ï»؟

آنا دوستوفيسكي وغادة السمان.. والحب ثلاثي الأبعاد

رئيس التحرير
2018.06.24 15:23

 

 
 

كانت "آنا جيروجيفنا" في العشرين من عمرها عندما التقت دوستوفيسكي الذي كان يكبرها بخمسة وعشرين عاماً، كاتباً شهيراً، يمر بأصعب فترات حياته، فقد توفيت زوجته وأصيب بالصرع، وكاهله مثقل بالديون، مما اضطره إلى أن يقبل عرض أحد الناشرين بسداد كل ديونه مقابل الحصول على حق طباعة أعماله الكاملة لفترة محددة، بالإضافة لكتابة رواية جديدة ينتهي منها بنهاية العام، وإلا ذهبت حقوق نشر أعماله السابقة كلها إلى الناشر!

وافق دوستوفيسكي رغم انهماكه في كتابة رواية "الجريمة والعقاب"، التي كان أسيراً لها تماماً، ولم يُفق حتى أصبح بينه وبين موعد تسليم الرواية الجديدة إلا شهر واحد!

قرر دوستوفيسكي الاستعانة بآنا ككاتبة اختزال ليختصر وقت كتابة الرواية، وعلى مدار خمسة وعشرين يوماً كان يملي عليها أحداث الرواية فتكتبها بطريقة الاختزال ثم تعيد كتابتها كاملة في المساء.

أنهى دوستوفيسكي رواية "المقامر" في الموعد المتفق عليه ونجا من خسارة محققة؛ لتنتهي بذلك جلسات العمل اليومية بينه وبين "آنا"، وبعد عدة أيام شعر بأنه يفتقد حنانها وتفاؤلها وقدرتها على بث الأمل فيه رغم صغر سنها، فأرسل إليها مدعياً مهمة عمل جديدة، وسرد عليها فكرة رواية مزعومة تحكي عن رجل يشبهه كثيراً يريد أن يعرض الزواج على شابة صغيرة، وسألها هل يمكن أن تضحي الفتاة وتقبل الزواج من عجوز مريض أكله الحزن؟ لم تفهم "آنا" أنه يتحدث عنها، وأجابت بتلقائية: "وما وجه التضحية؟ إذا كانت تحبه فسيسعدها أن يطلب الزواج منها". تقول "آنا" في مذكراتها من تعبيرات وجه دوستوفيسكي فهمت أني المعنية بالسؤال، فبادرته وصارحته بأني أحبه.

لم تكتب "آنا" في مذكراتها ما قاله دوستوفيسكي وهو يطلبها للزواج، واكتفت بأن قالت: "تلك كلِماتٌ حبيبةُ إلى نفسيّ، مُقدسةٌ عِنديّ، لا تَخُصُ أحداً سِوانا".

من قرأ لدوستوفيسكي يمكنه أن يتخيل كم كانت تلك اللحظات لحظات ضعفٍ وهشاشة من كاتب مرهف الإحساس عميق الفهم للنفس البشرية، لحظات ضعف صانتها حبيبته وزوجته، كلمات ثمينة ضنت بها على القراء؛ لأنها كما قالت صاحبتها، لا تخص سوى طرفيها.

لم يخذلها دوستوفيسكي وعاشا نموذجاً فريداً للزواج الناجح القائم على الحب والاحترام المتبادل وقبول الاختلاف رغم فارق السن الكبير، فقد وهب كل منهما للآخر المساحة التي يحتاجها وحرية أن يكون نفسه.

في عصر شبكات التواصل، أصبحت كثير من قصص الحب ثلاثية الأبعاد "أنا وأنت والجمهور"، أصبح للحب بُعد استعراضي، يشي بأنه ناقص إن لم يكن مزيفاً، حب لا تنقصه فقط قدسية الحب وخصوصيته، ينقصه اكتفاء أصحابه به، ينقصه أن يداويهم من داء "الأحداث"، ومن ولع التفاخر ومن السعي لجذب الانتباه بأي ثمن، يعيبه أن للناس دوراً مقحماً عليه كمعجبين أو لاعنين أو حاقدين، لم يعد اهتمام من نحب وانتباهه لنا كافياً، لم يعد يسد فينا النهم إلى أن "نُرى" و"نُحب" و"نُفهم"، أصبحنا نتسول إعجاب الغرباء بأي ثمن.

الأمر ليس حديثاً، ففي مقدمة كتاب "رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان"، كتبت غادة في مقدمة الكتاب؛ لتبرر نشرها تلك الرسائل: "أستجوب نفسي في لحظة صدق وأضبطها وهي تكاد تتستر على عامل نرجسي لا يستهان به: الفخر بحب رجل كهذا".

أذهلني صدق غادة مع نفسها، الفخر والولع بتمجيد الذات، كان أهم دوافعها لنشر خطابات خاصة، ترسم بدرجة كبيرة صورة لحب من طرف واحد.

الأمر قديمٌ إذن، تغيرت الأدوات لا أكثر، لا يحتاج عشاق هذا العصر أن يكونوا كتاباً مشهورين ليشاركوا العالم قصصهم العاطفية، الأمر أصبح أسهل كثيراً، وفي متناول الجميع.

وتبقى حقيقة أن الميول الاستعراضية غالباً لها علاقة بالنرجسية وحب الذات، والحب منها بريء.

غادة أحمد السمان (مواليد 1942) كاتبة وأديبة سورية. ولدت في دمشق لأسرة شامية برجوازية، ولها صلة قربى بالشاعر السوري نزار قباني. والدها الدكتور أحمد السمان حاصل على شهادة الدكتوراه من السوربون في الاقتصاد السياسي وكان رئيسا للجامعة السورية ووزيرا للتعليم في سوريا لفترة من الوقت. تأثرت كثيرا به بسبب وفاة والدتها وهي صغيرة. كان والدها محبا للعلم والأدب العالمي ومولعا بالتراث العربي في الوقت نفسه، وهذا كله منح شخصية غادة الأدبية والإنسانية أبعادا متعددة ومتنوعة. سرعان ما اصطدمت غادة بقلمها وشخصها بالمجتمع الشامي (الدمشقي) الذي كان "شديد المحافظة" إبان نشوئها فيه .

أصدرت مجموعتها القصصية الأولى "عيناك قدري" في العام 1962 واعتبرت يومها واحدة من الكاتبات النسويات اللواتي ظهرن في تلك الفترة، مثل كوليت خوري وليلى بعلبكي، لكن غادة استمرت واستطاعت ان تقدم أدبا مختلفا ومتميزا خرجت به من الاطار الضيق لمشاكل المرأة والحركات النسوية إلى افاق اجتماعية ونفسية وإنسانية.

كلمة التحرير كتاب واراء مختارات من الصحافة حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم إعلانات تصويت
هل تثق بنتائج الانتخابات في الدول العربية؟


القائمة البريدية
البريد الالكتروني

ازئروا رررر:بورتريه عائليه والاب يشخر مفاجآت الحفل العالمي للعام 2018:الفائز الأكبر سناً في التاريخ وأول ممثل ذي بشرة سوداء يفوز بالأوسكار.. ترامب يهاجم أوبرا وينفري: خوضي الانتخابات حتى أفضحك وتُهزمي كالآخرين! ترامب في يهاجم أوبرا وينفري: خوضي الانتخابات حتى أفضحك وتُهزمي كالآخرين! ترامب في يهاجم أوبرا وينفري: خوضي الانتخابات حتى أفضحك وتُهزمي كالآخرين! اقسى صور العام  إذا كنت أقل وسامةً وتتصنَّع  13 سبباً نفسياً تفسر وقوع الآخرين في حبِّك متحف يرفض طلب ترامب استعارة لوحة لـ"فان غوخ" ويعرض عليه بدلاً منها مرحاض  صورة طائرة التجسس الاميركيه الاحدث أوبرا هل تهزمه وتصبح سيدة البيت الأبيض ؟ترامب سافوز ولااعتقد انها ستترشح