عمره، وقتها، كما لو أنه شاب في الثلاثينات. وقد التقطه الرئيس السوري بشار الأسد في مطلع محنته مع الثورة، وحاول أن يستخدم هيكل حتى يروّج لحكاية المؤامرة الإسرائيلية على الجيوش العربية الكبرى. هيكل أعاد تدوير حجج الأسد لكنه لم يتحول محاميًا عنه، وانتقل للعمل مع المعسكر الآخر «الجزيرة»، فوجد فيها الاستوديو الدافئ.
يبقى هيكل جزءًا مهمًا من تاريخنا الإعلامي والسياسي، من أمهر مصممي المسرح السياسي، وأبرع راسمي الصور وروائيي تاريخنا، بغض النظر عن الحقيقة.

فليرحم الله الأستاذ.. وليبعث إنصافنا
 
نادر بكار


صعب جدا أن يكتب مثلى عن أستاذ بحجم محمد حسنين هيكل رحمه الله تعليقا على وفاته.. صعب لأن المقالات التى سطرت بالفعل أو تلك التى ينتظر نشرها كتبها من زامل الأستاذ، صحفيا كان أم سياسيا، أو تتلمذ على يده قراءة أو مشافهة أو اشتركا معه فى انتماء فكرى ناصريا كان أم قوميا.. ولست واحدا من هؤلاء.
الأصعب من ذلك هو انتمائى الفكرى حسب التوصيف الواقعى لفريق يفترض سواده الأكبر ــ أو هكذا أتخيل ــ أن هيكل تحديدا ينبغى ألا يذكر تحت أى ظرف ــ ولو كان تعليقا على وفاته ــ إلا فى سياق عداء تاريخى يطول شرح أسبابه.. الأدهى من ذلك أن الفريق الآخر حسب نفس التصنيف الواقعى يتربص سواده الأكبر ــ أو هكذا أتخيل أيضا ــ بكل كلمة تقال عن الأستاذ تخرج من غير معسكرهم.
هى نفس نظرتنا الحدية التى لا تسمح إلا برؤية أحد لونين الأبيض أو الأسود.. هو نفس تعصبنا الذى لا يقبل إلا بانحياز مطلق أو عداء تام.. وياللمفارقة أن يكون فى تنافرنا لمحة من تشابه!
ليس من السهل أن ينحت الإنسان لنفسه بقلمه اسما كالذى نحته هيكل.. وليس من السهل أن يختفى بريق كل الألقاب من دكتور ومفكر ووزير بل وحتى رئيس بجوار بريق لقب «الأستاذ».. وليس من السهل أن يتحول الإنسان بكتاباته وآرائه ونفوذه وتأثيره وتحريكه لعظيم الأمور وإخفاقه فى مثلها إلى حالة من الجدل على مدى عقود من الزمان.. وليس من السهل أن يحوز كل هذا دون أن يكون متقنا لصنعته صبورا على تطويرها ذكيا فى استغلال عوائدها.. هل يحدث ذلك فى الميزان أثرا؟ أما الدنيا فمن توسط فاستفاد وصوب وانتقد وناقش ثم ترحم على الراحل ورجا عفو ربه فأزعم أنه قد أنصف.. وأما الآخرة فلها رب عادل لا يظلم الناس مثقال ذرة.

قرأت لهيكل.. وسأظل أقرأ.. وقرأت لمن هاجمه وانتقد نهجه.. وسأظل أقرأ أيضا.. أقبل من هيكل وأرفض.. وأرضى عن فكرة له وأسخط على أخرى.. وأنتقد بشدة، وأستحسن بقوة، وأسكت بحيرة.. تعجبنى لغته وأستاء من بعض منطقه.. وتجذبنى طريقة سرده وحكايته وقد يصدنى عنها بعض تصوراته.. هو ذاكرة حقيقية لحقبة ــ بل لحقب ــ شهدت تحولا محوريا فى دور مصر وتأثيرها وصراعاتها وأحلامها وانكساراتها.. باختصار هو ذاكرة أفصح عن بعضها فى كتاباته ولقاءاته.. صنعها هو أو شارك فى صياغتها.

أنا على يقين من أن بلادنا قد أنجبت من ماثل هيكل بل وتفوق عليه، إما كتابة أو رأيا أو منطقا أو تأثيرا، بعضهم اشتهر وبعضهم طواه النسيان.. لكن أحدا لم يبلغ ما بلغه الأستاذ فى الجمع بين كل هذا.

سأظل مختلفا معك مستمتعا بقراءتك منتقدا منطقك متفهما دوافعك.. ليرحمك الله يا أستاذ

ما الذى سيبقى من الأستاذ هيكل؟

عمار علي حسن

يمكن، بل كان يجب، الاختلاف مع الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل، الذى رحل عن دنيانا أمس الأول، فى بعض الرؤى والمسارات والأفكار والأدوار وكثير من التفاصيل التى تسكن كتبه وأحاديثه ومواقفه، والهوة بين حاله حين يكتب وحاله حين يتكلم، علاوة على إشاراته ومراميه من كل حرف يخطه، وكل معلومة يضن بها إلى أن يخرجها فى الوقت الذى يريد، وللشخص الذى يرغب فيه، لكن لا يختلف اثنان على قدراته الفائقة فى أن يبقى فى عين الأحداث والوقائع، مقبضا على طرف من التاريخ المعاصر، وقادرا طيلة الوقت على أن يتابع ويطالع ويتفاعل ويصيغ تصورات متماسكة حول الحال والمآل.

هيكل فى إمكاناته تلك يبقى شخصا غير عادى، قيمته الكبرى ليست فى أسلوب عرضه لأفكاره بطريقة سردية مدهشة، ومكنته فى صناعة مسار برهنة متين، يغذيه بكل ما تجود به قريحته وقرائح آخرين ينصت إليهم أو يقرأ لهم، وتوظيفه لكل ما وقع تحت عينيه ويده من وثائق خدمته الظروف فى أن يمتلكها، لكن أيضا فى أن يظل طيلة كل هذا الزمن حاضر الذهن، وقادرا على الإنتاج والإضافة وإثارة الجدل والاختلاف والخلاف، وهو يتنقل بين الصواب والخطأ، والخطأ والصواب، واثق الخطى، وسريع البديهة، غير مستغنٍ، لكنه غير متهافت.

القيمة الكبرى لهيكل هو المثل الناصع الذى تضربه مسيرته من أن الكاتب يجب أن يظل قابضا على قلمه، حتى وإن تقدم به العمر، لا يكلّ ولا يمل ولا يكسل، ولا ييأس، فالعرق وبذل الجهد والدأب والتجويد هى إحدى الركائز الأساسية للنجاح، والدعائم الرئيسية للتقدم. وهذا تقليد جيل كبير، يدرك أن العطاء لا عمر له، وأن التطوير والتحسين والتجويد فريضة، وأن الاتكاء أو الاتكال على ماضى يتسرب رويدا رويدا هو انتحار. هكذا فعل نجيب محفوظ حين ظل يكتب حتى آخر لحظة ويقول «أغلب العبقرية تعتمد على بذل الجهد»، وهكذا كانت أم كلثوم، تخاف حين تصعد المسرح، وهى على عرش الغناء، وكأنها تواجه الجمهور للمرة الأولى. وهيكل من ذلك الصنف من البشر، الذى نحتاج إلى أن نتعلم منه تلك القيمة، حتى لو اختلفنا مع توجهاته وتصوراته وتجاربه وخبرته ووعيه.

والقيمة الأخرى لهيكل هى قدرة الكاتب على تحمل ضربات لا تتوقف من كثيرين، خصوم سياسيين موجهين ضده من سلطات تتعقبه، كانت ولا تزال، هنا وهناك، وآخرين مختلفين إلى حد جارح وبارح مع أفكاره وتوجهاته، ولهم الحق والحرية فى هذا الاختلاف، وبعض العابرين أو المتعجلين الذين يريدون أن يلقوا بأنفسهم فى دائرة الضوء بمهاجمته لتصل إليهم أصداء شهرته، وكذلك متحفظون على أدوار للرجل انحازت فى أغلب الأحيان إلى مصلحة الحكم، الذى ظل هيكل يدور حوله حتى وإن اكتوى به، تماما كفراشة تعشق اللهب، ناره ونوره. فهيكل تعامل مع كل ناقديه هؤلاء بصبر وأريحية يحسد عليها، ولم ينزلق يوما فى معارك صغيرة على كل هذه الجبهات، والمرة الأساسية التى نازل، حتى تجاوز فى الخصام، كانت مع صاحب أكبر منصب فى الدولة، وهو الرئيس الراحل أنور السادات، حين أتى على ذكره بكل بارح وجارح فى كتاب «خريف الغضب».

والقيمة الثالثة لهيكل هى قدرة الكاتب على ألا يجعل نبعه يجف، ومعينه ينضب. فقد قيل إن الرجل قد انتهى حين انقطعت أسباب اتصاله بالسلطة السياسية أيام عبدالناصر وأول عهد السادات، لأنه فقد مصدر الخبر والمعلومة والوثيقة، وقبل كل هذا فقد النظر إليه باعتباره خبيرا ببواطن الأمور، أو مشاركا فى صناعة القرار، وليس فقط مطلعا عليه، أو يشم رائحته من بعيد. لكن هيكل فاجأ الجميع بقدرته على أن يكون دوما مصدرا لأخبار ومعلومات، ويكون كثيرون فى انتظاره ليقول رأيه فيما يجرى.

فى حياة هيكل كتبت بعض مقالات متفرقة، أناقشه وأشاكسه فيها، كان أهمها «المسكوت عنه فى مقالات الأستاذ هيكل» علقت فيه على تلك المقالات الخمسة التى نشرتها «المصرى اليوم» بعد أكثر من ربع قرن على منعها من قبل حسنى مبارك شخصيا، وأذكر أننى اختلفت مع كثير مما جاء فيها، وهذا حقى رغم اتساع الهوة فى العمر والصيت، لكن لم آتِ على أى شىء يجرحه، وهذا حقه، كرجل ألف كل هذه الكتب، التى سيبقى منها كثير، يجب الرجوع إليه لمعرفة قسط من تاريخ بلدنا، وعلاقة السلطة بالصحافة، وارتباطات مصر العربية والدولية.

بدا الأستاذ هيكل فى نظرى طيلة الوقت روائيا ضل طريقه إلى الصحافة، وصحفيا جذبه هيلمان السياسة، وسياسيا اتخذ من الصحافة كرسيا دائما لم يستطع أحد أن يزحزحه منه حتى الرمق الأخير، يستخدم هذا الخليط العجيب بين السياسى والروائى والمؤرخ والمفكر الاستراتيجى فى مقالاته تلك، ليقول للزمن القادم: كل لبيب بالإشارة يفهم، ويقول للحظة الراهنة: إياك أعنى واسمعى يا جارة.

رأيت الأستاذ هيكل فى حياتى ثلاث مرات، اثنتين عابرتين والأخرى كانت لقاء مطولا فى مكتبه، الأولى والثانية كنت فيهما مجرد طالب بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية يجلس فى مدرج «محمود خيرى عيسى» لينصت إلى محاضرة لهيكل، والثانية كنت باحثا فى العلوم السياسية مشاركا فى أحد المؤتمرات السنوية لمركز البحوث والدراسات السياسية بالكلية، وكان الأستاذ حاضرا فى القاعة، ويومها أرسلت إليه سؤالا مكتوبا فى ورقة عن رأيه فى قول مبارك إنه «تعلم الإدارة من ميس الضباط، وتعلم الديمقراطية فى القوات المسلحة»، ووضعت علامة استفهام وثلاث علامات تعجب على سؤالى، وتابعت بعينى هيكل وهو يقرأ سؤالى، ثم يطوى الورقة ويضعها فى جيبه ويبتسم صامتا، ولا يجيب.

المرة الثالثة كانت مقابلة فى فبراير 2012، حددها الصديق الدكتور عبدالخالق فاروق الخبير الاقتصادى الكبير، يومها قابلنا الرجل هاشا باشا، وراح يتحدث عن المشهد الذى كان قائما، وفهمت أنه يتابع كثيرا مما يكتب من مقالات وتحليلات حتى لجيلى ومن يصغرونه. وسألته يومها إن كان قد فكر فى كتابة قصة أو رواية فى أى يوم من حياته، فابتسم وقال: كتبت قصيدة شعر فى ابنة الجيران، ودسستها فى يد الخادمة لتعطيها إياها سرا لكنها أعطتها لأمها، فذهبت لأمى شاكية، وكان نصيبى تأنيبا شديدا، وبعدها أقلعت عن كتابة الشعر، لكن بقيت طيلة الوقت أتذوقه، وأحرص على حفظه، وأرى من بين أبياته أمورا كثيرة.

وتنبه الأستاذ إلى ما قلته، فسألنى: ما السبب فى سؤالك؟ فقلت له: أرى أن كتبك تنطوى على روح سردية جارفة، فأنت تكتب السياسة بتقنيات أدبية فى اللغة والصورة والحوار والسرد وبناء الشخصيات، وأعتقد أنه قد يكون من المفيد أن يقوم طالب بكلية الآداب أو دار العلوم أو غيرهما على تسجيل أطروحة للدكتوراه حول تحليل أعمالك فى الشكل والمضمون من زاوية أدبية أو نقدية. كان هذا قبل سنتين ونصف من فوز الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش بنوبل للآداب، وهى التى كتبت السياسة بطريقة سردية، وجمعت مادتها وفق عمل صحفى محترف، وكتبت الأدب وفق رؤية وموقف سياسى.

ولأن الأستاذ هيكل رجل فطن، فقد أدرك جانبًا مما أقصده، وفهم أن فى هذا المسلك ما قد يضر ولا يفيد، لأن معناه أن هذه الكتب فيها من الخيال بقدر ما فيها من الواقع والتاريخ حتى لو كان «الخيال التحليلى»، فقال لى: ليس الآن، حين أموت افعلوا ما شئتم.

كلمة التحرير كتاب واراء مختارات من الصحافة حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم إعلانات تصويت
هل ينهار الاتفاق النووي بعد إعلان استراتيجية ترمب الجديدة تجاه إيران؟


القائمة البريدية
البريد الالكتروني

 صورة طائرة التجسس الاميركيه الاحدث أوبرا هل تهزمه وتصبح سيدة البيت الأبيض ؟ترامب سافوز ولااعتقد انها ستترشح أهم فضائح الكتاب الذي هز ترامب.. سر تعيينه للنساء كمستشارات وما يقوله الجمهوريون عن أولاده داخل البيت الأبيض  قصة حركة انتشرت بين ملايين البشر وتفاعلت معها شخصيات بارزة  عهد_التميمي تشعل مواقع التواصل و صوت_انفجار_في_الرياض يشغل السعودية الفائز بالجائزة صور من   أفريقيا: خبز مصر ، وقطن ساحل العاج ، وسيلفي مع جيش زيمبابوي Holy cow:بقرة صينيه بخمسة ارجل جمعة عادية بالبسة عادية لقادة "ايبك" وسلام حار بين بوتين وترامب ترامب: بعض المعتقلين في السعودية حلبوا بلادهم لسنوات.. وأثق بالملك ونجله ووزير سعودي : إنها الثورة! وقصة الفخ :كيف استدرج بن سلمان أمراء وأثرياء المملكة في ليلة واحدة لاعتقالهم؟..