ï»؟

مات صادق جلال العظم وحلب العظيمة في نفس اليوم!!!المفكر النقدي وداعا.....

رئيس التحرير
2018.01.17 01:21

المفكر النقدي

صادق جلال العظم ، قامة فكرية وثقافية مهمة ، لعبت دوراً أساسياً في صياغة الوعي في سورية ، والمشرق ، بل في العالم العربي ...
منذ بداياته ، عند مجيئه من الولايات المتحدة الأمريكية ، وبدء الصدمة الفكرية الأولى في محاضرته " مأساة إبليس " في بداية الستينيات في دمشق ، حتى كتابه عن " ذهنية التحريم " ، مروراً بكتبه ودراساته التي انتقدت الفكر السائد ، السياسي ، والديني ، والإيديولوجي ...
حتى اليوم ، ظل " النقد " جوهر مقاربته الفكرية والمنهجية ، من أجل هز " اليقينيات " السائدة ، والدعوة إلى التخلص من ربقة " الأقانيم " ، و " الصنمية " ، في الفكر السياسي والإجتماعي ، والديني ، للوصول إلى حالة نفكير حديثة ، عقلانية ، معاصرة ، تفسير الظواهر والحوادث ، لاتبررها ، بل تدرجها في سياق تحليل نقدي " عقلاني " ، عميق وواعي ، من أجل استيعابها ، تمثلها ... وتجاوزها ...
لقد هزت كتب الأستاذ صادق ومواقفه ، العقول الخاملة ... والذهنيات الحفظية والأسطورية المتأخرة ، في العمق . وساهم في تربية جيل من المثقفين والإختصاصيين ، النقديين ، الذين مازالوا ، على طريق الأستاذ العظم ، في مسار البحث الفكري والفلسفي العقلاني.


صادق جلال العظم فقيد ثورة الحرية
12 ديسمبر,2016

وسط ما يعانيه الوطن السوري من جراحٍ عميقةٍ نازفةٍ مريرة، وفي خضم هذا الألم الذي تكابده كل ذرّة من تراب سوريا، بقلوب يعتصرها الألم الشديد، تنعى رابطة الكتّاب السوريين رئيسها وأحد اعمدة ثورة الحريّة والكرامة في سوريا، وأحد أبرز روّاد التنوير والفكر النقدي في العالم العربي، المفكّر السوري صادق جلال العظم، بعد معاناةٍ وصراعٍ شديدين مع المرض.

صادق جلال العظم، بما يمثله من إرثٍ فكريّ، نقديّ، تنويريّ كان وسيبقى تلك القامة الشامخة المشبعة بأسئلة الوجود والحياة والأمل فمنذ مطالع تجربته، اختار معترك الصراع في مواجهة الاستبداد الفكري والسياسي وكل أشكال الدوغما العقائديّة.

هذا الخيار المصيري، كان الاساس النظري والعملي لوقوفه نصيراً وظهيراً وسنداً وعضداً فكريّاً لثورة الحريّة والكرامة في سوريا على استبداد وفساد وإفساد نظام الطغيان الأسدي وكل الدائرين في فلك هذا النظام، بشكل مباشر أو بغيره. هذا الخيار الفكري والسياسي والثوري للعظم، كان يرعب نظام الاستبداد ومشايعيه وسدنته في حقول الثقافة والإعلام والسياسة على حدٍ سواء ولكن العظم لم يكترث بترّهات التشويه والتسفيه التي حاولت بعض الجهات ممارستها عليه، وبقي أميناً لقناعته ومتصالحاً مع أفكاره وحريصاً على استمرار توقّد سؤال التنوير لديه، وما يترتّب على ذلك من ممارسات وتطبيقات عمليّة حياتيّة تنسجم وتتواءم وسؤال التنوير هذا.

ومن هنا، يمكن فهم الخيار الثوري والنضالي والفكري الذي اتخذه العظم في دعمه ومساندته لثورة الحريّة والكرامة في سوريا. لقد خسرت رابطة الكتّاب السوريين وثورة الحريّة صادق جلال العظم جسداً، ولكن أعماله ستبقى إرثاً فكريّاً يساهم في خروج السوريين من جغرافيا الطغيان وتاريخه إلى حيّز الحرّية المنشودة.

لقد رحل أحد أبرز أعمدة الساحة الفكريّة والثقافيّة ولكنّ تجربته ستبقى مفخرة لكل السوريين وكل أنصار الفكري النقدي في العالم.

الطمأنينة والسلام والراحة الأبديّة لروح صادق جلال العظم والخلود لذكراه

العزاء الحار لأفراد أسرته ولرفاقه ومحبّيه ولكل أبناء الشعب السوري

رابطة الكتّاب السوريين

وكان الفقيد قد تعرض

لمحاولة اغتيال معنوية جديدة لرئيس رابطة الكتاب السوريين الدكتور صادق جلال العظم

 

ورد في عدد الأربعاء  2016/12/7 من صحيفة “النهار” اللبنانية خبر ينعي الدكتور صادق جلال العظم، المفكر والكاتب الكبير رئيس رابطة الكتاب السوريين، ويضيف إلى ذلك، ادعاءً فيه: ان العظم “أسر إلى عدد من أصدقائه” وهو على سرير مرضه، أنه نادم على تأييده للثورة السورية، وأن هؤلاء “الأصدقاء” لديهم “تسجيل يؤكد هذا القول”.

تودّ رابطة الكتاب السوريين أن تؤكد مجدداً أن الدكتور العظم حيّ يرزق، لكنّه، كما ذَكرت في بيانها السابق في شأن وضعه الصحي، يعاني من حال صحية حرجة.

لا يبرهن “خبر” الصحيفة إلا على هبوط مريع في صدقية بعض منابر الصحافة، إذ لم يكلف كاتبه نفسه الاتصال بالرابطة التي يرأسها العظم للاستفسار، ولا  بعائلته التي تشرف على أحواله للتأكد، وهو فوق ذلك، تجرأ على القيام بمحاولة اغتيال معنوية وسياسية وفكرية من خلال هذر لا صحة له منسوب الى “أصدقاء”، واعتمد لكذبه تسجيلاً مزعوماً.

إن رابطة الكتاب السوريين تأسف للترويج لمثل هذه الاشاعات بحق مفكر كبير هو الدكتور صادق جلال العظم فهذه محاولات أجهزة القمع المخابراتية لا مهنية جريدة مرموقة مثل “النهار”.

وتؤكد رابطة الكتّاب السوريين أنه خلال الفترة التي تلت خروج الدكتور العظم من عمليته الجراحية لم يتلقَّ سوى زيارتين من أشخاص مقربين من رابطة الكتاب السوريين ومن اتجاهها الفكري والسياسي، وأنه خلال هاتين الزيارتين، لم يقم العظم بالإدلاء بأيّ تصريحات، واقتصرت كلماته القليلة على الترحيب بزائريه.

تود الرابطة، إضافة إلى تكذيبها الخبر وإدانتها للادعاءات التي يتضمّنها، أن تناشد وسائل الإعلام تحري الدقة، وتهيب بالجهات الإعلامية الراغبة بإعطاء صدقية لأي خبر عن رئيسها الدكتور صادق جلال العظم الاتصال بها، إن لم يكن من أجل الصدقية المهنية أو تقديراً لتاريخ وتراث المفكر الكبير، فليكن لاحترام عقل القارئ.

كما تؤكّد الرابطة أن أخباراً من هذا النوع تصبّ في إطار الاغتيال المعنوي لتاريخ طويل من النضال ضد الاستبداد الفكري والسياسي الذي يمثله الدكتور العظم، كما تصب، للأسف، في بوتقة الجهد الحربي للنظام المجرم الذي أباد وهجّر شعبه ودمّر مدن السوريين وباع سيادتهم ليحافظ على كرسي طغيانه.

 

صادق جلال العظم (1) : نحو فكّ ارتباط ثقافتنا بالخرافة

صادق جلال العظم (1) : نحو فكّ ارتباط ثقافتنا بالخرافة

أُجري هذا الحوار المطوَّل مع المفكر السوري صادق جلال العظم في شهر نيسان/إبريل 2016، نُشرت ترجمته الإنكليزية في العدد الأول من مجلة "A Syrious Look" الصادرة في برلين في تشرين الثاني/نوفمبر 2016. تنفرد "ضفة ثالثة" بنشر النص العربي للحوار مع العظم، الذي أجراه زياد عدوان ومحمد أبو لبن، بناء على اتفاق خاص مع هيئة تحرير المجلة.

هنا حلقة أولى :

- لنبدأ من تسعينات القرن المنصرم، عندما كنت أستاذاً ورئيساً لقسم الفلسفة في جامعة دمشق، وكنا طلاباً في قسم الفلسفة ومعهد الفنون المسرحية، أُقيم في ذلك الوقت الأسبوع الثقافي، وكان حدثاً استثنائياً في مدينة راكدة كدمشق. لماذا سمح لكم النظام وقتها بإقامة فعالية كهذه؟

صادق العظم: تلك كانت فترة ذهبية، بمعنى ما؛ كان حامد خليل عميداً لكلية الآداب وأنا رئيساً لقسم الفلسفة. نتحدث عن منتصف التسعينيات، كان الأسبوع أمراً كبيراً جداً وقتها في سورية، لم يحتملونا أكثر من خمس سنوات. لم يستطيعوا أن يلغوه ولكنهم طردوا حامد خليل من عمادة الكلية وطردوني من رئاسة القسم. وكما تعرف فإن النشاطات في سورية كانت مرتكزة على نشاط ومبادرة أشخاص، فكان طردنا كفيلاً بتعطيل الأسبوع الثقافي. أتذكر أنه في بعض المحاضرات كانت كثافة الحضور تملأ المدرجات. أتذكر السنة التي أتى فيها نصر حامد أبو زيد؛ كانت تلك المرة الأولى التي يعود فيها أبو زيد إلى العالم العربي بعد لجوئه إلى هولندا، كنا نحن من دعوناه إلى دمشق، اضطررنا يومها إلى وضع مكبرات صوت كبيرة خارج القاعة وشاشات تلفزيون ليتابع الحضور الذين لم يجدوا لهم مكاناً في قاعة المحاضرات. كان ذلك سنة 1999، بعدها ذهبت إلى هارفرد وبعدها بقليل توفي حامد خليل في 2001.

لا أستطيع أن أجزم عن سبب سماحهم لنا بإقامة الأسبوع، ولكننا في نهاية الأمر في جامعة، والجامعة هي المكان لإقامة محاضرات وفعالياتٍ من هذا النوع. وقتها كان حافظ الأسد قد بدأ بالتواصل ومحاورة المثقفين في البلد. حاولوا فرض سيطرتهم علينا، ولكنهم لم يستطيعوا. أتذكر كيف أتى إلي ضابط الأمن معاتباً كيف لا أقول كلمةً في حق الرئيس في أسبوعٍ كهذا. طبعاً لم نقل شيئاً من ذلك. في مرةٍ أخرى دعانا علي دوبا (رئيس شعبة المخابرات العسكرية) إلى الغداء. كنا نستضيف في الأسبوع الثقافي رفعت السعيد ومحمود أمين العالم اللذين يعتبران معارضةً مصرية. كنت متعباً يومها بعد انتهاء الجلسة الصباحية من النقاش، كانت أيام الأسبوع مقسمة إلى جلسة صباحية وأخرى مسائية، كنت أرتاح بين الجلستين عندما رنّ الهاتف وإذا بعلي دوبا يدعونا إلى نادي الشرق. لم نستطع التملص فذهبنا، ولكننا بقينا عند موقفنا أننا نعمل في الثقافة والفكر، وهذا ليس سبباً لتقديم الشكر لحافظ الأسد في الأسبوع الثقافي.

- كان كتابك (النقد الذاتي بعد الهزيمة) منصباً على نقد النخب السياسية وعبد الناصر والأخوان المسلمين، وعلى نقد أفكارهم الشمولية وعلاقتهم بفكرة الحرية. بمعنى آخر، لم يكن الكتاب نقداً ذاتياً لأفكارك، بل كان نقداً لنخب لا تشبه تفكيرك، كالقوميين والإسلاميين. هل هناك نقد ذاتي لفترة الستينيات وللفترة الراهنة، نقد ذاتي للأفكار التي تطمح إلى مجتمع مدني متحرر وقيم الديمقراطية؟

صادق العظم: النقد الذاتي بعد الهزيمة كان كتاباً عن اللحظة القائمة في ذلك الوقت، كُتب تحت وقع الهزيمة. كنا وقتها نعدّ الدبابات والطائرات، كم يملكون وكم نملك.. أبعد تصور كان وقتها (كانت الحرب الباكستانية الهندية قد وقعت قبل ذلك بقليل، نشبت الحرب طاحنة بين الطرفين حتى تدخل الأميركيون وفرضوا وقفاً لإطلاق النار) كنت أرجّح وقتها أن ما سيحدث سيكون مشابهاً لمثال الحرب الباكستانية الهندية؛ سنتحارب مع إسرائيل وسيتدخل الكبار ليفرضوا وقفاً لإطلاق النار ويرتبوا الوضع من جديد. عندما كنت أتحدث عن هذا التصور في ذلك الوقت كنت أعتبر انهزامياً ومتشائماً في حلقات دمشق وبيروت، بسبب الحماس العام للحظة تحرير فلسطين، كان الفلسطينيون وقتها يقولون: سنشم رائحة بيارات البرتقال. لقد كانت لحظة جنون من عبد الناصر؛ كان نصف جيشه في اليمن وذهب ليستفز إسرائيل، عبد الناصر من استفزهم عندما حرّك جيشه في سيناء. كانت المبادرة منه. لم يخطر في بالنا وقتها أن نسأل. تخيّل ما حل بتلك الحماسة والآمال العالية، لقد سقطت إلى أسفل السافلين بعد الهزيمة. كانت تلك اللحظة هي التي كُتب فيها الكتاب.

نوع النقد الذي تسأل عنه غائب في الكتاب، ولكن هناك نقد للنخب المثقفة من القوميين العرب، والناصريين، ويساريي تلك الفترة الذين كانوا يعتبرون أنفسهم ثوريين. هناك نقد لتلك الثورية، فهي ثورية على المستوى السياسي فقط، ولكن عندما يأتي الأمر إلى القضايا الاجتماعية والعائلية لا تجد تطبيقاً لتلك الثورية عند تلك النخب. وهناك كان التساؤل: إن كنتم تعتبرون أنفسكم ثائرين، فعلى ماذا أنتم ثائرون؟ على الاستعمار فقط؟ هذه هي النقطة الأساسية التي تجد فيها نقداً ذاتياً.

كتاب (النقد الذاتي بعد الهزيمة) هو نقد أيضاً لمنظومة ما كان يسمى الفئات البرجوازية الصغيرة. ومن هذا المنطلق لا أرى نفسي بعيداً عن هذه المنظومة. ومن منطق البرجوازية الصغيرة، أردت أن تكون هناك بقية باقية من أمل في الكتاب. كان هناك أمل بأن تستطيع هذه التركيبة الشعبوية الاشتراكية العربية أن تُرمم نفسها.

الدرس المصر والدرس التونسي

- إن أردنا سحب الملاحظة الأخيرة حول نقد الطبقات الاجتماعية البرجوازية أو الوسطى لقيمها الاجتماعية أو العائلية أو الدينية، إن أردنا أن نسحب هذا التقييم على لحظتنا الراهنة، هل سنجد مراجعة نقدية لهذه القيم؟ هل فرض الحراك السوري من 2011 إلى الآن مراجعة اجتماعية دينية فكرية للهوية السورية؟

صادق العظم: رأيت بعض الظواهر في المرحلة الأولى، مرحلة الحراك المدني، والتي لم نكن معتادين عليها، ولم نكن نعرفها في السابق في المظاهرات والاحتجاجات، دخل الغرافيتي والنكتة والرقصة. هذا شيء جديد. هناك أيضاً فكرة التنسيقيات؛ فكرة أن يتجمع شباب وينشئوا وكالة أنباء محلية. كل هذا كان جديداً. حتى شكل الجموع التي كانت موجودة، كنت ترى ابتسامة على وجوه الناس. هذا ما أتذكر أنني قلته لزياد وقتها، كنت تستطيع أن ترى الإشراق على الوجوه. في السابق كنت ترى الغضب والعبوس. إن قارنت صور المظاهرات السورية الآن مع مظاهرات الخمسينيات ومظاهرات فلسطين سترى الفارق. لكن ما أراه أن الأنظمة التي رُتِّـبت في المنطقة في مرحلة ما بعد الاستعمار والحركات التي ازدهرت خلال الحرب الباردة ذات الطابع العالم ثالثي، كلها ذات طابع راكد، أما الآن فأظن أن هناك أنظمة جديدة ستظهر، هناك صراع واضح يطوّرها؛ دخل الإسلاميون ليمسكوا هذا الحراك وهناك من يقاوم تدخلهم هذا. التدين العفوي موجود عند الناس في المنطقة، وهذا ما يقوم الإسلاميون بأدلجته وتسييسه وتحويله إلى طاقة تعبوية، لكنهم لم يستطيعوا الذهاب أبعد من هذا. عندما حاولوا ذلك فشلوا، مصر مثال على ذلك، بينما تعلمت تونس الدرس من مصر، فأخذ الإسلاميون فيها خطوات نحو الخلف. الإسلاميون استنفروا الدين الشعبي المتمركز أساساً حول العبادات والمعاملات، طبعاً في بلادنا لا يوجد أفضل من الدين لتعبئة الناس نحو الصراع والقتال.

- هل النموذج السوري مختلف عن نماذج مصر وتونس والجزائر، ربما بسبب شكل التنوع الطائفي؟

صادق العظم: بمعنى أن الطوائف عبّأت نفسها ضد بعضها، لا أرى صراعاً طائفياً في سورية. لم يحدث مثلاً أن عبّأ الدروز أنفسهم ضد الحوارنة، على عكس ما حدث في لبنان والعراق. في سورية بقي الحزب والدولة القوى الفاعلة، وعمودها الفقري هو الطائفة العلوية، بينما العمود الفقري للثورة هم السنّة، هذا لا شك فيه. ولكن أن نقول إن مكونات الشعب السوري قد عبّأت نفسها ضد بعضها بعضاً فلا أظن أن هذه الصورة منطبقة على سورية بقدر ما هي منطبقة على العراق. في العراق، تم حل الدولة والحزب من قبل أميركا وبقي الأكراد والشيعة والسنّة في مواجهة بعضهم بعضاً. في لبنان، لم تكن هناك دولة أساساً، ربما ما عدا المرحلة الأولى، مرحلة فرنجية، لكن المكونات اللبنانية كانت معبّأة ضد بعضها بعضاً، خصوصاً الدروز والموارنة والفلسطينيين والشيعة.


"هزيمة 67 لتخلق فراغاً ثقافياً وأيديولوجياً وسياسياً. هذا الفراغ ملأه التيار الديني، وأعتبر أن هذا القطع الفجائي هو الذي منع حركة جيل الستينيات من أن تُعطي نتائجها، أو أن تموت ميتةً طبيعية مثل حركة مناهضة الحرب في أميركا التي ماتت ميتةً طبيعية عندما انتهت حرب فيتنام. حتى الحركة الشيوعية والاشتراكية ماتت ميتةً طبيعية أيضاً وليس على طريقة الانقطاع الذي حصل لدينا."

هذه ميزة لسورية. عندما أُسأل هنا في أوروبا عما يجري في سورية أقول لهم إن أردتم نموذجاً لتفهموا من خلاله تذكروا الانتفاضة المسلحة في المجر سنة 1956 ضد الحكم الستاليني، لم يقل أحدٌ وقتها إن ما يجري هو حرب أهلية، قالوا إنها انتفاضة ضد حكم ستاليني، ما يحدث في سورية شبيه لما حدث في المجر وقتها؛ انتفاضة أو ثورة ضد مزيج من الحكم الستاليني والفاشي.

فرغ سدّه التيار الديني

- أريد أن أسألك عن مرحلة الستينيات. أينما ذهبت هناك جيل الستينيات، من أيام غيفارا إلى فيتنام إلى وودستوك وحركة الروك، في اليابان، في باريس، وفي منطقتنا أيضاً. حصل جيل الستينيات في دول العالم على مكاسب مهمة، إلا جيل الستينيات العربي كان هو الذي مُني بالهزيمة الأقسى على جميع المستويات. أنتجت تلك الهزيمة دكتاتوريات العالم العربي وظهور التيارات الإسلامية، خسرنا فلسطين كاملة وأجزاءً من بلاد عربية أخرى، هل كانت الستينيات في العالم العربية حركة أصيلة؟

صادق العظم: هذا يعتمد على ما تقصده بكلمة أصيلة. كانت شيئاً جدياً، مثلاً على مستوى الأدب كان هناك شيءٌ ما بالتأكيد، في سورية ومصر على سبيل المثال. كانت هناك حركة على الصعيد السياسي لدى جيل الستينيات منها مسألة فلسطين والنضال ضد الاستعمار وتفكيكه، الجزائر وحرب التحرير... إلخ. هذه الحركة لم تستمر ولم تمت ميتةً طبيعية، لقد بترت بشكل فج تماماً ولم تُعطِ ثمارها، أتت هزيمة 67 لتخلق فراغاً ثقافياً وأيديولوجياً وسياسياً. هذا الفراغ ملأه التيار الديني، وأعتبر أن هذا القطع الفجائي هو الذي منع حركة جيل الستينيات من أن تُعطي نتائجها، أو أن تموت ميتةً طبيعية مثل حركة مناهضة الحرب في أميركا التي ماتت ميتةً طبيعية عندما انتهت حرب فيتنام. حتى الحركة الشيوعية والاشتراكية ماتت ميتةً طبيعية أيضاً وليس على طريقة الانقطاع الذي حصل لدينا.

ولكن هنا يجب أن ننتبه إلى مسألة تصب أيضاً في أزمة الفكر الديني، فمثلاً عندما وصلت الشيوعية إلى مرحلة الانسداد في السبعينيات والثمانينيات أفرزت عنفاً إرهابياً مثل الألوية الحمراء في إيطاليا وأكسيون ديركت في فرنسا والجيش الأحمر في اليابان. عندما وصلت الشيوعية إلى نقطة الانسداد التاريخي خرجت قوى اعتقدت أنها عبر العنف تستطيع كسر حالة الانسداد تلك وتحريك المجتمع وتحريك موقف الأحزاب الشيوعية الانتظاري الذين كانوا ينتظرون أن تنضج الظروف الموضوعية. الشيء ذاته حصل مع الإخوان المسلمين كانوا أيضاً ينتظرون أن تنضج الظروف التي تُعيد الخلافة، وهناك دائماً أشخاص ينفد صبرهم سريعاً. لدي تصور حول العنف الذي تستخدمه داعش، بأنه موازٍ للإحساس بالانسداد والأزمة. كل محاولة من الإسلاميين تبوء بالفشل، وكلما فشلوا كان التصعيد أعنف. يعتقدون أنهم إذا زادوا العنف هذه المرة سيحصلون على نتائج مختلفة. إنها طريقة أرييل شارون؛ "ما لا تستطيع تحقيقه بالقوة يمكنك تحقيقه بقوةٍ أشد" هم يسيرون على هذا السياق. هذا يبدو واضحاً عند النظر إلى تاريخ عنف الجماعات الإسلامية وإلى عنف القاعدة الدولي إلى إعلان الخلافة.

- سأل النظام السوري ما هي هذه الحرية التي تريدونها؟ جيجيك يسخر من مسألة الحرية في الغرب ويقول إنها أمرٌ مجزّأ. وهناك ملاحظة يوردها الكثير من الناشطين السوريين عن أيام المظاهرات في سورية: كنت تستطيع الحديث في أماكن التظاهر عن أي شيء على المستوى السياسي من دون أن تثير أي تحفظ اجتماعي، ولكنك ستجد حتماً المنطق المحافظ في التعامل مع الأنثى أو مع تعاطي الكحول، إضافة إلى حضور الرمز الإسلامي في المظاهرات، في الوقت نفسه ستجد عند النظام انفتاحاً في التعامل مع الأنثى وغياباً للرمز الإسلامي في مناطق سيطرة النظام. هل يتجزأ مفهوم الحرية؟

صادق العظم: هذا مستوىً معقد من التعاطي مع مسألة الحرية. فعندما يتحدث العبد عن مسألة الحرية شيء وعندما يتحدث عنها الحر شيء آخر. عندما تتحدث عن شيءٍ زائف في الحريات في أوروبا هذا نوع من النقد الذاتي لطبيعة الحياة هنا. إنه أمرٌ معقد، ومقارنة غير عادلة أن نطلب المقارنة بين الحرية الأوروبية ومطلب الحرية في العالم العربي. مثلاً بالنسبة لسورية كان يكفي أن تنزل المخابرات عن ظهرنا حتى نشعر أننا أحرار!

بلورة آليات جديدة

- هل فكرة الثورة الآن هي نفسها التي كانت موجودة خلال القرن العشرين؟ أشعر أن المفردات التي في قاموسنا قاصرة عن توصيف ما يجري. في السابق كنا نتحدث عن العمال والفلاحين والطبقات الكادحة كالحوامل الأساسية للثورة، أما الآن فالمهمشون هم الحامل الأساسي. نحن الآن أيضاً في عصر التواصل الاجتماعي الافتراضي والذي سينتج بالضرورة علاقات وحركات مختلفة عما سبق. وبالذهاب إلى مستوىً أبعد في السؤال، هل نستطيع فهم داعش بأدوات التحليل التي لدينا أم أننا نحتاج لأدوات تحليل جديدة؟

صادق العظم: ما زالنا نبحث عن الأفكار والمفاهيم التي يمكن أن تعبّر أو تستوعب ما يجري بشكل مطابق أو قريب لما يجري، ولكن في الوقت نفسه أنا لا أريد أن أختزل ما يحدث فقط لمجال الإنترنت وفيسبوك. تقوم الانتفاضات أو الثورات في كل مرحلة باستخدام الأدوات المتوفرة. أيام الخميني استخدموا الكاسيت، كانوا يتحدثون عن الكاسيت كأنه السبب في الثورة الإسلامية الإيرانية، قبل الكاسيت كانت جريدة الحزب. ولكننا بحاجة لبلورة آليات جديدة للتعاطي مع الواقع الجديد.

ولكن ما أعتبره أهم من داعش أو القاعدة، كمنشأ تاريخي، هي الجماعات في مصر التي بدأت في الثمانينيات، تلك المستندة في تأسيسها على كتب وتنظيرات سيد قطب وعبد السلام فرج (الفريضة الغائبة) وشكري مصطفى (التكفير والهجرة) أعتقد أن التنظير للحركة الإسلامية عند هؤلاء أعلى مستوى من بضاعة داعش أو القاعدة. عند جماعة داعش خرج أحدهم بكتاب اسمه (إدارة التوحش) يحكون بشكل علني عن التوحش، هذا تنظير للتوحش والمراحل التي يمر بها.

أرى أن هذه الظاهرة برمتها هي رد دفاعي على الحداثة، إنها مزيج من الحركة الرومانسية وحركة إصلاح الكنيسة. تستطيع أن تقرأ سؤالاً بين أسطر منظري الجماعات الإسلامية: إن استمرت حياتنا على هذا الشكل، فما الذي يمنع أن يحل بالإسلام ما حلّ بالمسيحية في أوروبا؟ هل سيخرج الدين كلياً من الحياة العامة وضبط حياة الأفراد والناس؟

لنضع الأمر بشكل نظري أكثر؛ نجد عند ماكس فيبر نظرية نزع السحر عن العلم، مفادها بأن العالم الحديث قد تحرر من الخرافة. تستطيع أن تجد الفكرة نفسها عند غوته في فاوست؛ باع الغرب روحه المسيحية مقابل السيطرة على العالم المادي. ما أعتقده أن مزيجاً من الرأسمالية والحداثة والعلم كفيل بتحرير أي ثقافة من الخرافة، وما أجده أن التحرر أو فك الارتباط هذا يجري على قدم وساق حتى في منطقتنا.

- يقال إن ما حمل روح عصر النهضة الأوروبية هي أسئلة شخصيات أدبية مثل فاوست ودون جوان ودون كيشوت وسانشو وهاملت. كلها أعمال أدبية كانت عناوينها هي أسماء الشخصيات ذاتها. لماذا لم تستطع النهضة وحركة الفكر العربية أن تخلق شخصية تحمل أسئلتها الوجودية؟

صادق العظم: عصر النهضة في أوروبا يعتبر بداية عصر الفردية وتفكك الهويات الجمعية، المثال الأوضح على هذا هو مسرحية روميو وجولييت لشكسبير، كانت بداية الحب الفردي خارج الترتيبات العشائرية والقبلية، كانت فجر القرار الفردي، كان هذا موثقاً في تلك المسرحية. حدث لدينا شيءٌ مشابه، ولكن ككل شيءٍ آخر بقي باهتاً وفي نطاق ضيق. هناك مثال توفيق الحكيم "يوميات نائب في الأرياف". ظهر في مدينة القاهرة شيءٌ اسمه القانون المدني وفكرة المحاكم. ويتحدث الحكيم عن شخصية هي النائب عن المدعي العام إلى الريف لتطبيق القانون المدني على مجتمع ريفي محكوم بما يسمى الأعراف والعادات والتقاليد. يُظهر توفيق الحكيم المهازل التي تحدث مع الشخصية وفي الوقت نفسه يظُهر كيف أن فكرة القانون المدني تغزو الريف ببطء وتحل محل الأعراف والعادات والشريعة. يمكننا اعتبار "نائب في الأرياف" بداية لهذه الفكرة. في تقديري لم يكن توفيق الحكيم واعياً لهذا الأمر، كان يسجل تجاربه الحياتية كأديب، ولكنني الآن وبنظرة استعادية إلى هذه التجارب، أرى كيف شكلت هذه الرواية وأمثلة أخرى سجلاً لامتداد القانون المدني إلى الريف وحلوله مكان ما كان موجوداً هناك من عادات تقليدية. طبعاً هناك قوى ستقاوم هذا الأمر وسيُخلق الصراع. نجيب محفوظ أيضاً لديه الكثير من هذا، إن قراءة من هذا النوع لأعمال نجيب محفوظ ستظهر لنا الكثير من جوانب هذا الصراع.

- عندما نتحدث عن عصر النهضة العربي في أواخر القرن التاسع عشر أو مرحلة الستينيات نجد أن النخب المثقفة والمفكرين لدينا على قطيعة أو عدم اطلاع كافٍ على المنجز العلمي. فعصر النهضة العربي فاقد للعلاقة أو قليل الاطلاع على منجز التطور العلمي كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك.

صادق العظم: لولا الثورة العلمية في القرن السابع عشر لبقيت النهضة الأوروبية في حدود الرسم والإنسانيات والنثر والشعر والموسيقى. الثورة العلمية استوعبت كل ذلك ونقلته إلى مستوىً آخر. وما هو غائب كلياً في النهضة العربية هو بالتحديد العلم. هناك كتابات كثيرة عن العلم وأهميته، ولكنها كتابة على طريقة شهرزاد. والنقطة المهمة في هذا الأمر هي أن العالمين العربي والإسلامي لم ينتجا خلال السنوات الألف الماضية معرفة ما في الطبيعة أو المجتمع أو الإنسان أو الفلك. ليس هناك إنتاج للمعرفة. فعصر النهضة العربي كان مليئاً بالكثير من الأفكار بعضها تطوّر، ولكن الفكرة الوحيدة التي لم تتطور هي الفكرة العلمية. وأعتقد أن جماعة الدين والمشايخ قد حاربوا هذه الفكرة. تحمل النصوص التي تحدثت عنها في مصر ازدراءً واحتقاراً للعلم، حتى إن شكري مصطفى يقول بما معناه أن النبي كان أميّاً، لم يكن مهتماً بالرياضيات أو الفلك أو ما شابه، ونحن أمة أميّة لا نحتاج لأكثر من الإسلام.. هذا نصٌ صريح. هذا خوف واضح من العلم الحديث.

منشور سابقاً في : العربي الجديد



موقفه من الغرب يتجاوز الدهشة إلى المعرفة

رجاء بن سلامة

لم يجامل، ولم يتب عن الحرّيّة، ولم يقتصر تحرّره على التّمارين النظريّة والمنهجيّة. ثلاث أدوات جزم («لم») ألخّص بها السّمات التي أراها في الأستاذ صادق جلال العظم، كما قرأت له، ثمّ كما التقيت به في إطار «رابطة العقلانيّين العرب»، أو غير ذلك. وقد تعمّدت هذا النّفي، وهذا الوصف السّلبيّ لأنّني لا أدّعي في مساحة هذه الشّهادة أيّ نوع من الاستيعاب أو الإحاطة.
أنتمي إلى جيل قرأ «في نقد الفكر الدّينيّ»، ولهج بذكر ما جاء فيه عن تمرّد إبليس ومأساته، كما قرأ «الثّالوث المحرّم» لبو علي ياسين. كان هناك طلبة إسلاميّون لهم مراجع أخرى، بطبيعة الحال. ولكن أظنّ أنّ الكتابين المذكورين كانا ضروريّين في زاد الطّالب «المثقّف» أو المسيّس آنذاك، أضيف إليهما بعض نصوص العفيف الأخضر، وبعض الأدبيّات الماركسيّة أو نصوص «مبدعي الأوضاع» أحيانا. وأقصد بالطّالب المثقّف من «يحلّل ويناقش»، ويأخذ الكلمة في مكان شبه عموميّ هو ساحة الجامعة.
لكنّ الجامعة فضاء يبقى مخمليّا ومحميّا بهامشيّته السّياسيّة من «معترك» الحياة والسّياسة. فداخل الجامعة لم نكد نشعر بالمدّ الأصوليّ الجارف الذي جاء بحلول الثّمانينات. أحرقت «ألف ليلة وليلة» في القاهرة سنة 1985، ونشطت الرّقابة الأزهريّة نشاطا لا مثيل له، وظهر بالسعوديّة كتاب يكفّر كلّ المفكّرين العرب، أحياء وأمواتا، مسلمين ونصارى. ثمّ انفجرت قضيّة «الآيات الشّيطانيّة» وما حفّ بها من مجازر استهدفت النّاشرين والمترجمين. وجاءت التّسعينات بمقتل فرج فودة، وطعن نجيب محفوظ، وتحوّلت الجزائر إلى مقبرة كبرى للكتّاب والمبدعين.
تزامن دخولي الجامعة مع أزمة «الآيات الشّيطانيّة». وأذكر أنّني عدت بخفّي حنين عندما أخذت أجمع تواقيع الجامعيّين سنة 1989 على بيان يساند سلمان رشدي ضدّ الفتوى الخمينيّة التي تهدر دمه. وأذكر خيبتي من عدد كبير من المفكّرين ظننتهم بعيدين عن الخوف الغوغائيّ على الهويّة وعلى ضياع الأصل. ولم يخب ظنّي في ناقد «بؤس الفكر الدّينيّ». فقد كان من المائة الذين ساهموا في كتاب «مع رشدي» وقد صدر بالفرنسيّة سنة 1993. ثمّ قرأت له بعد ذلك بالعربيّة عن «ذهنيّة التّحريم: سلمان رشدي وحقيقة الأدب»، و«ما بعد ذهنيّة التّحريم».
صمد صاحب «نقد الفكر الدّينيّ» أمام شيوخ التّكفير وآلة الرّقابة الدّينيّة والأخلاقويّة التي تتّخذ من أدواتها القتل أحيانا، والمحو والطّمس دائما. فلم يصمت ولم يعلن عن توبته، ولم يلذ إلى كتب التّراث يكتشف روعتها مثلما فعل الكثير من روّاد النّهضة احتماء من المدّ الأصوليّ التّقليديّ الأوّل الذي رأيناه في النّصف الأوّل من القرن العشرين، ولم يتراجع عن تسمية القطّ قطّا، ولم يعتبر العلمانيّة غير ملائمة للعرب والمسلمين. فالنّظام العربيّ الذي انتصب مع هزيمة 1967 ومع الطّفرة النّفطيّة كان يحمل معه الكثير من الإغراءات التي يمكن أن تحوّل «بؤس الفكر الدّينيّ» إلى نعيم هوويّ وترف توفّره مؤسّسات هذا النّظام من جوائز ومنابر ومراكز ثقافيّة وبحثيّة.
من أين استمدّ العظم هذه الأنفة الفكريّة؟
عندما بدأت أعدّ أطروحتي عن العشق والكتابة، اكتشفت كتاب «في الحبّ والحبّ العذريّ»، ووجدت فيه قطعة نابضة بالحياة والتّوق إلى التّحرّر الفرديّ، وكأنّه تعبيرة عربيّة عن ثورة مايّو/ أيّار 68، أو كأنّه يعبّر عمّا يمكن تسميته بـ«الحداثة العشقيّة».
فصادق جلال العظم لم يهتمّ فحسب بالمادّيّة التّاريخيّة وبالقضايا المعرفيّة والمنهجيّة على نحو يقصي الذّاتيّة، ويعوّض النّفسيّ بالأبستمولوجيّ نهائيّا، وكأنّ الإنسان عقل لا نفس، ووعي بلا لاوعي، أو كأنّ قضايا العرب تتلخّص فيما سمّي بـ»العقل العربيّ» أو «العقل الإسلاميّ». لقد اهتمّ بالذّات وجسدها وبالجسد ومعيشه النّفسيّ، وبأهمّ ما يعصف بهذه الذّات من شوق ودوافع غريزيّة، وأهمّ ما يكبّلها من كبت وشعور بالذّنب. فكان هذا الكتيّب الذي يعرّي وهم الحبّ بقدر ما يحتفي به، كما يفضح أسطورة الحبّ العذريّ التي استخدمها العرب المحدثون ليسقطوا عليها صفويّتهم الأخلاقويّة المكتسبة حديثا. فقد رأى في الحبّ العذريّ «حالة مرضيّة متغلغلة في نفس العاشق وتتبيّن في ولعه بسقمه وهزاله وحرمانه وتلذّذه بألمه وشقائه وتعاسته واستمتاعه بحرقة الشّوق الذي لا أمل في إشباعه»، وهي حالة مرتبطة بالوضعيّة السّادومازيشيّة المعنويّة، أي بالمتعة بلعب دوري الضّحيّة والجلاّد.
فانهارت بذلك أسطورة «الحبّ» الخالد الذي تبيّن أنّه حبّ للكره أو نوع من تنظيم منع الحبيبة، والإيهام بأنّ القوم يمنعونها في نطاق قانون تبادل النّساء.
وفي سنة 2009، نشر موقع الأوان حوارا للأستاذ صادق جلال العظم، أجراه معه الأستاذ خلدون النّبوانيّ، وهو أحد طلبته السّابقين في جامعة دمشق. سأله خلدون: «… بعد هذه الرحلة الأوديسيّة التي حارب فيها عوليس/ العظم الوحوش الخرافية وغضب الآلهة وتنقل فيها عبر كل بحار العالم وعرف في رحلته نساء كاليبسو، هل عرف هذا البحّار أخيراً الطريق إلى أحضان بينلوب وإلى دروب إيثاكا؟» فقرأت في الحوار هذا الجواب الذي أدهشني: «أسافر وأبحر كثيراً ولكنني أعود. لذلك ليس لدي إيثاكا تنتظرني، وإذا استخدمتُ تعبير فرويد أقول أيضاً لا أريد بالتأكيد العودة إلى الرحم الأول حيث السكينة والسلام. ليس هذا هدفي أو ما أطمح إليه أو أريده. لذا لا «أحنّ إلى خبز أمي» لأنني قطعت حبل السرة منذ زمن طويل كما قتلت آباء السماء والأرض جميعاً في داخلي لحظة الرشد والنضج والرجولة والاستقلال. ما يهمني هو الإسهام في الثقافة المعاصرة وبخاصة الثقافة العربية التي أريد لها أن تكون ثقافة حية، ثقافة تجدّد نفسها وتعيد قراءة ماضيها وتستشرف المستقبل وتحمل العلم الحديث والفكر الفلسفي الذي نجم عنه على محمل الجدّ وتقيم وزناً للعقل النقدي والبحثي وللتقدم أيضاً. هذه هي إيثاكا بالنسبة لي.»
فهمت آنذاك علاقة العظم بالحبّ العذريّ وسبب نفوره منه وكتابته عنه. فالعاشق العذريّ حبيس عصاب يجعل ظلال أمه، وهي المرأة الأولى الممنوعة المحرّمة، مكتسحة صورة المرأة الأخرى، وهي المرأة المتاحة في حدود تنظيم المتعة والإخصاء، بحيث تصبح المرأة الأخرى ممنوعة كالمرأة الأولى. فالعاشق العذريّ ليس محبّا مفرطا، بل هو محبّ عاجز عن الحبّ، لأنّه مضطرّ إلى تنظيم منع الحبيبة، ومضطرّ إلى الرّكوع أمام الآباء المانعين، خوفا وتأثّما. صادق جلال العظم متحرّر من الاثنين: من الأمّ الحاضنة أكثر من اللّزوم، ومن الأب اللاّأوديبيّ الذي يريد قتل الابن وإخصاءه، بدل أن يرى الابن متحرّرا مستقلاّ. ولذلك فهو منتبه إلى ألا يكون في علاقته بطلبته أبا خاصيا، أو شيخ طريق مؤبّد لقتل الأبناء والتّضحية بهم في هيكل القضيبيّة القبيليّة المنتصرة: يقول في حوار له صدر بصحيفة السّفير (30/07/2009): «… لم أحب أبداً المريدين والأتباع والحفظة وشيوخ الطرق (بعمامة او من دونها) والمقلِّدين والمقلَّدين والوعاظ وعبدة الشخصيات، وفضلت عليهم دوماً الزملاء والأنداد والخصوم والنقاد والأصدقاء، بخاصة إذا كانوا من أهل البحث والعلم والنقاش والسجال والجدال والمراجعة والاختلاف ورد الصاع صاعين إن اقتضت الحاجة».
تساءلت أعلاه: من أين استمدّ العظم هذه الأنفة الفكريّة؟ وأجيب الآن: لم يفصل الفكر عن الذّاتيّة، ولم يفصل الذّاتيّة عن وقائع الجسد، ولم يفصل ذاته المتحرّرة من الآباء والأمّهات عن ذاته المتفلسفة، ولم يفصل فكره عن حياته، فظلّ شابّا متجدّدا، وظلّ التّحرّر طاقة مولّدة لفكره، وظلّ غيورا على حصّته من الهامشيّة المبدعة.

فــي مآثر المنجز النظري للعظم

كمال عبد الطيف

يُقرأ المنجز النظري للمفكر العربي صادق جلال العظم في علاقته بواقع التأخر التاريخي العربي، وفي مساعيه الهادفة إلى نقد الثقافة المهيمنة زمن إنجازه لنصوصه ومؤلفاته. نتأكد من هذا الأمر عندما نعاين نوعية التفاعل والتجاوب النقدي الذي تتضمنه أعماله، وذلك في علاقتها بالأوضاع العربية إثر هزيمة 1967، مع عناية خاصة بالبعد الثقافي أولاً وقبل كل شيء.
ونحن نفترض أن مؤلفاته وأبحاثه وحواراته، سواء منها إصداراته الأولى، أو التي تواصلت بعد ذلك وإلى يومنا هذا، تتميز بكونها تعبر عن مواقفه وردود فعله، من طبيعة الأوضاع العربية. وهي تقدم في روحها العامة، تصوره لكيفية بناء المشروع النهضوي العربي، في صيغه الجديدة المرتبطة بتحولات المجتمع العربي، طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.
لا يمكن أن نتعامل مع نصوص صادق جلال العظم، دون عناية تاريخية بسياقاتها وأسئلتها، سواء في مستوى الأفكار التي ركَّبت، أو في مستوى التطلعات والآفاق التي حملت، وهي تقدم تصورات جيل كامل لحظة تفكيره في كيفية تجاوز التأخر التاريخي وتجاوز الفكر المحافظ، من أجل بناء ثقافة جديدة ومجتمع جديد.
تتمثل المآثر الكبرى لنصوصه في نوعية العلاقة التي نسجت مع الواقع العربي والثقافة العربية زمن تبلورها، كما تتمثَّل في كيفيات تجاوزها للمساعي النهضوية، وتهيئتها الطريق لمشاريع النقد ونقد التراث التي ستتبلور لاحقاً في الفكر العربي المعاصر، وهو ما سنوضحه لاحقاً. وعندما نتحدث عن السياقات التاريخية المؤطرة لتبلور نصوصه الأولى، فإننا نشير إلى ستينيات القرن الماضي بكل ما حملته من إرهاصات عامة في باب تأسيس عقلانيات الفكر العربي، الهادفة إلى تجاوز الفكر المحافظ والثقافة التقليدية. كما أن نصوصه الصادرة بعد ذلك في نهاية القرن الماضي في موضوع الدفاع عن حرية الفكر والتعبير، اتجهت الوجهة نفسِها، حيث عمل في نقده لذهنية التحريم ودفاعه عن المادية والتاريخ، وكذا في موقفه من الثورات العربية، مواصلة جهوده النظرية في إبراز أهمية الفكر العقلاني ومزايا النقد الذاتي في ثقافتنا وحاضرنا، ساعياً لمزيد من بناء تصوره للنهضة والتقدُّم كطريق لتفكيك وتجاوز صلابة التقليد المهيمنة على الثقافة العربية.
في نقد الهزيمة وثقافتها
تصدَّى صادق جلال العظم لمراجعة ونقد بعض أوليات الفكر الديني السائد، وذلك بالطريقة التي تصدَّى بها لنقد الهزيمة العربية سنة 1967، حيث نقف في مصنفيه الصادرين في نهاية ستينيات القرن الماضي، «النقد الذاتي بعد الهزيمة» 1968، و»نقد الفكر الديني» 1969، على طريقة وسَمَت أغلب كتاباته الصادرة بعد ذلك، يتعلق الأمر بموقف جذري من بنية الثقافة العربية التقليدية المهيمنة، تؤسِّسه منهجية نقدية تحرص كما أشرنا على التَّصَدِّي بكثير من الجرأة والشجاعة، لمختلف تجليات التقليد المهيمنة على الفكر العربي المعاصر.
تُفْهَم نصوص وجهود صادق جلال العظم الفكرية، عندما نربطها بطبيعة الصراعات التي سادت في المجال الثقافي العربي، خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والتي تتواصل اليوم متخذة مظاهر جديدة، تعكس جدليات الصراع المتواصلة بين ثقافة الحداثة وبين التصورات السلفية المحافظة، وما يُدْرَج داخلها من توجُّهات ثقافية، لا علاقة لها بمكاسب العلم والمعرفة في عصرنا. نكتشف ذلك بين ثنايا نصوصه، حيث نتبين الملامح الكبرى لمشروعه التاريخي الحداثي، المناهض لتيارات الفكر المحافظ ولأنظمة التسلط العربية، الأنظمة التي تسند تسلُّطها بالمواقف والمعتقدات المطلقة، لتمارس تزييف وتزوير الواقع والتاريخ العربيين.
لا يملك المتأمل لنصوص صادق جلال العظم، إلاّ أن يُدرجها ضمن الوعي الطلائعي، الذي كانت تمثله نخبة من المثقفين في مشرق الوطن العربي ومغربه، حيث مثَّل هؤلاء موقعاً نقدياً متقدماً، لحظة مواجهتهم ومخاصمتهم للثقافة السائدة، وشكلوا امتداداً متقدماً لفكر النهضة العربية، وذلك بتعزيزهم لكل ما يسمح ببناء ثقافة عربية، منفتحة على مكاسب كل ما هو كوني في تجلياته العديدة، ثقافة جديدة متفاعلة مع ثقافة عصرنا ومكاسبه المعرفية والتقنية. نحن هنا نشير إلى جهود باحثين آخرين وضعوا بدورهم بصمات قوية في ثقافتنا المعاصرة، في الزمن الذي تبلورت فيه الجهود الأولى لصادق جلال العظم، ونشير بالذات إلى أعمال ياسين الحافظ وعبدالله العروي وغيرهما، فقد التقت جهود من ذكرنا على سبيل التمثيل لا الحصر، سواء في إشكاليتها العامة أو في الآفاق الفكرية والتاريخية التي حملت. صحيح أنه يمكن أن نعثر على اختلافات وتباعدات أحياناً بين نصوص هؤلاء، ولكننا نفترض أنه لا أحد يُجادل في كونهم واجهوا جميعاً إشكالية التأخر التاريخي العربي، وحاولوا كل بطريقته الخاصة، نقد الثقافة العربية السائدة، وذلك بهدف بناء ما يسمح بتجاوز الهزيمة العربية، والتصدِّي للثقافة المحافظة والدولة التسلطية.
توسيع مساحة العقلانية النقدية في الفكر العربي المعاصر
تتمتّع نصوص صادق جلال العظم بكثير من الجرأة، ذلك أن الرجل سواء في نص «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، أو في «نقد الفكر الديني»، كان يعي جيداً الصعوبات التي تحيط بمباحثه، فليس من السهل في النصف الأول من القرن الماضي، أن نُبَادِر بنقد الفكر الديني بالروح التنويرية الموجِّهة لمصنفه.
نفترض أن مساهمته تندرج في نظرنا، في سياق المساهمة في بناء عتبات أولى في طريق طويل ومعقَّد، طريق يروم الانخراط في تأسيس مقدمات الفكر النقدي في ثقافتنا، وقد اختار صادق جلال العظم وهو يؤسس للملامح الكبرى لهذا الطريق، بناء خيار معين في النقد والمواجهة. صحيح أنه كان يعي صعوبات خياره، ولهذا مهَّد لمباحث كتابه بمحاولة في توضيح دلالات المفردات التي يستعمل وهو يتجه نحو دروب النقد، الأمر الذي نجده واضحاً في مقدمة الكتاب، حيث أبرز أن المقصود بالفكر الديني ليس الدين في ذاته، بل مجموع الإنتاج الفكري والتراث الذي تستوعبه الذهنية الدينية والثقافة السلفية.
عندما وصفنا في فقرة سابقة نصوصه بالجرأة، أشرنا إلى أن الجرأة المقصودة هنا طريق ومسعى، حيث عمل في مختلف كتاباته، على تحرير الفكر العربي من كثير من القيود، التي تحُول دون انطلاقه في بناء ما يُسعِفه بالتحرر من التقليد ومن جمود الفكر العربي.
يمكن أن نُدْرِج مختلف أعمال الرجل، في مساعيه الرامية إلى تعزيز وتوسيع مساحة العقلانية في الفكر العربي المعاصر، وضمن هذا السياق، نقرأ أعماله في دائرة المنزع العقلاني النقدي في فكرنا، ونعتبر أن جهوده لا يمكن أن تُفهم إلا باعتبارها لَبِنَة مركزية في عقلانيات الفكر العربي المعاصر. إنها جهود يمكن أن تدرج من جهة، في سياق تطور المنزع النهضوي والروح الوضعية كما تبلورت وتطورت في فكرنا. أما نتائج أبحاثه في مجال نقده للفكر الديني، فيمكن أن تُقرأ من جهة أخرى، باعتبارها التمهيد المباشر للمباحث التي تبلورت بعد عقد من الزمن في ثقافتنا العربية، حيث تبلورت إسهامات نقدية هامة في مجال نقد التراث الإسلامي، نحن نشير هنا إلى جهود كل من محمد أركون ومحمد عابد الجابري، في نقد التراث الإسلامي والخطابات السلفية.
ولتوضيح التأطير الذي حدَّدنا للإسهام الفكري لصادق جلال العظم، نشير إلى أننا عندما نتحدث عن تجليات العقلانية الوضعية في فكرنا السياسي الإصلاحي، نعثر على إسهامات فكرية عديدة، حاولت توظيف التحقيب الوضعي للتاريخ ولتاريخ الفكر، بهدف محاصرة أنظمة الفكر اللاهوتية في أبعادها المختلفة. إضافة إلى ذلك نلاحظ أن الروح الوضعية في أبعادها التجريبية والاختبارية، سواء في مجال مقاربة الظواهر الطبيعية أو الإنسانية، شكَّلت المرجعية الكبرى للنَّزعات العلمية المدافعة عن رؤية جديدة للطبيعة والتاريخ والإنسان، حيث ستشكل هذه الرؤية الفلسفية الخلفية المؤسسة لثورات العلم المتواصلة في مجالات المعرفة.
نعثر في أعمال زكي نجيب محمود وقسطنطين زريق وأنور عبد الملك وفؤاد زكريا على بعض عناصر هذه الرؤية، حيث يمكننا أن نعثر على خيوط من الوصل بين الجهود المذكورة وبعض أعمال صادق جلال العظم، ففي أعمال مَن ذكرنا، وغيرهم ممن لم نذكر من أعلام الفكر العربي، نجد أنفسنا أمام درجة عالية من تمثُّل المفاهيم والأطروحات الكبرى في الفلسفة الوضعية، ونجد إرادة واعية في التوظيف المعرفي والتاريخي لهذه المفاهيم والأطروحات، وذلك ضمن محاولة للإجابة عن أسئلة تخص واقعاً محدداً، واقع الوطن العربي والفكر العربي في العقود الأخيرة من القرن العشرين.
صحيح أننا نجد في بعض جهود مَن ذكرنا، نوعاً من التراجع عن بعض المقدمات، أو نجد بعض مساعي العودة إلى آلية الانتقاء المؤسِّسة للنّزعة التوفيقية، مثلما هو عليه الأمر في إنتاج زكي نجيب محمود، إلا أن الإطار العام للإنتاج الذي بلورته العقلانيات الوضعية لا يتقلص بفعل المراجعة المذكورة.
في جذرية حدوس ومواقف العظم من التراث
لا تعفينا المقارنات التي رتبنا في الفقرات السابقة، التي كنا نتجه فيها لتوضيح بعض مآثر نصوص العظم، من التنبيه بالإشارة إلى الطابع الجذري لمواقف العظم، حيث عمل بنزوعه المادي والعلماني إلى مواصلة الوفاء لقيم التاريخ والوفاء أيضاً لنزوعه التاريخاني، المتمثل في اقتناعه مثل عبد الله العروي بوحدة التاريخ البشري، وضرورة الاستفادة من مكاسب الإنسانية دون تردد أو انكفاء.
ونقف في هذه النّزعة أيضاً، على بعض أعمال الماركسيين العرب، الذين استوعبوا الفلسفة الماركسية في إطار تصوُّر علموي، ينقلها من فلسفة في التاريخ إلى منهج لتشخيص الصراع الاجتماعي والسياسي داخل المجتمع. فنحن نعثر في عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي على كثير من الكتابات الماركسية الإصلاحية والثورية، التي نظرت إلى المشروع الاشتراكي باعتباره مشروعاً علمياً قادراً على حل تناقضات وإشكالات التخلف القائم في الوطن العربي. وقد لا نجازف هنا عندما ندرج أعمال العظم وصور دفاعه عن المادية والتاريخ ضمن هذا التيار.
يُقرأ نص «نقد الفكر الديني» كما بيّنّا كتمهيد لخيار نقد التراث في ثقافتنا، فقد تبلورت في ثمانينات القرن الماضي نصوص اعتنى أصحابها بنقد العقل التراثي، وقد أعادتنا هذه النصوص إلى نص صادق جلال العظم في نقد الفكر الديني، صحيح أن صاحب المؤلَّف الأول، لم يكن متخصصاً لا في الإسلاميات ولا في التراث، إلا أنه كان يعرف الكوابح التي تمارسها الذهنية التراثية في الحاضر العربي، ويمارسها الفكر المحافظ في مجتمعاتنا. وقد وجّه سهام نقده للنزوعات التراثية المحافظة في ثقافتنا.
تتخذ المقاربة في تيار نقد العقل في أعمال محمد أركون ومحمد عابد الجابري طابعاً مركَّباً، يتمثَّل في نقد المنتوج التراثي وكشف محدوديته النظرية والتاريخية، ونقد آليات عمله المشروطة بطبيعة المعارف والمناهج في أزمنة تشكُّله، والعمل في الوقت نفسه، على إعداد السبل المساعدة على تخطي نتائج وآثار استمرار حضور المكوِّن التراثي في الحاضر العربي، وهنا بالذات تلتقي هذه الأعمال مع الأفق الذي رسمته الخطوط العامة لحدوس وجرأة صاحب نقد الفكر الديني.
لا يتعلق الأمر في مشروع نقد العقل التراثي بأبحاث معنية بالرصيد التراثي الإسلامي في بنياته النصية لذاتها، كما لا تتعلق محتويات نص نقد الفكر الديني بمباحث تراثية خالصة. نواجه في النصوص الأولى والثانية، مقاربات يهمها الانخراط في فهم الواقع العربي، مقاربات يدفعها الهاجس النهضوي التاريخي، وهو هاجس سياسي بالدرجة الأولى لبناء أعمال تتوخَّى تفتيت المبادئ والمرجعيات الفكرية، التي لا تزال تحدُّ من قدراته على الانطلاق في التفكير والإبداع، في ضوء مستجدات المعرفة وبناء على أسئلة متصلة بتحدِّيات التقليد، التي تمثِّلها في فكرنا اليوم تركة العقائد والنصوص المطلقة، التي لم يستطع الذين يقومون اليوم بمواصلة الترويج لها إِدْرَاكَ نتائج الهزات التاريخية والمعرفية والسياسية، التي صنعت الملامح العامة للفكر الإنساني في الأزمنة الحديثة والمعاصرة

كلمة التحرير كتاب واراء مختارات من الصحافة حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم إعلانات تصويت
هل ينهار الاتفاق النووي بعد إعلان استراتيجية ترمب الجديدة تجاه إيران؟


القائمة البريدية
البريد الالكتروني

 صورة طائرة التجسس الاميركيه الاحدث أوبرا هل تهزمه وتصبح سيدة البيت الأبيض ؟ترامب سافوز ولااعتقد انها ستترشح أهم فضائح الكتاب الذي هز ترامب.. سر تعيينه للنساء كمستشارات وما يقوله الجمهوريون عن أولاده داخل البيت الأبيض  قصة حركة انتشرت بين ملايين البشر وتفاعلت معها شخصيات بارزة  عهد_التميمي تشعل مواقع التواصل و صوت_انفجار_في_الرياض يشغل السعودية الفائز بالجائزة صور من   أفريقيا: خبز مصر ، وقطن ساحل العاج ، وسيلفي مع جيش زيمبابوي Holy cow:بقرة صينيه بخمسة ارجل جمعة عادية بالبسة عادية لقادة "ايبك" وسلام حار بين بوتين وترامب ترامب: بعض المعتقلين في السعودية حلبوا بلادهم لسنوات.. وأثق بالملك ونجله ووزير سعودي : إنها الثورة! وقصة الفخ :كيف استدرج بن سلمان أمراء وأثرياء المملكة في ليلة واحدة لاعتقالهم؟..