لا ينتجون السخرية بل يتعقبونها، وهي تتطاير كزغب من طائر كهل، واقع في وهم تجديد بهاء شبابه، بتحرر مخذول من ريشه المنتوف.. وكأنهم لا يستطيعون اليوم سوى أن يسخروا، ربما لأنّ "التهكم هو كل أدب المجتمعات المشرفة على الموت" وفق تعبير الروائي الفرنسي بالزاك.
قرروا الضحك أخيراً، رغم أنه لا شيء يستوجبه.. ينهلون مياهه من جفناتها، ويستنفرون رائق الكلام، وهم في لظى الأحوال، وفي أشد الحالات هولاً، التي لم تعد تسعف للملمة الإصابات ومواجعها.. حيث لم تعد مهمتهم تدوين نصوصهم المقبلة لمسرحة الحياة فحسب، بل ملزمون بتمثيلها.
 
***

أضحى بالإمكان تمييز باعة مستحضرات التجميل من وجوههم، بآثار كدمات زرقاء على وجناتهم، وفوق أجفانهم.. بقايا من تعاقب الهجومات الصاخبة للنساء، وهن يشهرن أحذيتهن، أو لأزواجهن بقبضاتهم المكورة وشتائمهم النارية.. وتكون أصبغة الشعر، المادة المفجرة للاعتراضات والهجمات العنيفة، لأنها السلعة المغشوشة الوحيدة التي تظهر نتيجتها على الفور، لا كتلك السوائل المعطرة من الصابون السائل التي تقرض الشعر وتحفّه في تأنٍ خبيث يتمهل لإسقاطه في الغسولات التالية، أو طلاء الأظافر المنتقل من صفائح طلاء الجدران إلى العبوات الزجاجية الأنيقة، الذي يقبب الأظافر ويكوي لحم حوافها..
ولا تلبث الجلابيات القطنية التي يُلامِس طول حوافها عقب القدم أن تنكمش بعد الغسيل بدافع من هلع مما تراه أو لخجل عجزها عن تدارك الوقائع، لتتحول إلى قمصان داخلية توازي الخصر.. أو الأحذية التي ينفصل أعلاها عن أسفلها بعد مسيرة لا عودة منها إلى المساكن إلا بأقدام حافية، كما رهبان الهندوس الذين وهبوا حيواتهم المهدورة من ولادتهم للتقشف.
 
***

ما زال الناس على قناعة بدور مأمول تحققه الإعلانات في الصحف المتخصصة للترويج لبيع بيوتهم المهجورة، علهم يتحررون من ابتزاز المرابين ومكاتب الوساطات العقارية، المتربصين كذئاب ضارية بالذين يبيعون بيوتهم وأثاثها بسعر التراب الذي شيدت به. أولئك الذين لا يكفون عن ترويج كلام يتجاوز غاياته، من حرق البيت وتبخيس قيمته، إلى حرق أعصاب أصحابه.
"ثمن أفخر بيت لا يعادل قذيفة مدفع جهنم"، ويتابعون كمن لا يكلّ ولا يأتيه تعب: "الشراء في هذه الأيام، كشراء السمك في المياه"، لكن يبقى من يجازف بأمواله الوافرة لشراء البيوت، ومن يعرض شراء المحال المدمرة في الأسواق القديمة.
للبيع بسعر مغرٍ جداً: بيت مفروش سوبر ديلوكس يطل على أربعة اتجاهات، مشهد بانورامي يمنحكم صباحاً مشرقاً مع فنجان قهوة. تظهر في البعيد رايات جبهة النصرة، فيما تتنعمون بحماية ومراقبة قناصة كتائب قادش. للبيع، مزرعة في الريف الشمالي: إطلالة جميلة وأمان تام، إلى الشرق لواء السلطان مراد ببيارقه التركية، وإلى الغرب لواء السلطان محمد الفاتح ببيارقه التركية كذلك، ومن الشمال إطلالة خلابة على خفقات رايات حركة نور الدين الزنكي الإسلامية، وإلى الجنوب قناصة المخابرات الجوية.. حيث بالإمكان متابعة الصراع العسكري وكأنكم تتابعون الدوري الإسباني لكرة القدم. للبيع، منزل في منطقة آمنة نسبياً: طابق أرضي دون إطلالات، وغير قريب من أي حاجز عسكري أو مركز أمني، يصلح ملجأً عند الضرورة، له باب خلفي قريب من مدخل الحارة، لتأمين الخروج بالسرعة القصوى.
ويبقى من يأمل بالزواج وبناء أسرة بعدة طوابق، لا من البلوك قليل الإسمنت كثير الرطوبة، بل من البازلت الذي اشتغلته الطبيعة بتأن.
شابة محترمة ومثقفة تسعى للزواج من رجل. المواصفات غير مهمة، لكن المهم ألا يكون مطلوباً لأي كتيبة مقاتلة أو أي فرع مخابرات، من الأفرع المعلنة على الأقل. شاب يحمل شهادة جامعية، يستطيع التواصل باللغة الإنكليزية، يسعى للزواج من أي شابة تحمل جنسية أجنبية، ولا يهم إن كانت من الجنسيات الفيلبينية، الإندونيسية، الإثيوبية.. لأن الغاية السامية للتواصل الثقافي وبناء الأسرة الحديثة، تبرر المعوقات العرقية وتتجاوزها.
 
***

هتفوا في سنوات ماضية، في مقالع الأحجار المتاخمة لأطراف المدينة، بعد غرس أصابع "الديناميت" في حفيراتها العميقة "بارود، اهربوا".. الآن يهتفون، بعد توقف العمل في المقالع وأعمال التشييد والبناء، بنفس نبرة الصوت الذي سكنه الرعب:
- اقترَب داعش!
- وصَل داعش!
وهي مناسبة للدفن في حفر عميقة، يجري حفرها وتعميقها على عجل، لإخفاء كل ما يمت لسلوكيات الماضي القريب، بنطلونات الجينز، القمصان الملونة، ألبسة السباحة.. أي كل الألبسة الرائجة منذ بدايات القرن المنصرم.. عبوات البيرة، زجاجات العرق، عبوات العطور، أدوات التجميل، الكتب، الدفاتر، أوراق المذكرات والذكريات، الصور العائلية التي تشير إلى الغزو الثقافي الصليبي، كصورة الأم تحتضن أطفالها دون غطاء رأس، الأب وهو يلف بذراعه كتف الأم من أيام ما يسميه الغرب الصليبي "شهر العسل"، صور لمناسبات أعياد ميلاد الأولاد، الزواج، النجاح الدراسي.. يعلمون وهم يدفنون كل هذا، أنهم على وشك دفن ماضيهم برمته، لا بغاية الدخول في المستقبل، بل للعودة إلى ماض ما بعد الغابات الديناصورية.
ويبقى من يقول وهو يقهقه، رافعاً رأسه إلى الأعلى، كأنه يطالب بشهود إلهيين: للمداكشة (المقايضة)، بنطال جينز،عدة حلاقة يابانية، كتب تاريخ، أشرطة مدمجة لأفلام سينمائية، أشرطة أغاني.. مقابل جلابية أفغانية.
 
***
لم تسعفهم القراءات والتجارب على تبين عمليات تحرير كهذه التي تحصل في بلادهم، والتي باتت تستدعي تجاوز فنون عمارة القرون الوسطى، التي تثبتت على البوابة الواحدة للحصون والقلاع، باعتبارها الملاذ النهائي للشعب المرعوب.
ليكن لكل مدينة بابان على الأقل، باب يدخل منه المحِرِرِّون بسيارات الدفع الرباعي، والحماية الجوية، وباب يفر منه المحرَرَّون إلى المناطق التي لم تصلها بعد مواكب التحرير.. عوضاً أن يتعانق المحِررون الموصوفون بالثوار، والمحَررون الموصوفون بالعبيد.. قبل أن يسيّروا مواكب الاحتفالات التي تبدأ بالغناء وتنتهي بما يتجاوز الرقص.. يحملون أغراضهم الثمينة في أكياس نايلون ويهرعون إلى الكهوف والجبال، متجاهلين زهوة التحرير وأفراحه.
حيث يجري الحديث بهمس أزلي، كأنه باقٍ لم يتبدد، عن الطّعوم المختلفة للثورات، تشبهاً بنكهات العلكة وشوربة ماجي وأندومي.. كأنها محاولة يائسة لتبرير الوقائع، وتجنب رصد مآلاتها.
- أتعرف من هو داعش ومن وراءه؟
- كانت ستسهل الإجابة علينا، لو عرفنا منذ تلك الأيام من هم المندسون، ومن وراءهم.