ï»؟

«وداعاً للسلاح» لهمنغواي: عن الحب والحرب باندفاعة وحيد قرن

رئيس التحرير
2018.05.25 17:47

 ابراهيم العريس

 

ليس من السهل تحديد حصة السيرة الذاتية وحصة التخييل في رواية إرنست همنغواي الكبرى «وداعاً للسلاح»، حتى وإن كان ثمة إجماع لدى الدارسين والنقاد على أن هذه الرواية التي كتبها همنغواي وهو بعد في شرخ شبابه، تنطلق من حكاية غرامه الشخصية التي عاشها مع الممرضة الأميركية آغنس فون كوروفسكي خلال الحرب العالمية الأولى حين كان هو نفسه متطوعاً في الصليب الأحمر الإيطالي كممرض خلال تلك الحرب. ولكن بالنسبة الى الباحثين الأكثر جدية، كانت الشخصية النسائية المحورية في الرواية مستوحاة في خطوطها العامة فقط، من شخصية آغنس، أما الراوي الذي قد تتشابه تفاصيل حياته في إيطاليا مع سيرة همنغواي، في ذلك الحين، فلا يشبه سوى في التفاصيل العامة شخصية الكاتب نفسه، ناهيك بأن ليس ثمة في سيرة همنغواي ما يبدو شبيهاً بالنهاية التي تُختتم بها الرواية. وفي نهاية الأمر، قد يكون علينا الاعتماد على تفسير أكثر رحابة وعمقاً للرواية نفسها، يجعلها تأويلاً معاصراً لحكاية آدم وحواء والخروج من الجنة، مع أن همنغواي لم يبد موافقاً على مثل هذا التأويل.

 

 

> في الأحوال كافة، نبقى هنا أمام رواية رائعة السبك محبوكة بقوة بالنسبة الى رسم شخصياتها الأساسية، وفجائعية ليس فقط بفعل نهايتها التي يحوّم فيها موت مزدوج قد يكون فيه حلّ لمشكلة بطلها الراوي، لكنه يجعل من الرواية عملاً بالغ التشاؤم. ولعل علينا هنا، قبل الحديث عن حبكة «وداعاً للسلاح» وعن شخصياتها، أن نتوقف عند ما قاله الكاتب نفسه عنها لكاتب سيرته الرسمية آرون هوتشنر: «أنا من الذين يرون الشمس وهي تشرق في كل يوم من أيام حياتي. وبالتالي، فإنني معتاد على أن أستيقظ مع ظهور إشعاعات الشمس الأولى حيث من فوري أنصرف الى قراءة... كل ما كنت كتبته سابقاً من العمل الذي أشتغل عليه»، وبالتالي يؤكد همنغواي أنه بالنسبة الى «وداعاً للسلاح» كان عند كل صباح ينكب على «كل ما كنت قد أنجزته من كتابة هذه الرواية حتى اللحظة التي توقفت فيها. وبهذه الطريقة راجعت الكتاب مئات المرات ورحت أصقله كما يُصقل سيف مصارع الثيران. وحسبي أن أذكر هنا أنني كتبت خاتمة «وداعاً للسلاح» بكاملها اثنتين وثلاثين مرة. ثم أعدت النظر فيها ثلاثين مرة بعد خروج مسوداتها المطبوعة...».

 

 

> واضح أننا هنا أمام نوع من هوس الكمال لدى كاتب كان معروفاً مع هذا بثقته المطلقة في نفسه. ولعل جانب «السيرة الذاتية» في «وداعاً للسلاح» وحرص الكاتب على ألا يعري نفسه إلا تحت رقابة ذاتية صارمة، هما ما حدا به الى كل ذلك التدقيق الذي جعله يطيل الاشتغال على الرواية لتخرج من بين يديه مفعمة بسرد استثنائي، كما تتسم برسم للشخصيات لم يترك أي مجال لأي خطأ في التقدير... وربما من هنا وُلدت تلك «الأسطورة» التي ربطت الرواية بسيرة همنغواي الذاتية... أكثر كثيراً مما ينبغي على أيّ حال.

 

 

> فعمّ تحكي «وداعاً للسلاح» بعد هذا كله؟ عن حكاية حب من ناحية، وعن حكاية حرب من ناحية ثانية. فبطل الرواية وراويها المدعو فردريك هنري كان قد تطوّع كمسعف أميركي في الجيش الإيطالي خلال الحرب العالمية الأولى. وهو يروي لنا حكايته في نص ينقسم الى خمسة كتب تضم واحداً وأربعين فصلاً. ونحن نستشف من سرد فردريك نقاءه المطلق ولكن كذلك استهانته بالمرأة وتفضيله العلاقة الجنسية معها على أية علاقة عاطفية. أو هكذا تكون حاله أول الأمر حيث يقوم الصراع الأول بينه وبين الممرضة الإنكليزية كاترين بركلي المتطوعة مثله في الصليب الأحمر الإيطالي والتي تُغرم به ما أن يلتقيا حين يُجرح هو في مهمة إنسانية كان مكلفاً بها وتعتني هي به في المستشفى الذي تعمل فيه. أما اللقاء الأول بينهما فيكون في الكتاب الأول حين يتعرف هنري الى كاترين من طريق صديقه الجراح رينالدي... ومن فوره يعتبر فردريك كاترين طريدة فيما هي تعتبره حباً حقيقياً. وهكذا ينطلق غرامهما انطلاقة بائسة. ومع هذا فإن الكتاب الثاني المخصص لحقبة يعيشانها معا في ميلانو، يروي لنا تطور غرامهما الى درجة ان فردريك يحدث له أحياناً أن يعتبر كاترين شيئاً أساسياً في حياته. لكنه سرعان ما يفترق عنها بعد ان يعلم أنها حامل منذ ثلاثة أشهر فيما هو يبقى غارقاً في إدمانه الكحول.

 

 

> ولئن كان الكاتب قد كرّس الكتاب الثاني للحب والفراق، فإنه سرعان ما يغوص بنا في الكتاب الثالث في معمعة الحرب تماماً. ففردريك عاد الآن بعد فراقه كاترين، الى فرقته العسكرية التي كانت قد باتت فاقدة معنوياتها تماماً بعدما بدأت تتراجع امام تقدم القوات النمسوية التي تمكنت من شق خطوطها الدفاعية تماماً مرغمة إياها بعد معركة كابوريتو على الانسحاب. ولأن فرديك مسعف متطوع وليس جندياً مقاتلاً، يقرر، إذ يجد أن الانسحاب يتم ببطء ما يجعل إمكانية اجتياح القوات المعادية للفرقة التي انضم إليها ماثلة، أن يخوض انسحابه على حدة، وهكذا يرافق بعض الرفاق لينسحب بسرعة أكبر في ركاب سكان من المنطقة يتحركون بسرعة أكبر، غير ان الذي يحدث له ولرفاقه المسعفين وبعض الجنود هنا، أنهم يضلّون طريقهم... وإذ يصاب واحد من الرفاق المسعفين، يجد الجنود الضائعون انفسهم وقد عادوا الى ركاب فرقتهم المنسحبة. بل حتى يحدث هنا أن يُعتقل فردريك ويخضع للمحكمة بوصفه ضابطاً اسوة بكل الضباط الذين اعتُبروا مسؤولين عن الهزيمة وفوضى الانسحاب والأرواح التي أُزهقت من جراء ذلك كله. لكن فردريك وقبل أن يحال عملياً الى المحاكمة، حتى وإن كان يعرف انها صورية ولن تودي الى أي مكان، يرمي نفسه في نهر قريب ما يمكّنه من الهرب ليعود من جديد الى ميلانو هذه المرة وقد تمكن من ركوب القطار العابر.

 

 

> ومع رحلة العودة الى ميلانو هذه يبدأ الكتاب الرابع الذي يشهد عودة فردريك للقاء بكاترين في ستيتزا غير البعيدة من ميلانو. غير ان العاشقين لن يهنآ هذه المرة أيضاً باللقاء، ذلك أن فردريك سرعان ما يُخبَر أن السلطات تبحث عنه جادّة في أثره وانها لا محالة سوف تعثر عليه. وهكذا لا يكون منه إلا أن يصحب حبيبته لينطلق معها في مركب صغير تحت جنح الليل متوجهين الى سويسرا القريبة حيث سيكون في وسعهما العثور على مأوى. وهما بالفعل يصلان الى ملجئهما في مدينة مونترو حيث تدور أحداث الكتاب الخامس والتي ستكون أقسى أحداث الرواية وآخرها. فالحال أن العاشقين ما أن يحسّا بنوع من الأمان والاستقرار في تلك المدينة الهادئة البعيدة عن هموم الحرب، حتى تواتي كاترين آلام الوضع. ولسوف تتواصل الآلام طويلاً لتنتهي عل تلك الفاجعة المزدوجة حيث يولد الطفل ميتاً قبل أن تلحق به أمه بفعل نزيف تصاب به. وهكذا ينهي فردريك حكايته... حكاية حبه وحكاية حربه في آن معاً.

 

 

> منذ العام 1932، بعد صدورها في طبعتها الأولى والنجاح الكبير الذي راحت تحققه لدى قراء راحوا يلتهمون ما لا يقل عن عشرين ألف نسخة منها شهرياً، لفتت «وداعاً للسلاح» اهتمام السينمائيين فحوّلتها هوليوود الى فيلم سينمائي من إخراج فرانك بورزاغي وتمثيل غاري كوبر وهيلين هايز. ولقد حققت تلك النسخة الأولى من الفيلم نجاحاً تجارياً ضخماً لم يضاهه سوى نجاح النسخة الثانية التي حققها تشارلز فيدور بعد ربع قرن من تمثيل روك هدسون ( في أجمل أدواره ) وجنيفر جونز. كما أن رتشارد آتنبورو، عاد الى الرواية نفسها ليحقق عنها فيلماً ثالثاً في العام 1997 عنوانه «في الحب والحرب» جاء هذه المرة من تمثيل ساندرا بولوك.....

 

 

> مهما يكن، فإن حماس النقاد، الأوروبيين خصوصاً، لـ «وداعا للسلاح» لم يكن أقل من حماس السينمائيين. وربما كان من أكثرهم حماسا الكاتب الفرنسي دريو لا روشيل الذي قدم لأول ترجمة فرنسية للرواية بقوله أن همنغواي يبدو له صنوا لموباسان «وقد قُيّض له هذه المرة ان يزور بلدانا نصف همجية، وأن يخوض الحروب ويختلط بالشعوب (...). في أدب هذا الكاتب، ولا سيما في هذه الرواية، نشعر بقوة الاحتكاك بالأرض والتفاعل مع الطبيعة. قوة تندفع نحو أوروبا الحجر، وأميركا الحديد اندفاع وحيد قرن جزل استحم عند الصباح قبل ان ينطلق للحصول على إفطاره الصباحي المبكر».....

كلمة التحرير كتاب واراء مختارات من الصحافة حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم إعلانات تصويت
هل تثق بنتائج الانتخابات في الدول العربية؟


القائمة البريدية
البريد الالكتروني

ازئروا رررر:بورتريه عائليه والاب يشخر مفاجآت الحفل العالمي للعام 2018:الفائز الأكبر سناً في التاريخ وأول ممثل ذي بشرة سوداء يفوز بالأوسكار.. ترامب يهاجم أوبرا وينفري: خوضي الانتخابات حتى أفضحك وتُهزمي كالآخرين! ترامب في يهاجم أوبرا وينفري: خوضي الانتخابات حتى أفضحك وتُهزمي كالآخرين! ترامب في يهاجم أوبرا وينفري: خوضي الانتخابات حتى أفضحك وتُهزمي كالآخرين! اقسى صور العام  إذا كنت أقل وسامةً وتتصنَّع  13 سبباً نفسياً تفسر وقوع الآخرين في حبِّك متحف يرفض طلب ترامب استعارة لوحة لـ"فان غوخ" ويعرض عليه بدلاً منها مرحاض  صورة طائرة التجسس الاميركيه الاحدث أوبرا هل تهزمه وتصبح سيدة البيت الأبيض ؟ترامب سافوز ولااعتقد انها ستترشح