«السقّا مات» ليوسف السباعي: الحوار المدهش بين الموت والحياة

رئيس التحرير
2017.11.25 01:31

 

كتب  ابراهيم العريس 

 

 

من الواضح أن السجال لم يعد محتدماً اليوم من حول رواية «السقا مات» التي كانت واحدة من أولى روايات يوسف السباعي والى حد كبير واحدة من أفضل رواياته وأعمقها. بل حتى واحدة من أهم الروايات المصرية التي صدرت أواسط القرن العشرين لا تضاهيها سوى روايات لنجيب محفوظ وبعض أعمال فتحي غانم ويوسف إدريس. ففي مناسبة أو أخرى - صدور الرواية أول الأمر، ثم لاحقاً تحويلها على يد صلاح أبو سيف الى فيلم حمل العنوان ذاته ويعتبر من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية، ارتفع السجال قائلاً إن يوسف السباعي لا يمكن أن يكون هو كاتبها وصولاً الى الزعم أنه إنما وجد مسوداتها بين أوراق أبيه الكاتب والمفكر الراحل محمد السباعي فاشتغل عليها ليصدرها باسمه. والحقيقة أن أحداً لم يؤكد هذا الأمر حتى وإن دعا بعضهم الى دراستها لغوياً وتفكيكياً انطلاقاً من أن «الأفكار الفلسفية» المهيمنة على الرواية من الصعب أن تلتقي مع أفكار السباعي الابن. مهما يكن يظل هذا كله من قبيل الفرضيات. ويمكننا أن نقول حتى إنه إنما كان وليد مواقف سياسية وأيديولوجية بالنظر الى أن غالبية الذين أنكروا على يوسف السباعي كونه مؤلف «السقا مات» كانوا خصوماً سياسيين له، في وقت لم يجد من يدافع عنه وعن أبوته للرواية، إلا في أوساط مؤيديه. وكان للسباعي طبعاً مؤيدوه وخصومه ولكن ليس لأسباب أدبية كما سنرى بعد سطور. أما هنا، فلنبق مع هذه الرواية الفذة التي يمكن لها أن تكفي بمفردها لتصنع مجداً أدبياً كبيرا.

 

 

> «السقا مات» رواية شعبية حقيقية. وهي لئن كانت ذات سياقات وحوارات واستنتاجات فلسفية لا لبس فيها، فإن هذا ينتمي فيها الى ما يمكننا اعتباره الحكمة الشعبية. وبكلمات أخرى: الفلسفة غير الممنهجة. وإذا كنا نعرف أن غالبية الفلسفة الشعبية بتعابيرها وبساطتها المركبة غالباً ما تدور من حول الحياة والموت، فلنتنبّه بداية الى أن «السقا مات» تدور من حول الحياة والموت، وربما تخلق نوعاً من الجدلية العفوية بينهما، وذلك من خلال الشخصيتين الرئيستين: السقاء - بائع الحياة بالتالي - وشحاتة أفندي مطيباتي جنازات الموسرين - مرافق الموتى. ولعل أهم ما في الرواية من ناحية البناء السلوكي لشخصيتيها الرئيستين هو أن السقاء يعيش الموت منذ رحيل زوجته الصبية، فيما يعيش شحاتة أفندي زخم الحياة وملذاتها غير آبه وهو الوحيد المنقطع عن أي قرابة، بالموت الذي يعايشه يوميا كمهنة له. وواضح أن بنية الرواية الفلسفية وحبكتها تَمثلان هنا تحديداً. أما السياق فهو في اللقاء الذي يحدث ذات يوم بين السقاء والمطيباتي ليتحول صداقة تتواصل حتى رحيل شحاتة أفندي بعد ليلة غرام حافلة مع مومسة الحي. لقد قامت الصداقة بين الرجلين على رغم كل التناقض بينهما. لكن التفاعل سيكون من طرف واحد: رفيق الموتى هو الذي يعلم السقاء معنى الحياة وضرورة الاستمتاع بكل لحظة وفرصة فيها. شحاتة هو الذي سيجر السقاء الى عالمه وليس العكس، وحتى لئن سبقت نهاية شحادة بالموت نهاية صديقه فإن موته سيكون موتاً سعيداً، أما موت السقاء فسيكون الفرصة التي تمكن ابنه من أن يتحول سقاءً بدوره. ولكن بين موت شحادة - الذي سيكون ثاني موت يجابهه السقاء - وموت هذا الأخير سيحاول السقاء أن يتحدى الموت بارتداء ثياب المطيباتي والسير في الجنازات مكانه...

 

 

> بعد ربع قرن من ظهور هذه الرواية، سيموت يوسف السباعي ولكن برصاص الاغتيال. وبالطبع لم يطلق الرصاص على يوسف السباعي يومذاك، لأنه روائي أديب، بل لأنه رجل سياسة في مصر أنور السادات. ولكن الحقيقة أن أحداً لم يكن بإمكانه أن يتصور قبل ذلك بسنوات أن السباعي بالذات سيكون يوماً هدفاً لرصاص يقول عن نفسه إنه رصاص فلسطيني، بل هدفاً لأي رصاص على الإطلاق، بخاصة أن يوسف السباعي ذاته لم يكن من ذلك الصنف من السياسيين الذي يخوض السياسة حتى منتهاها. بل كان لا يكفّ عن الإعلان أن مشاركته في العمل السياسي، كوزير للثقافة مثلاً، ليست الغاية منها خدمة السياسة أو أنظمة الحكم بل خدمة الثقافة. ومن هنا تسبب اغتياله في حالة حزن أصابت الحياة الثقافية العربية ككل، سواء أكانت متفقة مع مصر أو مختلفة معها، متفقة مع يوسف السباعي أو مختلفة معه. فبعد كل شيء، كان السباعي واحداً من الروائيين العرب الأكثر انتشاراً، كما كان - في معظم رواياته - قد دافع عن القضايا الوطنية ولا سيما عن القضية الفلسطينية ما جعل معظم أدبه أدب قضية أكثر منه أدب إبداع، الى درجة أن عدداً من نقاده قالوا دائماً إنه، وهو الوطني المشارك في ثورة الضباط الأحرار وقبل ذلك في حرب فلسطين، كان غالباً ما يقمع موهبته الإبداعية على مذبح رغبته في التعبير - في أدبه - عن القضايا الوطنية الساخنة. ويستشهد هؤلاء على هذا الأمر بالمقارنة بين «السقّا مات» وبين معظم روايات يوسف السباعي الوطنية الكبرى (من «رد قلبي» الى «طريق العودة» الى «العمر لحظة»)، للدلالة على أن السباعي كان بإمكانه أن يكون كاتباً كبيراً ينافس نجيب محفوظ ويوسف إدريس وفتحي غانم، لو أنه اهتم بالأدب ذاته، بعيداً من السياسة ووجع الرأس الناجم عن الخوض فيها.

 

 

> مهما يكن، من المؤكد أن يوسف السباعي، كان - إمكاناً - كاتباً كبيراً ولا سيما في رومانسياته من نوع «إني راحلة» و «الأطلال»، كما كان من طينة أولئك الكتاب الذين آمنوا بأنهم إنما يكتبون للقراء المنتمين الى الجمهور العريض لا لنخبة القراء. وهذا ما يضعه، تصنيفياً، في خانة واحدة مع زعيمي الرومانسية الآخرين، إحسان عبدالقدوس ومحمد عبدالحليم عبدالله. والمؤسف أن السباعي الذي يكاد يكون اليوم شبه منسي، ويندر أن يتناول النقد الجاد أعماله، لا يزال عمله في حاجة الى إعادة تقييم وإعادة اعتبار. وهو ما حاوله، على أي حال، الأديب يوسف الشاروني في دراسة مبكرة كتبها عنه، في حياته، وقال فيها إن البيئة التي نشأ فيها يوسف السباعي (المولود عام 1917 في حارة الروم بالقاهرة) قد لعبت دوراً أساسياً في تكوينه، حيث نجده وقد قرأ منذ وقت مبكر كل ما ألفه أبوه الأديب محمد السباعي. ويقول الشاروني إن توفيق الحكيم يأتي، بعد الأب، في المقام الثاني بين العناصر التي أثّرت في تكوين يوسف السباعي، كما يأتي الحي الشعبي الذي نشأ فيه في المقام الثالث. ويفيدنا الشاروني بأن السباعي اتجه في بداياته لكتابة الشعر والزجل، ثم توقف لفترة إثر التحاقه بالكلية الحربية. أما أول قصة قصيرة نشرت له فكانت «فوق الأنواء» (1934)، ومن وقتها لم يكفّ عن كتابة القصة القصيرة ثم خاض فن الرواية فكانت «نائب عزرائيل» (1974) تجربته الأولى، وتلتها قصته الأشهر «إني راحلة» التي أسبغت عليه فور صدورها شهرة دفعته الى مواصلة طريقه الأدبي بكل سهولة بعد ذلك، وصولاً الى كتابة المسرحية. وفي الخمسينات وكان اسمه قد بات راسخاً، أصدر السباعي روايات عدة غلب عليها الطابع الوطني وأتت أشبه بتأريخ للحياة الوطنية، من «رد قلبي» (1954) التي تناولت حكاية ثورة الضباط الأحرار، الى «طريق العودة» عن قضية فلسطين وحتمية عودة العرب اليها، الى «نادية» عن عدوان السويس، الى «جفت الدموع» عن الوحدة المصرية - السورية، الى «ليل له آخر» عن الانفصال، ناهيك بمسرحية «أقوى من الزمن» التي تتحدث عن بناء السد العالي و «ابتسامة على شفتيه» وهي رواية كتبها في عام 1971 عن معركة الكرامة، ثم «العمر لحظة» عن حرب الاستزاف. هذا من ناحية الروايات الوطنية التاريخية، أما بالنسبة الى الاتجاه الأدبي الخالص، فقد أبدع فيه السباعي أعمالاً تقف في مقدمتها رواية «السقا مات» بالطبع، لكنها تضم أيضاً أعمالاً بالغة الأهمية مثل «أرض النفاق» و «لست وحدك» و «نحن لا نزرع الشوك» إضافة الى العديد من المجموعات القصصية. باختصار، كان يوسف السباعي كاتباً خصب الإنتاج، كما كان ذا حضور في الحياة الأدبية والسياسية من خلال العديد من المناصب والمراكز. وكان هو شخصياً يراهن على قدرته، حين يتفرغ للكتابة كلياً، على إبداع أعمال تخلد اسمه. لكن الرصاصات كانت أسرع فقضت عليه وهو في قمة عطائه.

كلمة التحرير كتاب واراء مختارات من الصحافة حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم إعلانات تصويت
هل ينهار الاتفاق النووي بعد إعلان استراتيجية ترمب الجديدة تجاه إيران؟


القائمة البريدية
البريد الالكتروني

Holy cow:بقرة صينيه بخمسة ارجل جمعة عادية بالبسة عادية لقادة "ايبك" وسلام حار بين بوتين وترامب ترامب: بعض المعتقلين في السعودية حلبوا بلادهم لسنوات.. وأثق بالملك ونجله ووزير سعودي : إنها الثورة! وقصة الفخ :كيف استدرج بن سلمان أمراء وأثرياء المملكة في ليلة واحدة لاعتقالهم؟.. زعيم كتالونيا المقال يصرح بلجوئه لبروكسل ويعلن قبوله إجراء انتخابات مبكرة.. لست هاربا من العدالة شاهد جورج بوش الأب يتحرش :انها التهمة الثالثة  أجمل جميلات العالم بعدسة مصوِّرة .. نشرت كتاباً من 500 صورة للفاتنات اكتشاف كوكب ياكل الكواكب الاخرى  حقيقة أم شبيهة لها؟ السيدة الأولى تظهر بجانب ترامب لكنها ليست "ميلانيا"  الفاتنة سفيرة روسيا في مونديال 2018 غارقة في الحب..  فيلم لقصة لاجئ سوري يفوز بجائزة أوسكار : أراد دفن زوجته على الطريقة الإسلامية في بلاد اللجوء..