المال الايراني “الحرام”والامريكي “الحلال”وقلق الرأي العام السعودي على السطح

رئيس التحرير
2019.09.13 22:54

 .. لماذا تتصاعد الانتقادات الآن؟ وماذا يقول الكتاب حول “عاصفة الحزم”؟ وما مدى “صحية” الجدل حولها؟ وما هي التفسيرات والحلول والمخارج المطروحة؟

  عبد الباري عطوان الانطباع السائد لدى الكثيرين في المنطقة العربية، وربما العالم بأسره، ان التصريحات “الاستفزازية” التي يطلقها السيد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي، من حين الى آخر، او نظيره العسكري العميد ركن احمد عسيري، المتحدث باسم “عاصفة الحزم”، ووزراة الدفاع السعودية، تعكس رأيا عاما سعوديا مؤيدا للحروب والسياسات التي تخوضها، او تتبناها قيادته، ولكن ما يمكن رصده، سواء من خلال التقارير الاخبارية المنشورة في الصحف الاجنبية (الصحافة العربية في معظمها تتجنب الخوض في الشأن السعودي)، او من خلال اللقاءات والاتصالات المباشرة مع خبراء سعوديين واقليميين توحي بعكس ذلك. لنبدأ بالتقرير الذي كتبه الصحافي الامريكي هيو تايلور، ونشره في صحيفة “واشنطن بوست” قبل بضعة ايام، واثار موجة من ردود الفعل داخل السعودية وخارجها لجرأته، وخوضه في بعض المحرمات، عندما تحدث عن “حالة من القلق” تسود اوساط الرأي العام السعودي من جراء حروب بلاده في المنطقة، سواء المباشرة، مثلما هو الحال في سورية واليمن، او غير مباشرة في لبنان والعراق وليبيا، وتأكيده، اي الكاتب الامريكي، انه في الوقت الذي تفرد فيه هذه القيادة عضلاتها العسكرية، يحقق خصومها تقدما على الارض في منطقة حلب. الكاتب نفسه نقل عن مسؤول سعودي بارز، لم يذكر اسمه، قوله “هناك قلق جدي على المستويات كلها في المجتمع السعودي، وبينهم اعضاء في الاسرة الحاكمة، حول المشاركة في هذه الحروب في وقت تواجه البلاد صعوبات اقتصادية نتيجة تراجع اسعار النفط وعوائده”، وختم المسؤول كلامه بالقول “اعتقد ان هناك شعورا اننا فقدنا القدرة على النظرة الى الامور بواقعية”. *** الاعلام الرسمي الخليجي الذي يهيمن على المنطقة بأذرعته القوية المتعددة، وامبراطورياته العملاقة، لا يعكس مثل هذا القلق، ولكن بعض الكتاب السعوديين “يلمحون” اليه بعدة طرق: الاولى: الامتناع عن الكتابة بشكل عام اعتزالا، وتجنبا للخوض في هذه المواضيع الحساسة والصدام مع السلطات بالتالي، وتلقي عتابها في اضعف الايمان، فسيف الاعتقال سلط على رقابهم، والسجن عشر سنوات هو الحد الادنى لمن يخرج عن السرب. الثانية: الكتابة في مواضيع عامة ليس لها علاقة بالتطورات السياسية والعسكرية الحالية، مثل العودة الى التاريخ، والحديث عن “الوهابية” وسوء فهم البعض لها، او تناول القضايا العالمية مثل الانتخابات الامريكية ايثارا للسلامة. الثالثة: تناول الحروب السعودية في سوريا واليمن، ولكن دون اتخاذ مواقف مؤيدة او معارضة علنا، وترك الامر للقاريء لفهم ما بين السطور. الكاتب السعودي جمال الخاشقجي ذو الميول الاسلامية، والمقرب من السلطات السعودية، ويعتبر من ابرز المؤيدين للتدخل العسكري في اليمن وسورية، وايد “عاصفة الحزم” في ساعاتها الاولى، اعترف بجرأة غير معهودة لدى الكثير من اقرانه، بأن هناك حالة من القلق فعلا في الاوساط السعودية، وقال “ان هذا المسؤول الكبير الذي تحدث لصحيفة “واشنطن بوست” الذي لا نعرفه، علينا ان نقر، وقبل ان نتهمه بالانهزامية، يمثل تيارا حقيقيا من السعوديين نلقاهم في مجالسنا، يتحدثون بصراحة، ويلقون بالاسئلة الصعبة يمينا وشمالا، والافضل ان نستمع اليهم”، ولكنه، اي السيد خاشقجي، لا يرى المشكلة في ما ذكره ذلك المسؤول من وقائع، وانما “في غياب خطاب تعبوي يلغي هذه الشكوك ويعزز الثقة فيما نحن فيه، وما نحن مقبلون عليه، فما دام هناك اقتناع بحتمية المواجهة (مع ايران)، فالوقت حان لكي تنتقل هذه القناعة الى كل مستويات المجتمع السعودي”. هذا الجدل السعودي الذي نشاهد قمة جبل الجليد منه فقط حول حروب بلاده وسياساتها، “جدل صحي”، يعكس حراكا يريد ايصال رسائل عدة، سواء لصاحب القرار، او للرأي العام بشقيه السعودي والعربي، خاصة مع اكمال “عاصفة الحزم” في اليمن عامها الاول، ومعها العهد السعودي الجديد الذي بدأ مع تولي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم، على عكس معظم التوقعات. “عاصفة الحزم” استنزفت المملكة ماليا وعسكريا، ولا يلوح في الافق اي مؤشر على مدى انتصارها، رغم حشد عدد كبير من الطائرات الحديثة، والقوات العربية تحت مسمى التحالف العربي، وبهدف “توزيع الدم اليمني على عشر قبائل او حكومات عربية”، اما التدخل السعودي السياسي والعسكري غير المباشر (دعم المعارضة المسلحة)، او المباشر، (ارسال طائرات مقاتلة الى قاعدة انجيرليك التركية، وقوات خاصة الى الاردن استعدادا لدخول الاراضي السورية)، فلم يعط اي ثمار ملموسة حتى هذه اللحظة، وربما يعطي نتائج عكسية اذا ما تطورت الامور الى صدام مع روسيا، فالسعودية لا تقاتل الرئيس الاسد مثلما كان عليه الحال طوال السنوات الخمس الماضية، وفشلت في الاطاحة به ونظامه، وانما تقاتل الآن ضد روسيا، وايران، وحزب الله، وقطاع عريض من الاكراد، الامر الذي يزيد من حروبها تعقيدا. لا نتفق مع الزميل خاشقجي في تشريحه للازمة، وتبني نظرية “غياب الخطاب التعبوي” الذي يمكن ان يبدد القلق الشعبي السعودي، لاننا نعتقد وبحكم متابعتنا لجوانب هذه الازمة، غياب الاقتناع بحتمية “المواجهة” في اوساط الاغلبية، ودعم “التورط”، ولا نقول “التدخل” العسكري في اليمن وسورية بالتالي، والصدام السياسي مع لبنان، والدعم المالي للسلطات المصرية، والعديد من الجوانب الاخرى للسياسة السعودية الآنية. الخطاب العتبوي الناجح والمؤتمر له مواصفات يجب ان تكتمل حتى لا يحقق الاقناع اولا، والتعبئة والتحشيد ثانيا، ومن ابرز هذه المواصفات هو شرط “الاقتناع″ حتى يتحقق “الاقناع″، ولا نعتقد ان معظم المسؤولين خلف هذا الخطاب مقتنعين به، حتى لو قالوا عكس ذلك، فاللافت، ومن خلال متابعة وسائط التواصل الاجتماعي، والتويتر و”الفيسبوك” يجد ان معظم “الدعاة النجوم” ليسوا مع الحرب في اليمن، ويرفضونها في سورية لانها ضد “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة”، او ظاهرة “الاسلام الجهادي”، وكل محاولات الجيش الالكتروني السعودي للتغطية في هذه الحقيقة باءت بالفشل. *** المملكة العربية السعودية، حسب اعتقادنا، وقعت في مصيدة “التحريض” الامريكي والغربي ضد ايران، للابتعاد عن القضية الفلسطينية، والتقرب من اسرائيل باعتبارها المنقذ والحليف في التصدي لهذا “الخطر الشيعي الفارسي” الذي عملت الدعاية الامريكية، الرسمية والاعلامية، على تضخيمه على مدى السنوات العشر الماضية. من المفارقة انه بعد ان اكتملت اعمال التحريض واعطت نتائجها في بيع منطقة الخليج ما قيمته 200 مليار دولار من الاسلحة، انسحبت امريكا من المواجهة مع ايران، وتركت السعودية وحدها في منتصف الطريق، وسدت في وجهها كل ابواب التراجع، اي تطبيقا للمثل العربي الذي يقول “رمتني بدائها وانسلت”. ما قالته “الواشنطن بوست” وكاتبها هو ما قلناه وحذرنا منه في هذا المكان قبل عام، ولكن “بلبل الحي لا يطرب”، وان كنا لسنا بلابل، وعلاقتنا بالغناء والطرب مقطوعة في الاتجاهين.

 

المال الايراني “الحرام”.. والمال الامريكي “الحلال” الايراني “الحرام”.. والمال الامريكي “الحلال”.. الاول “مرفوض” لانه يدعم اسر الشهداء ضحايا “انتفاضة القدس″.. والثاني “مقدس″ لانه يثبت التنسيق الامني وحماية المستوطنين واذلال الشعب الفلسطيني.. انها آخر مفارقات سلطة الاذعان ورموزها السلطة الفلسطينية تعيش حالة من الغضب غير مسبوقة، ليس بسبب الاعدامات الاسرائيلية الميدانية لشبان وشابات في عمر الورود، ثاروا ضد العنصرية والظلم الاسرائيليين، وانما لان ايران اعلنت عن عزمها تقديم سبعة آلاف دولار لكل اسرة شهيد، وثلاثين الف دولار كتعويض عن كل بيت تنسفه سلطات الاحتلال انتقاما من الشهداء والمقاومين. المتحدث باسم السلطة السيد نبيل ابو ردينة عبر عن هذا الغضب عندما قال “كان الاجدى ان ترسل ايران الاموال بشكل رسمي الى مؤسسة الشهداء والاسرى بدل اللجوء الى طرق ملتوية غير مشروعة”. جاء كلام السيد ابو ردينة ردا على اعلان السفير الايراني في لبنان محمد فتحعلي بان بلاده ستقدم سبعة آلاف دولار لعائلة كل شهيد في انتفاضة القدس، وثلاثين الف دولار لكل اسرة هدم الاحتلال بيتها لمشاركة احد ابنائها في هذه الانتفاضة ضد المحتل. فالسيد ابو ردينة لا يرى ان تصريحات السفير الايراني مرفوضة لانها “تشكل تجاوزا للشرعية الفلسطينية فقط، وانما لانها تشكل خرقا لكل القوانين، بما فيها القانون الدولي الذي ينظم العلاقات بين الدول، كما انها تعتبر تدخلا مرفوضا في الشؤون الداخلية الفلسطينية والعربية”. جميل هذا الحرص من قبل السيد ابو ردنية على القانون الدولي، والاجمل منه اعتباره مثل هذه الخطوة الايرانية تدخلا مرفوضا في الشؤون الداخلية الفلسطينية والعربية، وكأن القانون الدولي يلقى كل الاحترام والتقدير من الحكومة الاسرائيلية التي باتت السلطة الفلسطينية احد ادواتها في حماية احتلالها ومستوطنيها، وفقا للتنسيق الامني. المتحدث باسم السلطة الفلسطينية يرى ان هذه الاموال “حلال” اذا ذهبت الى خزينة السلطة ومؤسساتها، ويعتبرها “حراما” اذا ذهبت لاسر الشهداء مباشرة، فالمشكلة لا تكمن بالاموال الايرانية، وانما اين تنتهي، وعبر اي وسيلة او طريق. ما شاء الله.. الشؤون الفلسطينية مقدسة، ومصانة من اي تدخل في شؤونها الداخلية، ولهذا يجب التصدي بكل قوة لهذا الاختراق الايراني للقوانين الدولية، وليمت اهل الشهداء من الجوع، وليعيش هؤلاء في العراء فوق انقاض منازلهم التي نسفتها المتفجرات الاسرائيلية التي تحترم هذه القوانين الدولية، وتعمل وفق بنودها. ندرك جيدا ان هذه السلطة تتخبط، ولم تعد تتأثر، او حتى تهتم بأي نقد، كما انها لا تعرف العيب، وكل ما يهمها هو ارضاء اسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، وبعض الدول العربية “المعتدلة” التي تتسارع خطواتها التحالفية والتطبيعية مع دولة الاحتلال الاسرائيلي. رضوخ السلطة بالكامل لاموال العار الامريكية التي تفرض عليها الخنوع والاذلال، وتستخدم كورقة ضغط عليها للاستمرار في التنسيق الامني المعيب الذي لم تقترف خطيئته، وتعمل به، حتى روابط القرى، امر مقبول وشرعي، اما اي دعم للشهداء واسرهم، ايا كان مصدره، فهو في نظرها يشكل دعما مرفوضا ومدانا للمقاومة المتمثلة في انتفاضة القدس التي تعيد للشعب الفلسطيني والامة الاسلامية بعض ما تبقى من كرامتها. نشعر بالاسى والحزن، ونحن نرى السلطة الفلسطينية، التي تحكم باسم حركة “فتح”، تتبرأ من السيد عباس زكي عضو لجنتها المركزية، والسفير السابق في لبنان الذي بارك هذه الخطوة الايرانية، وساعد على اتخاذ الحكومة الايرانية لها، اثناء زيارته الى طهران، وبعد اخذ اذن رئيسه. ان السيد زكي هو الذي يمثل منظمة التحرير الفلسطينية وحركة “فتح”، ولا يشرفه ان يكون ممثلا للسلطة، وبيان هذه السلطة الذي قال انه لا يمثلها بشرفه ولا بدينه، بل يدين ادوات الاحتلال واعداء انتفاضة القدس، والمتباهين بالتنسيق الامني باعتباره انجازا للشعب الفلسطيني. ابطال قطاع غزة الذين صمدوا في وجه العدوان الاسرائيلي، ودفعوا بأكثر من اربعة ملايين اسرائيلي باللجوء الى الملاجيء، ووصلت صواريخهم الى قلب مطار تل ابيب، لم يفعلوا ذلك بفعل المال الامريكي “الحلال”، ولا بصواريخ المحور العربي “السني”، وانما بفعل الدعم العسكري والتدريب الايرانيين، وهذه كلمة حق يجب ان تقال، في هذا الزمن الذي ساد فيه التضليل والاصطفاف الطائفي البغيض. فلسطين قضية عربية واسلامية، وتحريرها مسؤولية كل العرب والمسلمين، ايا كانت عقيدتهم ومذهبهم وديانتهم، ويجب ان تظل فوق كل التقسيمات الطائفية والعرقية، ومن لا يعجبه ذلك فليشرب من البحر الميت.

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
مُقارنةً ساخرةً بين قمم العرب وقمّة قادة مجموعة السبع في فرنسا   ذكور ضفادع القصب تذعن قبول ممارسة الحميميه مع ضفدع مثلي ليتجنب أن يؤكل.  لحظة لا تصدق: حيلة الاخطبوط العجيبه كارنافال ترامب : لتحسين عمليات التحقق من مالكي السلاح وتعديل الهجرة بعد مجزرتي إل باسو ودايتون  فرنسا:الزام جميع أسطح المنازل الجديدة بتغطيتها في النباتات أو لوحات #solar عكس كندا ؟؟ شوووووب:شاهد: كيف يبرد السكان أجسامهم بعد أن اجتاحت موجة الحرارة الشديدة الدول الاسكندنافية اتهامات لوائل كفوري:ضرب وحبس وعنَّفَ طليقته وانفصال الممثلة هنا شيحة ووفاة الممثلة البحرينية صابرين  "ويلا" غوريلا تتبختر وتتمنفخ امام والدها وزوار الحديقه مشاهد رافقت انتصار الجزائر اخترناها لك قد تزيد من جعل يومك جيداً