عندما تتعارض وجهات النظر بين طرفين مختلفين، لا بد من طرف ثالث ان يتدخل لبت المسألة وتحديد الابيض من الاسود، ومعلوم انه يجب على هذا الطرف الثالث ان يكون نزيهاً وبعيداً عن الانحياز كي يكون مصدر ثقة وتؤخذ قراراته على محمل الجد. هناك اطراف تؤيد النظام السوري وتقول بأن كل الاتهامات التي تساق اليه حول استعماله اسلحة كيميائية محظورة هو لذر الرماد في العيون وتحويل الانظار عن انتصارات حققها ميدانياً وسياسياً. في المقابل، يعتبر معارضو النظام ان الاسلحة المحظورة استعملت بالفعل، وانه لا يمكن السكوت عن ذلك، ويجب الاطاحة بالنظام ومن يؤيده كي يكون عبرة لغيره ولا تتحول مسألة استخدام الاسلحة غير التقليدية بمثابة امر روتيني.

ازاء هذا الامر، تدخلت ​الامم المتحدة​ وارسلت بعثة للتحقيق، انما... لا يجب التعويل على نتائج هذه البعثة، لان التاريخ علّمنا ان نتائجها اما ستكون غاضمة، او ستكون عرضة للتشكيك ان كانت نزيهة بالفعل او منحازة. وعند رفع نتائج هذا التحقيق الى ​مجلس الامن​، لن تنتهي الامور الى هدف واضح فحق "الفيتو" موجود ولا حرج لاي دولة ان تلجأ اليه اذا ما تعارض مع مصاحها، اكانت الولايات المتحدة واوروبا من جهة، او ​روسيا​ والصين من جهة ثانية، وقد حصل هذا الامر اكثر من مرة وفي العديد من المناسبات حيث لم تتردد الدول في وضع حد للجهود الدولية في العديد من التحقيقات حول جرائم ضد الانسانية او تحديد مسؤولين عن حروب او حوادث معيّنة اثّرت على الانسانية والبشرية.

يقف اليوم المسؤولون الاقليميون والدوليون امام مفترق اللجنة المكلفة التحقيق في ما حصل في دوما، ولكن التاريخ اعاد نفسه للاسف، وها هي الجنة قد تعرضت لموقف محرج حتى قبل ان تبدأ التحقيق، اذ لم يُعرف مصدر اطلاق النار عليها عند توجهها للقيام بمهامها. هذا الحادث ان دل على شيء، فعلى ان الغموض سيكون سيد الموقف، والترويج الاعلامي من قبل كل طرف بدأ فعلياً وهو اكثر من كاف للتشكيك بك ما يمكن ان يصدر عن اللجنة، حيث سيعتبر الفريق المؤيد للنظام السوري انه في حال ادانة النظام، بأن الامور ملفقة وتعرضت اللجنة للضغط كي تصل الى هذه الخلاصة، وقد تلجأ الى التذكير بما حصل في ​العراق​ و​ايران​ في ما خص اسلحة الدمار الشامل، وكيف ادارت ​اميركا​ وحلفاؤها انظارهم عن تقارير المفتشين الدوليين. من جهة ثانية، سيعتبر الفريق المعارض للنظام ان اي نتيجة لا ترضيه، بمثابة اعتراف بتدخل روسي قوي اما لـ"طمس" الادلة او لمنع اللجنة من وضع تقرير موضوعي، وهي لن تعترف بما سيصدر في هذا السياق.

لذلك، نرى ان العواصم الثلاث واشنطن وباريس ولندن، تحركت من تلقاء نفسها ووجهت ضربة عسكرية محدودة الى سوريا قبل التحقيق الدولي، وعلى الرغم من ذلك، بدا واضحاً ان الضربة لم تكن سوى معنوية وهي لم تؤد الاهداف التي تم اعلان عنها، فيما لم يجد الروس اي سبب للتدخل لاعتراض الصواريخ التي اطلقت لانها لم تشكل خطراً عليهم او على النتائج الميدانية التي تحققت.

يتم التمسك بالامم المتحدة وعملها من اجل الشكليات فقط، فيما فعلياً لا دور لاي من اللجان والمنظمات الدولية سوى اعطاء غطاء معنوي فقط لتحركات وقرارات مرسومة سلفاً. فلمن ينتظر نتائج التحقيق الدولي، ربما عليه اعادة النظر بقراره والتركيز اكثر على مواقف الدول الكبرى المعنية.