داريا.. قداسة وفخار بأهلها لا بالأحجار

رئيس التحرير
2019.06.26 21:17

أكثر أرض مقدسة في الدنيا على الإطلاق هي أرض الشام.. أرض التين والزيتون.. أَقسم بها الله جل شأنه، وإذا أقسم الجليل بشيء رفعه وقدّسه.. ولمّا أقسم بمكة البلد الأمين، قال هذا البلد الأمين و"هذا" اسم إشارة للقريب، والقرب في هذا الموضع له بُعدان، بعد مكاني وبُعد زماني: هذا بلدكم من حولكم يا مخاطبين، وهذا البلد الآن من قريب أصبح مباركاً، بعد أن بُعث محمّد فيه، ولم يكن من قبل على مثل ما أصبح بعد محمد صلى الله عليه وسلم..

أما تلك الأرض.. أرض التين والزيتون فقد افتتح الله القسم بها ولم يَحدّها بقرب، بل أطلق فيها البركة إلى عمق التاريخ وغابر الأزمان.

هذه هي أرض الشام المباركة عمّ في وصفها لقب "الشام الشريف" وورد في الآثار عنها أن كل الأنبياء بعثوا من الشام، فإن كانوا من غير الشام أسري بهم إلى الشام أو ارتحلوا إليها.

ولا يبارك الله أرضاً ويرفع من شأنها لما فيها من أنهار وسهول وجبال وأحجار، فكل ما في الأرض من خلق الله البديع العظيم.. إنّما يبارك الله ويرفع البلاد بفعل الناس وأخلاقهم واستجابتهم إلى الله ورسله، وإلى قيم الفضيلة والهدى، وهكذا كان أهل الشام على مر العصور: صدّقوا الرسالات واستجابوا للرسل وكانوا للأنبياء حواريين وأنصاراً وجنداً والتزموا بما أمر الله ونهى، حتى رضي عنهم وبارك أرضهم وأعطاها صفة البركة في كتابه فشرفها، وأقسم بها فقدّسها، ولا قدسية لشيء إلا منه وإليه جل شأنه.

ولا يزالون.. لا يزالون.. أهل الشام لا يزالون.. صفوتهم تستجيب وتنصر وتلبي وتصل الحاضر بالتاريخ وتحيي الأرض بعد موتها بإذن ربها وتطهرها من أسوأ رجس أصابها..

وداريا بؤبؤ عين الشام دمشق تُجسد ما نقول تماماً وتزيد.. أهل داريا استجابوا لثورة السوريين الفطرية، ولبّوا منذ الأيام الأولى صرخة الفزعة والكرامة والتحرر.

أهل داريّا لم يمنعهم قط عن الاستجابة أنهم في فوهة المدفع وقُرب وكر المجرمين الأكبر، وتحت مرمى حقد أعتى الحاقدين في التاريخ.. واستجابوا بقوة.
ثم لم توقفهم الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحقهم بل زادتهم إيماناً وصموداً.. وأطبق عليهم الحصار من كل جانب فلم يتزحزحوا أو يلينوا وكانوا خير عباد الله أجمعين.

السوريون المنتفضون في الثورة المباركة استحقوا أن يميزهم القائل فيقول "أشراف الشام الجدد"، وأهل داريا كانوا طليعة الأشراف واستحقوا منذ سنوات لقب "سادة أشراف الشام الجدد".

في داريّا لم يكن هناك سوى السوريين، حتى يقال إن دعم الرجال أتاها من وراء الحدود ولم يكن في إمكانياتها إلا ما غنمه رجالها من عدوهم، فلا يُقال إن دعم الداعمين أقام صمودها تلك السنين.

داريّا سجّلت اليوم في التاريخ النظيف رقماً قياسياً غير مسبوق في الصمود والبطولة والمجد.. رقما قياسياً يجمع الإمكانيات والتضحيات وعدد الصامدين وعدد وعدة وأفعال الحاقدين المُحاصِرين، فيصل إلى رقم يكاد لا يُصدق.

وليس للحجارة والأزقة والبساتين في داريا الفضل والبركة والصفات، إنما هي لأهل داريّا الكبار.. أهل داريا هم فخرها وبركتها وقدسيتها التي أتتها من ربها بفعل أبنائها: من دافع منهم وقاتل، ومن ناصر منهم ونصر، ومن آوى منهم وجهز وكفل.

وعندما يصل الحال إلى ما وصل إليه في داريا ويكون الخيار بين الحجارة وأهلها، فلا سبيل إلى التردد أبداً: أهلها هم عزّها وهم بركتها وهم المعنيون بكل الصفات التي رفعت بلدتهم وأدخلتها في المجد والفخار.

هل نفضل داريا على الداريّين؟.. لا أبداً، والذي لا يفقه شيئاً يُفضل الحجر على الإنسان.. وأي إنسان؟ إنه الذي جُرب وجُبل وأبدع وأذهل.. إنه ابن داريّا البطل.

وفي معركتنا لا نملك سوى الإنسان ونوعيته الخاصة الفريدة التي بها نصمد وبها سننتصر.. سنسعى لتكثُر الأعداد من هذه النوعية وتنتشر، ولن يميتنا أن نفقد أرضاً هنا أو هناك، فالصديق والعدو والكل يعلم أن الأرض نستعيدها متى شئنا بإذن الله إن تحضّر الإنسان.. نوعية الثائر السوري المؤمن المستجيب.

ومن خذل داريا والداريين إنما هم أتباع حزب "كنّا عايشين" وأتباع حزب "إنها فتنة ولا بد أن نعتزلها" وأتباع حزب "الراكنون المتفرجون" وأتباع حزب "الموك".. وأحزاب أخرى كلهم مع الميليشيات الطائفية قد شكلوا العدو.. عدواً من الأحزاب.. ولا يظنن أحد أن الأحزاب سينتصرون ولو كان بعضهم لبعض مدداً.. وكلهم بإذن الله مهزوم.. لا تظنوا الكلام خيالاً.. الدّاريون انتصروا وكل الأحزاب لم ينتصروا ولن ينتصروا.. كلهم مهزوم.. "جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة  لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

متابعة أسامة الملوحي


داريّا، نهاية بداية وبداية نهاية*
*عدنان عبد الرزاق -



لم يتألم السوريون ربما، خلال ثورتهم المستهدفة مذ شرارتها بالحريقة ودمها بدرعا وخنقها بالغوطة، كما على داريّا، رغم كم الويلات والخذلان والموت التهجير، فترى ما هو السبب الذي وضع تهجير سكان داريا ومقاتليها، وإلى إدلب تحديداً، بموقع التأريخ الجديد لثورة السوريين.

أعتقد أن لداريّا خصوصية، قلما امتلكتها مدينة أو منطقة ثائرة بسورية، فداريا من أسست لثورة الورود وهي من أسقت الجيش الأسدي الماء البارد وهي من قدمت دليل حسن النية، غياث مطر.

وداريّا من نأت عن الدخول بمشروعات تصفوية، رغم وقوع جوارها بفخ الاستسلام، إن من قبيل الهدن واتفاقات الإذعان، أو قبل ذلك من حالات التطييف والأسلمة والإمارات، بل حافظت على صوفية وشعارات الثورة الأولى، حتى وهي تذبح بالبراميل وخيانة الحلفاء.

ولداريا جغرافيا تميزها ربما عن بقية قرى ومدن الغوطة وريف دمشق، فهي على مرمى مدفع متوسط من مطار المزة وإليه، وكذا للقصر الرئاسي وأيضاً لمقر الفرقة الرابعة التي عجزت عن دخولها، رغم كل الحقد والتمويت، وربما ما يزيد من صفات هذه المدينة التي بات قتل تجربتها ضرورة مرحلية، تقتضيها التطورات الداخلية وحتى الإقليمية، أن فيها مجلسا محليا واحدا وربما كان لها قائد واحد، ولها على الدوام هدف واحد.
قصارى القول: قبل محاولات الوقوف على السؤال الأوجع ربما، لماذا تهجير سكان داريا إلى إدلب رغم أن المسافة تزيد عن 350 كلم وثمة مناطق كثيرة محررة قبل مدينة الزيتون. ثمة أسئلة أكثر إلحاحاً وإن كانت أقل إيلاماً.

لماذا يتم تهجير سكان المدن التي استعصت على الأسد، بعد ما يقال عن هدن، إن الزبداني أو حمص القديمة وأخيراً داريا، والغريب بالأمر أن التهجير يتم برعاية أممية، وأحياناً عبر مقايضة لبعض سوريين من هناك يعتنقون مذهباً سياسياً وروحياً مخالفاً لجوارهم، في مقابل استقدام آخرين، أيضاً يعتنقون مذاهب تتناسب مع مهاجرهم، من وجهة نظر الأسد والمشروع المقبل، والأمم المتحدة على الأقل.

ولماذا يؤثر نظام الأسد وعبيده، خلال تهجير السوريين من ديارهم، على إطلاق شعارات، كما التي سمعناها قبل يومين "بالروح بالدم نفديك يا بشار، الله سوريا وبشار وبس" وهل لهكذا صيحات وبهكذا توقيت، من أهداف، سوى تكريس الهدف الأولي الذي أعلنه الأسد الابن غير خجل منذ بداية الثورة، وهو تكريس الطائفية وتعميق العداء واختزال الوطن بأسرة أو شخص.

وأيضاً، لماذا تصمت جبهات بتوقيت مفصلي، رغم أن المنطق الثوري والحربي يتطلبان اشتعالها، لتوزع قوى وشرور الآخر، إن لم نقل إضعافه، ففي الفترة الأخيرة التي سبقت جريمة تهجير أهل داريا، لم نر أو نسمع نشاطاً يذكر لمؤازرتها، إن على جبهات درعا أو القنيطرة أو الأخت الغوطة الشرقية.

هل كان قبول مقاتلي داريا وأسرهم محافظة إدلب، اختياراً صائباً أم وحيداً، إن لجهة ما سيرتب عليه من تبعات، على صعيد ابعادهم عن أرضهم أو ما يمكن أن يعانوه في بيئة ثورية مخالفة بالمطلق، لأدائهم ومرجعياتهم وربما أهدافهم.

والآن، نذهب بمحاولاتنا للإجابة على السؤال الأساس، لماذا يتم اختيار إدلب، لتكون موطناً جديداً لمن يتم الاتفاق الدولي، على تهجيرهم من مناطقهم وأرضهم.

ربما لم يعد للتكهن من مكان، بعد اختيار المحافظة الوحيدة المحررة بسوريا، والمجاورة لتركيا، موطناً للمهجرين، كما لم يعد خافياً، أيضاً وبرعاية أممية، حالات التغيير الديموغرافي التي تشهدها سوريا، تحضيرا لحل توافقي ربما لم يعد بعيداً.

نهاية القول: قد يكون الفصل بين ما جرى بجرابلس وداريا ضعفا تحليليا، وربما يبدو إبعاد ما بدأت تلوح ملامحه على الساحة السورية، بعد التوافق والتكتلات الجديدة بالمنطقة، غباء.

وأيضاً، قد لا يستوي الحديث عن التغيرات السورية اليوم، عما بدأ يشاع من عودة المنطقة الآمنة برعاية تركية، وإن اختلفت الأبعاد أو الأهداف، بين طرحها قبل عامين، وأسباب ومرامي طرحها اليوم.

لذا، يبدو أن الإجهاز على داريا، لم يك بهدف تهجير 800 مقاتل وأسرهم فحسب، بل القصد قتل آخر حالة ثورية بخصوصيات تنفرد بها، لتبدأ حالة أخرى، اقتضتها المرحلة وتتناسب وما يحضر من صفقات حول سوريا، ربما تبقى الأسد وإن على سوريا مفيدة، لتبقى بقية سوريا، بين ضارة وكعكات مفتتة لأطراف تخيفهم الجغرافيا.

ليبقى السؤال الأخير معلقاً، هل وصل أهل داريا حقهم جراء التعاطف والنواح والأشعار التي قيلت ببطولاتهم، أم أن أهل داريا وأهل سوريا جميعهم، بحاجة لرجال على مستوى تبدلات الشروط والوعود والظروف، تبعدهم، من داريا حتى دير الزور، عن حلول قسرية يلعنون بعدها اليوم الذي ثاروا به على ظلم أسد واحد.

 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا