… وكانت زنوبيا اكثر رجولة من فيكتوريا، ملكة انكلترا، وكاترين، ملكة روسيا. عضلات حديدية، وصدر كما القلعة الحصينة. يقال انها في الفراش كانت تتحول الى…امرأة كثيرة.
لطالما جرى الحديث عن فيكتوريا حين تمتطي الحصان. زنوبيا كانت اشد هولا. احد المؤرخين وصفها، على صهوة الحصان، بـ «الصخرة المجنحة». اختارت تدمر ليس لان البادية بوابة الخيال، وانما لحساسيتها الجيوستراتيجية، وليس لان الرومان اقل خبرة في ثقافة الصحارى، ولا في ما يمكن ان يفعله ذئاب (جنرالات) الصحارى، وانما لانها المكان الذي تستطيع منه ادارة الرياح، والاهم ادارة الجيوش، في كل الاتجاهات…
حين خطط القادة العسكريون في تنظيم الدولة الاسلامية للاستيلاء على «لؤلؤة البادية» كانوا يعلمون ان الطريق الى ديرالزور، والى حمص، والى الرقة، من هناك، وحتى الطريق الى العراق والاردن ولبنان من هناك.
اكثر حسياسية من الدور الذي اضطلعت به الطائرات الروسية التي استندت الى احداثيات دقيقة جدا، ودمرت المراكز الاساسية للتنظيم، برقية التهنئة التي وجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى نظيره السوري بشار الاسد. هذه تعني ما تعنيه في ظل التنظيرات، والاستنتاجات، حول العلاقة بين موسكو ودمشق. لا ينفي ذلك قطعا الاصرار الروسي على التسوية السياسية على انها الخيار الوحيد لعودة سوريا الى سوريا…
سوريا هي التي استعادت تدمر من ايدي المغول لا النظام. اذاً، برقية تهنئة من زنوبيا الى» ابنائنا السوريين». لا ندري ما هو تعليقها على تصريحات جورج صبرا الذي يبدو انه اصيب بـ «داء التفاهة» حين يحاول ان يجد مكانا له بين الروؤس، او بين اشباه الرؤوس…
صبرا تحدث عن خطة تسويقية في موضوع تدمر. مثلما هناك حدود للتفاهة، هناك حدود للغباء. لا نستند الى بيانات النظام، وانما الى معلومات دقيقة تشير الى سقوط مئات القتلى والجرحى. الغارات كانت موثوقة ومنهجية، وبقنابل متطورة، فيما كانت الدبابات التي تسلقت التلال تقطع الطريق على اي جهود لوجيستية لادخال ما بين 300 و 500 مقاتل الى المدينة.

 

هو جورج صبرا، ومعه الكثيرون، الضالعون في السيناريو القاضي بتهريب «جبهة النصرة» الى السلطة. لم تصله المعلومات التي تقول انه خلال لقاء الكرملين بين فلاديمير بوتين وجون كيري، عرض مسؤول استخباراتي كبير امام الزائر الاميركي، سلسلة من الوثائق حول التسلل المبرمج، خارجيا، لـ «النصرة» الى فصائل مشاركة في محادثات جنيف..
ابو محمد الجولاني بربطة عنق تليق بتلك اللحظة الشكسبيرية التي لن يكون جورج صبرا فيها اكثر من ظل متهدل، ومترهل. قطعا لا ندافع عن نظام ندرك مدى قصور الرؤية، والرؤيا، لدى بعض من كانوا في داخله يمسكون بالخيوط الحساسة، ولكن فعلا، نفاجأ بأن يكون ممثلو المعارضة التي وضعت في الواجهة، على هذا المستوى من الدونكيشوتية، والتبعية، والضحالة…
اذا كانت الاستخبارات الروسية هي التي لاحظت التغلغل المبرمج لـ»النصرة» في الفصائل الاخرى، ثمة معارضون. يتمتعون بالكثير من النقاء، ومن الولاء لسوريا، لا للنظام ولا لغير النظام، يثبتون بالارقام، وبالاسماء، كل تفاصيل العملية الاستخباراتية المركبة لتكون «جبهة النصرة» هي من تقود المفاوضات من الخلف، فيما الوجوه التي تظهر امام الكاميرا ليست سوى الاقنعة…
لعل الذي يثير هلع المعارضة المصنعة هو التقرير الاستخباراتي الغربي الذي يؤكد ان اجواء الهدنة كشفت ان ما بين 70 و80 في المئة من الشعب السوري يريدون الوقف الكلي للحرب، والعودة الى مفهوم الدولة، وفلسفة الدولة، ماذا يقول المرتزقة في هذه الحال؟
شاشات لبنانية وعربية كادت تعلن الحداد من اجل «داعش». غريب ان المذيعات لم يرتدين السواد، كما لو ان هذا التنظيم الذي يقتل الابرياء في ارجاء الدنيا ليس العار الذي خرج من عظامنا، ومن فهمنا، ومفهومنا، لله ولما قاله الله…
الرهان كان تقويض التنظيم للنظام. ماذا كان حصل لبيروت، ولعمان، بل ولكل مدن المنطقة لو ان الخليفة راح يختال بحصانه الخشبي، وبدماغه الخشبي، في حواري دمشق؟
مثلما يتم تقطيع اوصال ابي بكر البغدادي المختفي عن الانظار، لا بد ان يتم تقطيع اوصال ابي محمد الجولاني، المتخفي وراء جورج صبرا ورياض حجاب ومحمد مصطفى علوش…
قالت زنوبيا في برقيتها: آن الاوان لتستعيد سوريا… سوريا!