صرخات بورما وآذان انتقائية

رئيس التحرير
2017.10.19 20:58

 كتبت :

لافت للنظر حجم عمل ماكينة الإعلام العالمية الضخمة، المسموع منها والمرئي، من صحف وتقارير أممية وإدانات من قِبَل جمعيات حقوق إنسان إلى صور وفيديوهات انتشرت بشكل مكثف على صفحات التواصل الاجتماعي، وكأن مذابح الروهينغا بدأت بالأمس، وكأن صرخات هؤلاء المساكين لم ينقل الهواء ترددها منذ قرون إلا اليوم، وكأن الزجاجة التي تحمل رسالتهم لم توصلها الأمواج لشطآن آهلة بالسكان سوى الآن!

ما أثار دهشتي هو أن ذلك العالم المتباكي وما هي إلا دموع التماسيح، شارك مع سبق الإصرار والترصد في قتل 470 ألف روح في خمس سنوات بسوريا، فكيف لي أن أقتنع أنه حقاً وبشكل مفاجئ رقّ قلبه وقرر أن يتحرك من أجل مليون شخص فقط؟! ألم يستمر هولوكوست الصرب بالبوسنة والهرسك مدة أربع سنوات قتل فيها 300 ألف مسلم واغتصبت فيه 60 ألف امرأة وهدم فيها 800 مسجد؟!

ما يزيد شكوكي في الأمر، صحوة البلاد العربية التي بدت وكأنها كانت تحتاج أن يوقظها الإعلام الغربي لتستفيق، كنائب نائم في مجلس يعتدل ليرفع يده بالموافقة، فهؤلاء لا يجيش إعلامهم إلا لتشويه فكر كأن يحول مجاهدين ضد عدو لإرهابيين ضد صديق حميم، أو أن يروجوا لصفقات مشبوهة، أو ليعينوا قائد جيش يحاول الانقلاب على حكومة معترف بها دولياً، أو لشجب وإدانة عمل إرهابي راح جراءه مواطنون من أي ملة غير الإسلام، أو أن يروّجوا لتعديل الخطاب الديني حتى لا يرعب ملياراً ونصف المليار مسلم باقي الآمنين المسالمين في العالم!

أحكي لكم قصة الروهينغا باختصار لمن لا يعرف جذورهم التاريخية:

دخل الإسلام بورما عن طريق إقليم "أراكان" في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وصل التجار المسلمون ولاية أراكان في القرن 9 قبل أن يؤسس الملك أناوراتا الإمبراطورية البورمية الأولى سنة 1055 م، نشروا الإسلام في بورما، فالبورميون المسلمون هم من سلالة شعوب مسلمة من العرب والفرس والأتراك والمورو والهنود والبنغال والبشتون والصينيين والملايو استقرت وتزاوجت مع المجموعات العرقية المحلية في بورما، وضع نراميخلة "سليمان شاه" في عام 1430م حجر الأساس لأول دولة إسلامية في أراكان بتعاون مع حاكم البنغال المسلمة السلطان جلال الدين شاه الذي كان قد لجأ إليه في عام 1406م بعد أن أغار ملك بورما البوذي على أراكان ودمر عاصمتها لنغريت.

قام خلفاء "سليمان شاه" بتوسيع حدود الدولة وتحولت إلى دولة نظامية، واختار ملوكها لأنفسهم ألقاب "شاه"، وقد راجت الفارسية كلغة رسمية للدولة، وما زالت حتى بعد 22 عاماً من احتلال الإنكليز لها.

ومن الحقائق الذهبية النادرة لتاريخ أراكان أنه كان يشترط لملوكها قبل توليهم أن يكونوا حاملين شهادة الفضيلة في العلوم الإسلامية، وكانت العملات والأوسمة والشعارات الملكية تنقش عليها كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" والآية القرآنية: (وأن أقيموا الدين).

وهكذا تعاقب على حكمها 48 ملكاً وسلطاناً مسلماً إلى عام 1784م حتى قام باحتلالها الملك البوذي البورمي بودوبيه، فهاجمها محتلاً أراضيها وقد كان عهده الذي امتد 42 عاماً مظلماً على شعب الروهينغا المسلم، فقد شنّ غارة على مروهانغ - عاصمة أراكان، ونهبها إثر مجزرة كبيرة للوطنيين، كما قام بهدم المكتبة الملكية والمآثر القديمة والمساجد والمدارس وغيرها ومحوها كلية.

هدم بودبيه كل شيء شك أنه إسلامي، وأقام معابد للبوذيين وزوايا لهم ليحول أراكان الإسلامية إلى بوذية، وقد لجأ آلاف من المسلمين والبوذيين الوطنيين إلى جنوب البنغال، إنقاذاً لأنفسهم من الأذى. قبض بودبيه على آلاف الرجال والنساء منهم وذهب بهم كأسرى إلى بورما؛ حيث استخدمهم في الحروب.

ويحضرني هنا تصريح شيخ الأزهر (أن البوذية دين إنساني وأخلاقي وأن بوذا الحكيم من أكبر الشخصيات في تاريخ الإنسانية وأن كبار مؤرخي الأديان يصفون رسالته بأنها دين الرحمة غير المتناهية).

زاد عدد المسلمين خلال فترة الحكم البريطاني في بورما فقد جلب الإنكليز عدداً من المسلمين الهنود إلى بورما لمساعدتهم في الأعمال المكتبية والتجارة.

ونتيجة لذلك ازداد عدد السكان من المسلمين؛ ولكنها انخفضت انخفاضاً حاداً بعد 1941 بسبب الاتفاقية الهندية - البورمية، ثم ما لبثت أن توقفت رسمياً عند استقلال بورما (ميانمار) في 4 يناير/كانون الثاني 1948.

تعاقبت المجازر بحق الروهينجا منذ 1850 - 1819 لأسباب دينية واضحة، وبعدها حين هيمنت بريطانيا على الهند وما حولها،ثم خلال الاحتلال البريطاني الرسمي الذي بدأ 1886 -1948، حين استخدم البورميون المسلمين كبالونات دماء، فكلما أرادوا إثارة قلاقل للحكومة البريطانية تذرّعوا بفتنة طائفية يُذبح فيها المسلمون حتى تستجيب لهم بريطانيا لتحقق مطالبهم، ثم بعد الاستقلال وبعد استيلاء العسكر على الحكم 1963 وإلى يومنا هذا؛ فالروهينغا هم الأقلية الوحيدة غير المعترف بها بماينمار؛ حيث يحرمهم القانون البورمي الصادر في 1982 من الحصول على الجنسية، رغم أن الإسلام وصل إلى بورما في القرن التاسع الميلادي.

فماذا حدث اليوم لتتحدث الدنيا عن حقوقهم ومعاناتهم؟!

في نظري ليس للأمر علاقة لا بمشاعر ولا بإنسانية، فالأمر اقتصادي سياسي بحت، وطالما أن مَن يذبحون ويستخدمون كطُعم لأسماك ذات المطامع من المسلمين فأهلاً ومرحباً، أتصور أن أميركا تصارع بريطانيا على مستعمراتها في الشرق كما فعلت في دول الربيع العربي، وتضع موطئ قدم لها بالقرب من روسيا كما فعلت في أفغانستان؛ وتصنع قلاقل في منطقة النمور الآسيوية لتتحرش بالصين التي تتضخم ولا تجد لها ذريعة توقفها عن النمو، الصين التي تسير على نحو ثعباني هادئ، تحفر شبكة جحور لها بإفريقيا وبمنطقة الخليج وهي مستعمرات وأسواق أميركية غربية خالصة لهم.

ما يؤلمني حقاً أن مسلمي شرق آسيا ينظرون إلينا نحن المسلمين المتحدثين بالعربية نظرة تعظيم واحترام، فنحن مَن نتحدث لغة القرآن، ونحن مَن يحمل ثرى أحد بلادنا الكعبة المشرفة، ونحن مَن نخرج الدعاة والعلماء، هم يتوسمون فينا النصرة والإنقاذ، وما يعلمون ما أصبنا به مَن ترهل في عضلات روابط الدين، وشلل تام في أعصاب الإحساس إلى الدرجة التي أصبحنا تعتبرهم أجانب؛ لأنهم غير ناطقين بالعربية، وأن منا مَن يعتبر مسيحياً عربياً أقرب إليه من مسلم باكستاني، وأن منا من يروّج أن صور الروهينغا المعذبين المشردين ما هي إلا خطة إخوانية خبيثة، وأن تلك المناظر ما هي إلا فبركات كما أشاعوا من قِبل على قتلى سوريا.

لا تنخدعوا، واعلموا أن لا أحد ينصف المسلمين إن لم ينصفوا أنفسهم، فالمسلمون بالنسبة لدول الحروب العالمية ما هم إلا خيمة يحصلون منها على احتياجاتهم حين ينهار اقتصادهم، أو موضع استثمار في مؤتمرات إعادة إعمار لدول خربوها بأيديهم عن عمد، أو أسواق يمتصون بها ما بقي للشعوب المطحونة من رمق.

كلمة التحرير كتاب واراء مختارات من الصحافة حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم إعلانات تصويت
هل ينهار الاتفاق النووي بعد إعلان استراتيجية ترمب الجديدة تجاه إيران؟


القائمة البريدية
البريد الالكتروني

 حقيقة أم شبيهة لها؟ السيدة الأولى تظهر بجانب ترامب لكنها ليست "ميلانيا"  الفاتنة سفيرة روسيا في مونديال 2018 غارقة في الحب..  فيلم لقصة لاجئ سوري يفوز بجائزة أوسكار : أراد دفن زوجته على الطريقة الإسلامية في بلاد اللجوء.. بيرلا الحلو تحمل تاج الجمال اللبناني لقبها بعد يومٍ من تتويجها؟ ملكة جمال الكون  هيفاء وهبي بملابس البحر  الألماني الأول عالمياً.. وألاقوى بين جوازات السفر العربية في 2017؟ تونيسية بطلة العالم للمصارعة وزن 58 كلغ تصل الى النهائي في باريس  من هم ضحايا هجوم برشلونة والامن الاسباني يكشف عن صورة سائق الشاحنة وقتله في الهجوم الثاني والقبض على مشتبه به رابع أعمق مترو أنفاق بالعالم يتفاخر به كيم جونغ لتجنب اي هجوم نووي صورهما بجواله فألهب مشاعر الألمان.. قصة شقيقين سوريَّين احترقا في قصف والصدفة نقلتهما لأوروبا