رسّخت إليزابيث كولبرت قدميها على مدار العقد الماضي بوصفها واحدةً من أفضل المؤلفين العلميين؛ فقد أضحت صوتاً مميزاً وبليغاً للضمير الجمعي بخصوص المشكلات الناجمة عن الاعتداء السافر على المحيط الإيكولوجي، والذين استمتعوا بأعمالها السابقة مثل (ملاحظات ميدانية من قلب الكارثة) لن يخيب ظنهم بكتابها القويّ الجديد (الانقراض السادس: تاريخ غير طبيعي).

تكتب كولبرت -الكاتبة في مجلة (نيويوركر) الأمريكية- تقاريرها من الخطوط الأمامية للصدام العنيف بين الحضارة والنظام البيئي لكوكبنا (سلسلة جبال الأنديز، وغابات الأمازون المطيرة، والحيد المرجاني العظيم، وحديقتها الخلفية)، بأسلوبها النثري الناصع. وتدرس كولبرت الدور الذي يؤديه التغيّر المناخي -صنيعة الإنسان- فيما يُطلق عليه علماء البيولوجيا (الانقراض الجماعي السادس)، وهو التقلص الراهن في أعداد النباتات والحيوانات الذي يهدّد جميع الأجناس الحية على كوكب الأرض خلال هذا القرن.

الانقراض فكرة جديدة نسبياً في المجتمع العلمي؛ فخلال القرن الثامن عشر الميلادي وجد الناس أنه من المستحيل قبول فكرة أن الأجناس عاشت على الأرض في مدةٍ ما ثم اختفت لاحقاً، ولم يستطع العلماء ببساطة تصوّر قوة كوكبية كافية باستطاعتها محو أشكال الحياة التي كانت شائعة في العصور الغابرة. وبالطريقة نفسها، وللأسباب عينها، يجد كثيرون اليوم من المستحيل أن نكون مسؤولين بأيّ حال من الأحوال عن تدمير النظام البيئي لكوكبنا؛ فهناك حواجز نفسية حتى لتخيّل احتمالات فقدان ما نحبه كثيراً أو دماره إلى الأبد، ونتيجةً لذلك يرفض كثير منا تدبّر هذه الفكرة من الأساس. إننا نسمح لأنفسنا، تماماً كالجمهور الذي يستعرض أمامه السحرة مهاراتهم، بأن يخدعنا الذين لديهم مصلحة في إقناعنا بتجاهل الواقع؛ فعلى سبيل المثال: ما زلنا نستخدم الغلاف الجوي للكرة الأرضية كأنه بالوعة صرف مفتوحة لنفاياتنا اليومية التي تتجاوز 90 مليون طن من النفايات الغازية، وإذا استمر الحال على ما هو عليه فستواصل درجات الحرارة العالمية ارتفاعها، وهو ما سيؤدي إلى «أحداث مُبَدِّلَة للعالم» كما كتبت كولبرت في مُؤلَّفها.

التغيّر المناخي يهدّدنا

وبحسب التقديرات المتحفّظة، التي لا مجال للطعن فيها، لعالم المناخ جيمس هانسن، يحاصر التلوث البشري الموجود في الغلاف الجوي بالفعل كميةً من الطاقة الحرارية كل 24 ساعة، تضارع الحرارة الناجمة عن تفجير قنابل نووية من فئة قنبلة هيروشيما. والسخونة السريعة الناجمة للغلاف الجوي والمحطيات التي تزعم كولبرت أنها تمتصّ نحو ثُلث ثاني أكسيد الكربون الذي أنتجناه تدمّر الأنظمة البيئية المتوازنة بشكل حساس للأرض، وهي تهدّد شبكة الأجناس الحية التي نشاركها الكوكب، ومستقبل صلاحية الحضارة وجدواها. وتضيف كولبرت: إننا «نُعرِّض بالإخلال بتوازن هذه الأنظمة وجودنا نفسه للخطر».

تتعرّض دورة المياه على كوكب الأرض لاختلال شديد؛ إذ تُبَخِّر المحطيات الأكثر دفئاً مزيداً من المياه في الهواء، ويحتفظ الهواء الأكثر دفئاً بمزيدٍ من الرطوبة (زادت الرطوبة العالمية بنسبة مذهلة بلغت 4% خلال الثلاثين عاماً السابقة)، ويوجّهها إلى الكتل الأرضية حيث تنسال على مساحات شاسعة من الأرض على هيئة أمطار غزيرة، وهو ما يؤدي إلى فيضانات وانهيالات طينية أكثر تواتراً. وتُمتصّ الحرارة الزائدة أيضاً في الطبقة العليا من البحار، وهو الأمر الذي يجعل العواصف المحيطية المنشأ أكثر تدميراً؛ فقبيل هبوب إعصار ساندي مباشرة كانت المنطقة الواقعة في مهبّ الريح من المحيط قبالة مدينة نيويورك وولاية نيوجيرسي أكثر دفئاً من المعتاد بتسع درجات، وقبل أن يضرب إعصار هايان ضربته في الفلبين كانت حرارة المنطقة التي استقى منها الإعصار جُلّ قوته من المحيط أعلى من المعتاد بمقدار 5.4 درجات.

لم تُمسِ المحيطات التي تُعدُّ مصدراً غذائياً حيوياً لمليارات من البشر أكثر دفئاً فحسب، بل أكثر حمضيةً مما كانت عليه منذ ملايين السنين، وهي تصارع من أجل امتصاص الحرارة الزائدة والتلوث الكربوني. وتوضّح كولبرت أنه لذلك ربما تكون الشعاب المرجانية النظام البيئي الكامل الأول الذي سينقرض في العصر الحديث. وتستخلص درجة الحرارة الزائدة نفسها الرطوبة من التربة في المناطق المعرضة للجفاف، وهو ما يتسبّب في حالات جفاف أعمق أثراً، وأطول أمداً، وسيفضي جفاف الأشجار وغيرها من النباتات أيضاً إلى زيادة في عدد الحرائق، ومتوسط حجمها.

وتتعرّض المحاصيل الغذائية إلى مخاطر جمة، لا بفعل الآفات المتزايدة، واختلال توازن أنماط موسم الأمطار (مواسم الجفاف المتوقعة مدةً طويلةً) فحسب، بل بفعل الأثر المتزايد للإجهاد الحراري في الذرة والقمح والأرز وغيرهما من المحاصيل الرئيسة. وتشهد المناطق المغطاة بالثلج على كوكب الأرض حالياً ذوباناً سريعاً، ويُبَدِّل الغطاء الثلجي القطبي الشمالي المتلاشي امتصاص الحرارة في الجزء العلوي من العالم، وربما يؤثّر في موقع التيار المتدفق للنصف الشمالي للأرض ومسارات الزوابع، ويُبطّئ من حركة أنظمة العواصف. وفي تلك الأثناء، تُعجِّل الخسارة المتنامية للجليد في القارة القطبية الجنوبية ومنطقة جرينلاند بارتفاع منسوب البحار والمحيطات، وتهدّد المدن الساحلية والمناطق الخفيضة.

وتتعرّض الفيروسات والبكتريا والأجناس الحاملة للأمراض كالباعوض والقرادة، وأجناس الآفات كخنافس القلف، لضغوط تتجاوز قدراتها على البقاء في مناطقها الأصلية، وفي كل مكان نجد أن العلاقات المتداخلة المعقدة والضرورية لاستبقاء الحياة تنقطع وشائجها بشكل متزايد.

هذا هو العالم الذي صنعناه بأيدينا، وتمزج كولبرت في كتابها، الذي جاء في وقته مستنداً إلى أبحاث دقيقة وصياغة أنيقة، بين التحليل العلمي والروايات الشخصية لشرح الموقف لنا، والنتيجة تاريخ واضح وشمولي لحالات الانقراض الجماعي السابقة على كوكب الأرض والأجناس التي خسرناها، إضافةً إلى وصف مثير للطبيعة المعقّدة بشكل مذهل للحياة، والأهم من ذلك كلّه أن كولبرت تدقّ ناقوس الخطر، وتدعو البشر إلى ضرورة التحرك العاجل. تقول كولبرت في كتابها: «إننا نتّخذ القرار حالياً من دون وعي منا بخصوص أيّ المسارات التطورية ستظلّ مفتوحةً، وأيها سيُغلق إلى الأبد. لم يستطع أيّ مخلوق قطّ أن يقدم على هذه الخطوة، ومن المؤسف أنها ستُمسي ميراثنا الباقي».

وتقتفي كولبرت بخبرةٍ وبراعةٍ التاريخ الفكري (الملتوي) لكيفية استيعابنا مفهوم الانقراض، وفي مدة أكثر حداثةً كيف أدركنا الدور الذي أديناه فيه؛ فعندما دُرِسَت عظام حيوان الماستودون أول مرة عام 1739م احتجّ كثير من العلماء بأن العظام الضخمة المميّزة تنتمي إلى فيل أو فرس نهر، لكن في عام 1796م قدّم عالم الطبيعة الفرنسي جورج كوفييه دليلاً على نظرية جديدة كليةً، وهي أن تلك العظام تنتمي إلى جنس مفقود من (عالم سابق لنا). جمع كوفييه أكبر عدد ممكن من الحفريات ودرسها، وحدّد في نهاية المطاف عشرات من الأجناس المنقرضة، ثم تطوّر الانقراض على مدار العقود الكثيرة اللاحقة بوصفه مفهوماً علمياً، وبإسهامات من تشارلز ليل وتشارلز داروين.

حالات انقراض سابقة

شهد كوكبنا منذ نشأة الحياة على الأرض منذ 3.8 مليارات سنة خمس حالات انقراض جماعي، آخرها حدثت منذ 66 مليون سنة؛ إذ يُعتقد أن كويكباً يبلغ عرضه ستة أميال (10كم تقريباً) ضرب الأرض، فقتل جميع الديناصورات، وبدَّل الانقراضُ الطباشيري بشدةٍ تركيبةَ التنوع البيولوجي على كوكب الأرض؛ فقد تداعت الأنظمة البيئية البحرية أساساً، واختفى 75% من جميع أجناس النبات والحيوان. تقول كولبرت: إننا نشهد حالياً انقراضاً جماعياً شبيهاً في غمضة عين جيولوجية. وبحسب إدوارد أوزبورن ويلسون، يتجاوز معدل الانقراض الحالي في المناطق الاستوائية « عشرة آلاف أس مقارنةً بمعدل الانقراض الخلفي الطبيعي»، وسيتقلّص التنوع البيولوجي إلى أدنى مستوى ممكن له منذ الانقراض الكبير العظيم.

لكن اللوم لا يقع على كويكب ضخم هذه المرة، بل علينا نحن؛ إذ بدّلنا الظروف البيئية على كوكبنا بسرعة وشكل مهولين، لدرجة أن نسبةً كبيرةً من الأجناس الأخرى لم يعُد بوسعها التكيّف. إننا نخاطر بمستقبلنا أيضاً؛ إذ أحدثنا خللاً في الميزان المناخي الذي ظلّ على حاله تقريباً منذ نهاية العصر الجليدي الأخير، ودعم إلى حدٍّ بعيد ازدهار الحضارة الإنسانية؛ فمنذ أوائل أربعينيات القرن السابع عشر الميلادي لاحظ العلماء فجوات كبيرة في سجلات الحفريات؛ فقد حدث في مددٍ زمنية تراجع التنوع البيولوجي للأرض بسرعة مهولة، ولم يفسّره أيّ نظام ثابت، وخرج بعض العلماء بنظريات مضمونها أن التغيرات المناخية المفاجئة تسبّبت في حالات انقراض جماعي سالفة. وفي العصر الحديث اجتمعت ثلاثة عوامل لبتر العلاقة بالكامل بين الحضارة والنظام البيئي للأرض، هي: الارتفاع المهول وغير المسبوق في عدد سكان البشر الذي تضاعف أربعة أمثال في أقلّ من مئة سنة، وتطوير التقنيات الجديدة القوية التي تُعظِّم من أثر كلّ فرد في تعدادنا البالغ سبعة مليارات نسمة والمقرّر أن يصل إلى تسعة مليارات نسمة أو أكثر، وظهور الأيديولوجية السائدة التي تفضّل التفكير القصير الأجل على التبعات الحقيقية البعيدة الأجل للقرارات التي نتخذها في مجالات الصناعة وسياسة الطاقة والزراعة وعلم الغابات والسياسة. وتضيف كولبرت: «الناس يغيّرون العالم من حولهم»، وتعرض على القارئ ببراعةٍ ودقةٍ الجانب العلمي والتاريخي وراء الأزمة الراهنة. وتتآلف أسفار كولبرت الكثيرة، التي أجرت فيها أبحاثها لهذا الكتاب، مع معالجتها الدقيقة المحكمة لكلّ من التاريخ والعلوم؛ لتجعل كتابها (الانقراض السادس) إسهاماً عظيماً لفهمنا الظروف الحالية في الوقت الذي تقتضي فيه الحاجة أكثر من أيّ وقت مضى التعامل مع التحول الجذري الذي تبيّنه للقراء.

وعلى الرغم من الدليل القائم على أن البشر يدفعون المخلوقات باتجاه الانقراض الجماعي إلا أننا تباطأنا بشكل مؤسف في التكيّف مع الإجراءات الضرورية للتعامل مع هذا التحدي البيئي العالمي، وما برحت ردة فعلنا تجاه الانقراض الجماعي، وكذلك تجاه أزمة المناخ، محكومة بوجهة النظر العتيقة بشكل ميئوس منه المتعلقة بعلاقتنا ببيئتنا. ومن حسن الطالع أن التاريخ حافل بأمثلة على قدرتنا على تجاوز حتى أصعب التحديات كلما ينتهي جدل ما في نهاية المطاف باختيار ما بين الخطأ الواضح والصواب الجلي الساطع؛ فحالات الشذوذ التي تحدّدها كولبرت أوضح من أن نتجاهلها؛ فهي تقدّم لنا أدلةً دامغةً على أن ما نقوم به يؤدي إلى انقراض جماعي سادس خاطئ بشكل واضح، وتثبت لنا أن تبنّي الإجراءات الصائبة يعني التعجيل بانتقالنا إلى عالم أكثر استدامةً.