ï»؟

عزيز تبسي : غبار الجنرال

رئيس التحرير
2018.01.16 03:06

لوحة للفنان النيوزلندي هاميش ماك أوين
24 مايو 2016

يتعقب ذرات الغبار التي يثيرها جسد الجنرال، في نص جميل كما هي عادته.

-1-

مسجى على سريره العالي، محاط بأطبائه وممرضاته ومستشاريه وحاشيته. وهم، في جسّهم لنبضه، يجسون نبض السلطة ذاتها، التي أتخمتهم وفتحت لهم كل الأبواب، التي أغلقت في وجوه العامة الهائمة على وجوهها في شوارع لا تُفتح إلا على الخراب.
وفي تعقب حرارة جسده، يتعقبون حرارة سلطتهم الرابضة منذ دهر، يتصاعد بخارها. فوق نيران مرجل الانتظار الشعبي.

لم تعد تجدي المراهم والبودرة، لإعادة النضارة إلى الوجه، الذي خذله الزمن واستوطنه الذبول، وفات أوان أكاسير العطور في إزاحة رائحة تفسخ جسده - سلطته.

تغدو الإنجازات الطبية لإطالة أعمار الديكتاتوريين أمراً أقلّ مأساوية من الإنجازات السياسية وما يتبعها من توظيف القوة الجهنمية، لإطالة عمر الأنظمة المنسوبة إليهم.

إذ لا تعرف، على وجه التحديد، القيمة التي ينتجها العمر الفائض عن حاجة البدن، حين يندلق كماء خارج دوارقه، بينما صاحبه يصطلي بنار عذابات حشد من الحقن في أوردة ثقبتها الإبر المدببة، والأوردة الأخرى مهيئة لاستقبال غرزات إبر "السيرومات" التي تختزن الجرعات الغذائية والفيتامينات... والانكشاف المذلّ للجسد أمام عشرات الممرضين والممرضات والأطباء والطبيبات... وحشد المصورين والصحافيين، والفضوليين.

لكن يمكن تبيّن النتائج التي تترتب من إطالة عمر الاستبداد، كمزيد من الغرق في الخيبات والعذابات التي تنهك البشر.....

من أجل ماذا، حافظت الطغمة الحاكمة على الجنرال فرانكو حياً، بصورة اصطناعية؟ تحمّل خلالها عذابات رهيبة، كأنهم يعملون على رشوة الموت بالطرق التي احترفوها واحترفها معهم موظفو دولتهم.. وكانت قد أنجزت قبل ذلك بسنوات تحولات ديمقراطية في أنظمة محكومة بأنماط مقاربة لاستبداده؛ اليونان والبرتغال.

أمن أجل تأجيل الشماتة الشعبية بالطغمة الحاكمة، حينما تبيّن أن رمزها قابل للموت، كما هو حال كل الكائنات الحية كالأسماك والضفادع والقطط؟
أو ربما لكسب الوقت، علّ الجماعة الحاكمة تتدبّر بديلاً عن زعيمها ورمزها، ويضعون الشعب أمام مساومات، تتكفل بإبعادهم عن المحاسبة وبقائهم بطريقة ما في مواقعهم الامتيازية.

-2-

أيذكر ويعي الجنرال في الساعات التي تبقت له، وهو يطلّ بعينيه الذابلتين من خلف جفنيه الثقيلين، يحدق في سقف غرفة قصره - دولته، ولا يراه.... التاريخ الذي ارتبط بنظامه وشخصه؟

كالحديث الطويل عن الوطنية الإسبانية، والاستعانة بأسراب الطائرات الألمانية، لدكّ المدن والبلدات الثائرة وحرقها فوق رؤوس أهلها. القابلية التي اعتمدها بمنهجية مروعة، في تحويل الثورة الشعبية 1936- 1939 إلى حرب حرقت البلاد والعباد؟
استفادته من التناقضات بين الأنظمة الأوروبية التي كانت تجاهر لفظياً في عدائها للنازية والفاشية مثل الجارة فرنسا، وتحتجز على أراضيها الأسلحة التي أرسلها السوفييت إلى الثوار.
تمكّنه من الحفاظ على مواقعه وامتيازات الطبقة التي يمثلها، فلم يسقط بسقوط النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، واستفاد من إعادة التأهيل الأوروبي - الأميركي للأنظمة الحليفة لهتلر وموسوليني، والآلاف من ضباطهما ورجال استخباراتهما وقواعدهما الحزبية، كعتاد جاهز لخوض بواكير الحرب الباردة ضد البلدان الاشتراكية.

الإفراط في اعتماده على الكنيسة التي ظهرت كإسمنت إيديولوجي لحكمه، بعد إطلاقها صفة "الحرب الصليبية" على حربه على الثورة وأهلها، في الوقت ذاته كانت "كتائبه" تسوق الكهنة المتمردين إلى الأقبية، للإدلاء بالوشايات ضد رعيتهم، ودفعهم وهم تحت طائلة التهديد بالقتل، لتدوين شهادات كاذبة عن أناس لا يعرفونهم.

الحديث عن الشعب، والعمل بكل السبل لقتله في مذابح جماعية مروعة، وإقصاؤه عن المشاركة العمومية، وتشتيت ما بوسعه تشتيته في البلاد الواسعة... وقد تجاوز ضحايا نظامه عتبة المليون قتيل، وكان قد أوشك في بواكير الثورة الشعبية، على التعهد خطياً بقتل مليون إسباني لتثبيت نظام الحكم العسكري الذي يمثله.
ترى أوصلته التقارير عن ضباطه، حينما كانوا يزيلون قرية عن الوجود... ويشربون الأنخاب فوق أطلالها؟

أو عن رجال مخابراته حين كانوا يتلهون بإذلال المعتقلين، وإجبارهم على حلاقة سيقانهم، وانتزاع شعر وجوههم، وطلاء أنفسهم بالأصبغة، ليظهروا مثل مومسات هرمات؟
وحين كانوا يطوون المعتقلين العراة، كأنما يسخنون سندويشات السجق، بعدما يضغطوهم بين حزمة متقاطعة من الأسياخ الحديدية المسماة بالكرسي "الألماني"؟
أتعذيه تلك الأوقات، التي بدّدها في ترقيع الثقوب، التي لا تكف زمرة الأزلام والمحاسيب عن إحداثها في بنيان الدولة ومؤسساتها، والتي كانت كافية لبناء بلد ثان... والقيام بأكثر من خمس حركات تصحيحية؟

كم تختزن العبارة من الحقيقة، حين القول: "تموت الديكتاتورية بموت الديكتاتور"، لتكون الديمقراطية هي الاستنبات الأخضر اليانع من قبره.... وكأن الديكتاتور شخص مفرد، متفلّت عن قاعدة اجتماعية، تتقوى بقوانينه وشرطته وجيشه، ويتقوى بمساندتها ودعمها.
بعدما تبيّن أن الكثيرين والكثيرات من أتباعه يتهيأون لتبييض سيرتهم السوداء على جثة الديكتاتور/ ديكتاتورهم، ولي نعمتهم وتاج رؤوسهم، أي كل أولئك الشركاء الحقيقيين في مذابحه ونهبه وإذلالاته وحكمه... الجيش – الأمن - الكنيسة -البورجوازية - كبار ملاكي الأراضي..

ما هي الخصائص التي تختزنها روح الصابون والغسولات، ليعوّل عليها في تنظيف تاريخ الاستبداد وزبانيته من دماء ضحاياهم؟ وكم يلزم من الجوقات الموسيقية لإخفاء أنين أصواتهم وأصوات أهلهم، وهم يتعقبونهم من سجن إلى آخر؟

لكنه زمن تتحول فيه الذاكرة السياسية، إلى صابون تذوب عليه حقائق الوقائع التاريخية.
ما أخطأ الفرنسيون قط، بإطلاقهم عبارة "التسميم"، على الطريقة الدفاعية التي يلجأ إليها اللصوص والقتلة، عبر الإيحاء بتوريط الجميع، فلكي يتمكنوا من الفرار يصيحون "حرامي".
يبقى من الضرورة التذكير، تذكيره على الأقل، أنه انتزع من البشر الخاصية الفطرية التي تولد معهم؛ الرغبة الحالمة للتمرغ في سهوب الحياة والتنعم ببهجتها. والتوق الحاسم، وهم يسعون لترسيم مصائرهم، إلى القبض على ذؤابات الخيارات الحرة.

أترى حان الوقت ليتأمل الناس في المهرجانات التي كان يضع خلالها أحجار الأساس لمئات من المشاريع الوهمية... والسخرية من أطروحاته الفكرية عن أهمية القطب الشمالي في الوحدة القارية، وضرورة حرق أقراص الروث الجاف لإبعاد أعداء الوطن عن الحدود المقدسة، وعن دور البقر في تاريخ تمدين الأرياف. والإحالات الحاسمة لكل ما هو غامض في سياساته وممارساته، إلى معجزات الذات الإلهية؟

-3-

لكن كيف ستتحقق التحولات الديمقراطية بعد رحيله؟
من هي القوة السياسية التي ستحمل هذا المشروع، بعد التدمير المنهجي للنقابات والأحزاب وعموم المبادرات القاعدية، أي بعد الخرائب السياسية - الاجتماعية الكارثية، التي تركها خلفه؟ غير عن تعكير الوطنية والثقافة المنبثقة من رحمها، والتلاعب بالجماعات الاجتماعية، إهانتها وإذلالها والنفخ في أجداثها في آن؛ كاتالونيا، غاليسيا، الباسك، مناطق الأندلس...، لتظهر كل منها، بعد مرور الزمن الاستبدادي، أمة بذاتها.

عزيز تبسي حلب أيار/ مايو 

الأرض الحمراء عزيز تبسي
10 مايو 2016

                                        -1-

وكانت تنبسط في وهدة بين تجمع للفّحامين والزّجاجين، وأكوام من ردميات الحجارة والأتربة المنقولة من مواقع الأبنية التي بدأت تتكاثر أعدادها في المدينة عقب حرب تشرين الأول/ أكتوبر، والعمارات الجديدة التي ارتفعت ولم تتشاهق، وبقي في عمقها متسع لإنشاء ملاعب صغيرة يلعب الأولاد فيها ما يعتبرونه كرة القدم، وملعب أوسع رُفع مرماه بعارضتين من أنابيب معدنية، طليتا كما تطلى أطراف الأرصفة، باللونين المتعاقبين الأبيض والأسود، وكان يأتي ليلعب فيه شبان أكبر عمراً، ينقسمون إلى فريقين، يرتدي كل منهما لباساً موحداً، يحملون كراتهم المصنوعة من الجلد، في سلال على هيئة شباك صيد، وكأس من البرونز يضعونها في عهدة حكم المباراة، ويمنحها في ختامها الهادر للفريق الفائز. تظهرهم هيئاتهم أكثر جدية من الأولاد، الآتين بلباسهم اليومي، حاملين كراتهم الفقيرة، بموادها التي يعاد طبخها في مراجل، وسكبها سائلةً في قوالب الحديد...ولطالما طالبوا بعضَهم وتعاهدوا قبل المباراة، على الرفق في ركل الكرة، عارضين أحذيتهم للتأكد من خلوها من مسامير ناتئة، رافعين أقفيتها كما لو أنهم أمام بيطار، يتفحص حوافر الخيول قبل إعداد قياس حدوتها الحديدية.

لم يتعلموا قواعد اللعب الهانئ، يقذفون الكرة إلى الأعلى ويركضون لملاقاتها ومداراتها بأقدامهم. ترتطم رؤوسهم برؤوسهم، وأقدامهم بأقدامهم وأكتافهم بأكتافهم.... كما لم يكن أملهم إحراز الأهداف في المرمى المقابل فحسب، بل إتمام المباراة قبل تمزّق الكرة، أو تمزق لحمهم، بدحرجة غير متأنية فوق النواتئ الخارجة من تحت التراب، والمبعثرة فوق هذه الأرض الحمراء.

ترى أتساءل، أيٌ منهم يوماً، أكانت أرضاً حمراء عن حقيقة أم وفق مجاز، تعثر في تمييز تدرجات ألوان التراب؟ أم أن يقينهم تثبت على الدم، الذي سال من أيديهم وأرجلهم وجبهاتهم، وامتزج بترابها، ليكون كافياً لوسمها باللون الأحمر؟
                                          -2-

إلى شمالها بساتين تعقبها بساتين، توزعت على ضفتي النهر الهزيل. همّ أصحابها بزراعة الخضار الموسمية، ومشاتل أصص النباتات المنزلية والزهور، وانتزعت فسحة منها لإنشاء إسطبل ناد رياضي، انفرد بتربية الخيول وتعليم الفروسية.

في غربها النهر، الذي يفصلها عن حي محطة بغداد الصاخب على الدوام، مضرّج بمزاجه المخصوص، الذي يضاف غنى تنوعه الملّي، رغبات مفصح عنها للتميز والسعي إلى الأسبقية في الحداثة والابتكار، بالقبض الحار على الجديد، لم يعق ثقل ميراث أهله، اندفاعهم اللجوج نحو الحياة الحلوة بطعومها ومذاقها.

وفي جنوبها يعلو "جبل النهر" الذي يفصلها عن حي العزيزية، المرتبك على الدوام، بهدوئه وتوازنه المثقل بتقليديته الرفيعة التي حملوها معهم وحافظوا عليها، أولئك الذين شيدوا بيوتهم وقصورهم، في نهاية القرن التاسع عشر واستهلالية القرن العشرين.

                                          -3-

لم يمتلكوا في بيوتهم فائضاً من الألبسة ليستبدلوها، بدائلها هاجعة في محلات الرتائين، تنظر دورها مع أكوام الألبسة لأناس آخرين، ليعيدوا دعم رتوقها بأقمشة أقل رقة، ويحيكوا فوقها خيوط طولانية وعرضانية لتمتينها. لم تكن مصانع النسيج قد توصلت إلى أقمشة تقاوم السحج على الحصى والتراب.. ويتبقى لأهاليهم الدعاء لتحقيق توازن لا يتحقق، بين اندفاع أولادهم وحماسهم، ورقائق أقمشة "التركال" و"التريفيرا"، التي سرعان ما تتمزق وتنثال خيوطها، بأي احتكاك خفيف مع جدار خشن أو مسمار خارج من مقعد المدرسة.

وصلت السياسات الأميركية، بـ "نقطتها الرابعة" و"حلف بغداد"، ونزولها الصاخب على شاطئ بيروت....كما بوصفها أم رؤوم لثلة من الانقلابيين، الذين زعموا أنهم يريدون مواجهتها وتدمير صنائعها، وهم رابضون في أحضانها متفيئين بظلالها، آخذين بنصائحصها، مرتلين تحذيراتها، مجوّدين توجيهاتها.

وصل كل ذلك، قبل وصول نسيج الجينز المرتبط بها وباسمها وأعرافها، وعُرف باسم "الكاوبوي" أو "الكي بوي" - بعدما ترّهل الاسم بعبوره المسافات البعيدة - الذي كانت قد ابتكرته مصانع نسيجها من عوادم القطن، وخصصته لعمال الأعمال البرية القاسية كرعاة البقر وعمال المناجم والمزارعين.

حاز هذا النسيج على وصف "ضيان" تعبيراً عن القدرة على تلازم الديمومة والمتانة، وامتلك المقدرة على النجاة من امتحانات حياتهم اليومية، ولم يعرف هؤلاء الأولاد في حينها، أن السياسة الأميركية ستكون أشد "ضياناً" من هذا النسيج الذي اشترته أمهاتهم وآباؤهم، حيث سيهترئ كما حال أبدانهم وأعمارهم وبلدانهم، بينما سياستها وسياسة صنائعها باقية لا تزول.
                                              -4-

تبدّلت الأرض الحمراء، في غفلة من الأيام الوسنانة، كما تبدلت أشياء كثيرة في المدينة، واعتاد الخياطون لصق الأعلام الأميركية على أقفية بناطيل الجينز، كعلامة على تنشق التابعية الحداثية من الأنوف المزكومة بالغبار وهباب عوادم السيارات. وصلتها جحافل الجرافات من الجهات الأربع، كأنما أرادت تطويقها قبل خنقها وتبديد أثرها، نصفتها بشارع وحاذتها بشارعين واسعين من الجهتين الشرقية والغربية، ردمت وهدتها من تجريف أكوام الأتربة المركونة على أطرافها، شيّدت في جنوبها مدينة ملاهي للأطفال، وفي شمالها جامعاً كبيراً، وفي وسطها حديقة منخفضة، يرتادها العجائز والمتقاعدون في الصباح.. وأصحاب المآرب الخاصة في أوائل الليل.

- أمازلتم تحبون كرة القدم؟ أي بعد ذاك المآل الذي أوصلها إلى الصخب الفاجر والرعونة النذلة، مسنودةً بالأموال القذرة المنهوبة التي توخت الاستحمام في هذه الرياضة المعبودة، وغيرها من النشاطات الترفيهية والبدنية، بغاية العودة إلى أكذوبة المال الأبيض، كما لون الثلج والقطن والألبسة الداخلية، وأولئك اللاعبون الذين يباعون ويشترون كما العبيد في أسواق النخاسة، ليقتفوا بعدها مسارات مصابيح الشوارع، ويعاد استبدالهم، فور استهلاك الغاز الخامل في جوفهم، بمصابيح أشد توهجاً. على الرغم من هذا، يطلقون عليهم بمبالغة غير متأنية: النجوم، وحكام مباراياتها المتشبهون بالقضاة، الذين يتلاعبون باحتراف الخبير في أحكامهم، مما يؤثر على النتائج والترتيب التفضيلي للاقتراب أو الابتعاد عن الصدارة والتتويج بالأوسمة والألقاب.. وشركات المراهنات التي تنتمي إلى المافيات، تمول كل ذلك وتقف في ظلاله، وتحرق أعصابه، وتجفف بقايا حمرة الوجدان في خديه....أما زلتم تحبونها؟

إن بقي لنا شيء نحبه منها، فليس إلا جمهورها المترنّح، والعشب الأخضر لملاعبها، والصور المتبقية من ذكريات الأرض الحمراء، التي أخذ فيها الفرح لون الدم.

حلب نيسان 

أشجار الزنزلخت
عزيز تبسي
26 أبريل 2016


-1-
لا تعلم هذه الأشجار التي تتوسط الأرصفة وتشطرها، أن حفيف أوراقها، الذي ما زال يداني نوافذ بيوتهم، ساعدهم على النوم العميق والاسترسال في الأحلام، وأنها لاتزال بيتاً آمناً للعصافير التائهة، وذخيرة يضمرها لونها الأخضر إلى الأيام السوداء، ومسرى للنساء المضرجات بالخيبات، حين يتمهلن أمام جذوعها المتناظرة في أوائل الربيع، وينحنين على ورودها المتهاويات كقصاصات ورق، ليقتبسن من لونهن البنفسجي الخجول، ألوان خيوط الصوف، علهن يحكنها لشتاء قارس، كنزات وقبعات ولفحات لأولادهن. حُملت فسائلها من الشرق، وتوطنت في هذه الأرض، كما توطن قبلها ومعها الكثير من النباتات والزهور والأجناس والثقافات والعادات والعقائد، وأمست تتعرف باسم يحمل معنى أرضها الجديدة: الدردار السوري. احتملت جذوعها غرزات السكاكين، التي تطوى نصالها بعد تجريف اللحاء، لتعود لبراءة القلادات وحمالات المفاتيح، ولكم توجعت من قرع المطارق وثقوب مسامير أصحاب الحوانيت، ليعلقوا عليها بعد ذلك، في الصباح أقفاص عصافيرهم، وخرقهم المبللة التي يمسحون بها أرضية حوانيتهم، والأخرى التي يلمعون بها واجهاتها الزجاجية، ومصابيح كهربائية في أوائل الليل لتزيد من إضاءة واجهات محلاتهم. احتملت فقدان إخوتها، حين تقرر توسيع الشوارع وإعادة تبليط الأرصفة، ومن إهمال أطباء النبات، حينما عجزت عن مواجهة أنماط من الأوبئة والحشرات، تركوها تقاوم لوحدها بخلاصات شفيفة من نسغها، ومصول غبار من تويجات زهراتها. انحدرت العناية بها من مسار قديم، انحنى أهله للتبارك بالنبات الأخضر، واستحضروه كل حين، داخل البيوت الواسعة، على أعالي الشرفات، في زوايا الشوارع والساحات، في سعيهم الدائم للتنزه في الروابي والسهوب. جرى تصنيف فقراء الناس، كحال أشجار الزنزلخت، بعدما اقتضت قواعد الرفعة الاجتماعية، تثمينهم بفائدتهم وقدرتهم على منح المكاسب، بأملاكهم وثرواتهم وموائدهم، ويشيرون بعد ذلك نحوها، لكونها ليست من الأشجار التي تطرح ثمراً يؤكل، غلالها عناقيد من ثمار كروية ملساء، يخشاها من يجهلها، لافتراض أنها سامة، لكنها ليست كذلك. انتمت لسلالة من النباتات التي لا تعطي ثماراً كالمرجانيات وبعض من الصنوبريات والسرو والدفلى.. تمنح الخضرة والظلال والرطوبة، وحين تموت، لا تنسى منح ورثتها جذعها وأغصانها، وهم بمثابة جسدها الذي أرهقته السنون، وجففته.


-2-
ينهضون بفزع، حالما يسمعون قرقعة الأواني المعدنية...كأنهم خارجون من قصيدة الحمال الأعمى للشاعر العباسي ابن الرومي، يركضون بعبواتهم البلاستيكية، بأوعية الزجاج، بأسطل تترنح حواملها المعدنية، بأوان كانت مخصصة للطبخ، غير مدركين في عجلتهم، أن الماء يتسرب من قيعانها المثقوبة ويبلل ثيابهم، متجهون نحو أصوات تؤكد لهم أن صهريج المياه قد وصل، ولأنه لم يصل شيء، يجمعون أوانيهم حولهم، ويسندون جذوعهم على جذوعها. تعبر أمامهم المشاهد المربكة، انتعال الفتيان في شهر كانون الثاني لشحاطات بلاستيك، ارتداء الألبسة الصيفية تحت البرد والمطر. ويبقى دوماً من يتجولون بكامل أناقتهم ينتظرون أحداً يأتي، جاهلين أن من ينتظرونهم غادروا البلد، أو المدينة....يتمهلون تحت الأشجار، يعيدون عقد ربطات أعناقهم، وتفقد المناديل القماشية في جيوبهم، إشعال سجائرهم المطفأة للمرة الرابعة أو الخامسة....تشي أجفانهم المنتفخة باضطرابات الكبد، ونفورهم الدائم بتوغل مرض السكري في أبدانهم. يتحدثون، بكلام آت من زمن آخر، عن قرب الربيع وعن دنو أيام الرحلات المبهجة إلى "جبل الأربعين" و"كفر جنة"، وينزلقون إلى كلام عن أوان ملامسة مياه البحر وتناول أسماكه المشوية، ويشيرون بأذرعهم الممدودة، كما لو أن البحر في آخر الشارع. يسترجعون وهم يتكؤون بأذرعهم على جذوع الأشجار المتناظرة، كما مريض يسترجع سنوات عافيته، ركضهم اللاهث في الشوارع ، قفزهم فوق مقاعد الدراجات الهوائية، ومرورهم المراوغ بين المشاة، صعودهم إلى أعالي العمارة والنزول بعدها ليضحكوا مع الذين ينتظرونهم في الشارع ويحصون أنفاسهم، ركضهم لملامسة البوابة المغلقة للقلعة والعودة لملامسة ذبالة مصباح شحيح في السوق الذي يقابلها، تسلقهم أشجار لا ثمار لها، وأعمدة كهرباء مهلكة.. العبور المدوي لباعة العرقسوس، الخروج الفرح للتلاميذ من المدارس. تستولد الحرب، كل يوم، مصائب عائلية، يحتاجون لقرن قادم ليستردوا ضحكاتهم، ولتمدد طويل تحت شمس استوائية ليخرجوا الرطوبة من عظامهم لا لأنهم عاشوا أكثر مما يجب، وانما لأنهم لم يطعنوا بالحراب ويرموا في الحفر العميقة. ويحتاجون للكثير من الوقت للتجول في الأسواق، حاملين نقودهم التي لم تسرق في محافظ جلدية، ليشتروا الشطائر التي لا تسعها الورقة التي لفت بها.


-3-
تتجاهل نشرات الأخبار عن عمد، وهي تصنف بسخرية "المعارضة المعتدلة" وتضمها كمستحيل، للمستحيلات الثلاثة التي تداولها العرب لقرون طويلة عن الغول والعنقاء والخل الوفي، ترى أما من ضرورة أن تكون السلطات التي تقف خلف نشرة الأخبار معتدلة، كما المعارضة التي تبحث عنها ولا تجدها. ينتصر في الحرب من يمتلك قدرة النوم على الأرض. وجيزة عبارة المؤرخ العسكري المنحدر من الجيش الأحمر ليف نيكولايفيتش غوميليف. ما المقصود بالنوم على الأرض؟ أتراه قصد الانبطاح، أم قصد النوم في جوفها، كما الموتى في انتظار يوم القيامة، أم أهل الكهف في انتظار التحولات في زمن السلطة. لكن أيعد مثل هذا الفعل انتصاراً؟ وكأن سؤال "ما العمل" الذي أنتجه الفكر الثوري الروسي في القرن التاسع عشر، قد تحول في هذه البلاد إلى سؤال أبدي. أيضحكون يوماً، وهم يسندون ظهورهم على الجذوع الدبقة لهذه الأشجار الناجية من الاحتطاب، ويستردون الكلام من هوائه المبدد. -بحضي الحرية كيسي، أو كويسة. -إيه بالله كيسي. يضحكون ضاغطين بأكفهم المفتوحة على صدروهم، ليتداركوا الشهقات التي يسببها هذا الانفعال المفاجئ، غير عابئين بمصير من سبقوهم، وماتوا من الضحك.

 

أحوال "البرتقالة"
عزيز تبسي
8 مارس 2016

 


-1-
لم يتغير أي عنصر في هذا المشهد النسوي في بلادنا، ولم تتغير اللغة المعبرة عنه كذلك.
لمّا تزل النساء يطلقن على المنظفات اسم "دوا الغسيل"، ويحتفلن بضيفاتهن بإخراج أواني الخزف وفناجين القهوة، من أعماق عسيرة من خزائنهن الخشبية، التي رسمت على طرفيها صورة متخيلة للعاشقين الخالدين "روميو وجولييت"، ليسكبن فيها القهوة المغلية طويلاً، وفي أكواب أخرى عليها صورة العاشقين إياهما، عصائر الفاكهة الممددة بالماء والمثقلة بمكعبات الثلج، ويتبادلن من بعضهن حفنات النعناع اليابس وفناجين ممتلئة بدبس الرمان، وأطباق الطعام، كما يستعرن معاطف بعضهن وحمالات الصدر...والأحذية عالية الكعب. ويضغطن راحاتهن المفتوحة على أوراكهن، حين يتعاتبن مع جاراتهن، ويستخدمن أطراف أصابعهن، بملامسة حنونة لجبين أولادهن، لجس حرارتهم.. ويتحاشين ذكر أسمائهن في الأماكن العامة، وينزوين في غرف موصدة أبوابها ليعرين جذوعهن، ويتفحصن أثداءهن بجس خفيف، كما اعتدن تفحص البندورة والباذنجان على بسطات الباعة في أسواق الخضار، ليتأكدن من جاهزيتهما للطبخ، لكن هذا الجس الاحترازي للتيقن من عدم وصول السرطان إليهما.. وما زلن يخشين ذكر اسمه، ويستدلن عليه من تصلب أرعن في محيط الثدي أو من تغير في لون الحلمتين...ويتساءلن بأصوات خافتة، أكان ينقص عذاباتنا هذه "البلوة" المنذرة؟ ترى من أين تأتي؟ أمن الزيت المستخرج من بذور القطن، أم من السردين الغارق تحت زيته، أم من الخضار المروية من مياه المجارير.. أم من مقابر النفايات النووية المجهولة الأماكن، أم من هذا "الزعل" الطويل...في إشارة للحزن الذي ينسدل كستائر غامقة أمام النوافذ المغلقة لبيوتهن الضيقة.
يقلبن من وقت لآخر صوراً فوتوغرافية بالأبيض والأسود تظهر فيها جداتهن وأمهاتهن، ويؤكدن بعدها أمراً واحداً...أن الجدات والأمهات، عشن في زمن أكثر انفتاحاً وتسامحاً وتفاؤلاً، وبعضهن يتساءل بصوت خافت، ما الذي تبقى للمرأة بعد قرن من آمال التحرر والمساواة، وكأننا نعود إلى الخلف، مجرجرات خيباتنا كما جررنا في يوم مضى أثواب زفافنا...
وتتحدث الأمهات عن ضرورة تزويج أبنائهن وبناتهن بعمر مبكر، كعلاج لحمى الطيش، التي تمزق صدورهم وسراويلهم، وتدفعهم للسهر والتدخين. ويلففنهن بأقمشة من رؤوسهن إلى كواحلهن، باسترداد لحمى الأقمطة التي تأتي مع ألبسة "الديارة" المبهجة في حمى الاستعداد للولادة.
وتحولت السبحة الافتراضية التي أطلق عليها "مسبحة الشيطان" كناية عن دورانها بين شفاه حامليها وحاملاتها إلى اللانهاية، إلى "مسبحة الرحمن" الحقيقية، منتقلة إلى شكل حداثي يعرف باسم "العدادة" الصينية، التي تضعها النساء كخاتم على العقدة الأولى من سبابتهن، كوسيلة لإظهار التقوى، ولرصد إنجازاته في آن...تتشبه بالبيع نقداً، وأصبحن يتبادلن نتائجه الرقمية، وهن يرددن أسماء الله الحسنى، ويحصين الأرقام من نظرة خاطفة إلى شاشتها الضيقة.
كأنهن استعضن بمهمتهن عن مهمات الملائكة، الذين يحملون الدفاتر الكبيرة ويراقبون الناس ليدونوا حسناتهم وسيئاتهم. فكرة كسولة جديدة ساقت المؤمنات للتباهي بإيمانهن، لا تخضع حاملاتها للامتحانات الإيمانية الشديدة، كما حصل دوماً للعديد من المؤمنات.
تغير الزمن.. وبات بإمكانهن تحديد هويات بعضهن الدينية والطائفية من لباسهن، وطرق نطقهن وأماكن سكنهن.. ليتخذنها ذريعة للتمايز والتفارق، وللمشاكسة.
أمن الضرورة تذكيرهن وتذكير من يدفعهن بحذق منهجي إلى هذه الهاوية، أنه في عام 1751 احتلت مجموعة من النساء مئذنة الجامع الكبير معيقات بذلك أداء الصلوات وصارخات بأعالي أصواتهن بشتائم ضد الوالي العثماني، لأنه لم يقم بما يخفف أعباء المجاعة التي انتشرت في المدينة، وأنه في عام 1778 تجمع عدد من النساء في فناء المحكمة، ولعنّ الأعيان بينما فر القاضي ليختبئ داخل القلعة.
أنه جرت أول مظاهرة نسائية في المدينة بعد اعتقال المجتمعين في دارة عبد الرحمن الكواكبي 1892، وسارت في "درب العربية" القريب من القلعة، واتجهت إلى دار الحكومة والبلدية، تطالب بالإفراج الفوري عن الموقوفين.
وأن مريانا مراش، شقيقة فرنسيس مراش، أول من افتتح صالوناً أدبياً في المدينة، وتبعتها حميدة الجابري، ابنة الشيخ عبد الحميد الجابري الأديب والشاعر والمتصوف وفق الطريقة الشاذلية، وبمبادرة فائقة المدرس التي أسست "مدرسة الصنائع" في حي الفرافرة، وكانت تملكها وتديرها، واستقدمت في عام 1930 الآنسة "أم كلثوم" لتغني للطالبات وأهلهن في باحتها الفسيحة. من أخمد ذاك الموقد المتصاعدة ناره ولهيبه، من أعطاف نساء أقدمن بروية على صناعة رقائق تاريخهن، كأنهن يصنعن أطباق الحلويات.
لكن هناك تغيرات، ينبغي المرور عليها، فلم تعد النساء يرفعن أكفهن إلى أفواههن حين يضحكن، كما كانت تفعل جداتهن، ربما لأنهن فقدن، منذ زمن، القدرة على الضحك.

-2-
البرتقال، من الحمضيات التي تشمل في تنصيفها الليمون واليوسفي والكريفون والبوملي والصفير والكبّاد..، والبرتقال على تنوعات تشمل كمية السائل ذي المذاق الحمضي، وحجم الثمرة، تكوين فصوصها...
تحتاج غراسه إلى مناخ دافئ، وهذا ما يفسر عدم توسعها في العمق الجغرافي لساحل بلاد الشام، الممتد من خليج إسكندرونة حتى شاطئ رفح، فلم ترتفع شجراته إلى الجبال ولم تتوسع إلى البوادي.
توسع معنى البرتقال، بعد تقسيم أرض فلسطين، ليصير من متممات شخصيتها الوطنية، وباتت تستحضر بياراته وثماره، لتأخذ معنى الحنين إلى الأراضي التي احتلها الصهاينة، بعد سرقتها وطرد أهلها.
ولكن، ما المعنى في تشبيه المرأة بالبرتقالة، في الأغنية التي فاض ترويجها إلى ملايين النسخ...وهي من ارتبط اسمها، بأثر من النفوذ البيّن للأديان الإبراهيمية بالتفاحة.... وبواحدة من أخطر الولائم في التاريخ السماوي، ولم تك سوى قضمة مفردة، أعقبتها كارثة الطرد الحاسم من الجنة.
ربما لأن الأمر بات يحتاج في البرتقالة إلى التقشير، أي نزع اللحاء أو اللباس...كرغبة في التعرية، تعرية الإذلال، المندفعة بإعلاء قيم التوظيف الاستعمالي، المؤسس على تناقض دلالي بين احتقار المرأة وسلبها كينونتها، والرغبة في جسدها العاري. لما تزل النساء يتكتمن عن الإفصاح عن أسماء أزواجهن، أمام الطبيبات اللواتي يعالجهن من جروحهن وحروقهن في المشافي، كما أن تتكتم الأصغر سناً عمن اعتدى عليهن وأفقدهن عذريتهن، وتتكتم أخريات عمن يتحرش بهن في أماكن عملهن، وعمن يبتزهن في لقمتهن وحياتهن.
لكن، هناك تغيرات، ينبغي التمهل عندها، فلم يعد أحد يئد بناته فور ولادتهن، كما كان يفعل بعض الآباء في العصر الجاهلي، أمسوا يتمهلون على هذا الوأد لسنوات، ولم يعودوا يئدونهن كذلك تحت التراب.

(حلب، شباط 2016)

كلمة التحرير كتاب واراء مختارات من الصحافة حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم إعلانات تصويت
هل ينهار الاتفاق النووي بعد إعلان استراتيجية ترمب الجديدة تجاه إيران؟


القائمة البريدية
البريد الالكتروني

 صورة طائرة التجسس الاميركيه الاحدث أوبرا هل تهزمه وتصبح سيدة البيت الأبيض ؟ترامب سافوز ولااعتقد انها ستترشح أهم فضائح الكتاب الذي هز ترامب.. سر تعيينه للنساء كمستشارات وما يقوله الجمهوريون عن أولاده داخل البيت الأبيض  قصة حركة انتشرت بين ملايين البشر وتفاعلت معها شخصيات بارزة  عهد_التميمي تشعل مواقع التواصل و صوت_انفجار_في_الرياض يشغل السعودية الفائز بالجائزة صور من   أفريقيا: خبز مصر ، وقطن ساحل العاج ، وسيلفي مع جيش زيمبابوي Holy cow:بقرة صينيه بخمسة ارجل جمعة عادية بالبسة عادية لقادة "ايبك" وسلام حار بين بوتين وترامب ترامب: بعض المعتقلين في السعودية حلبوا بلادهم لسنوات.. وأثق بالملك ونجله ووزير سعودي : إنها الثورة! وقصة الفخ :كيف استدرج بن سلمان أمراء وأثرياء المملكة في ليلة واحدة لاعتقالهم؟..