ï»؟

عزة مختار: المقال والمهمة الأخيرة لجمال خاشقجي قبل اغتياله وصديق يروي تفاصيل اليوم الأخير

رئيس التحرير
2018.12.16 12:29

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هل كان جمال خاشقجي معارضا هاربا من نظام يدّعي الإصلاح، ويعرض نفسه على العالم بصفته الإصلاحية، ثم هو يرفض كل الأصوات الداعية للإصلاح، بل ويطاردها ويتهمها بالإرهاب داخل البلاد وخارجها، حتى امتلأت معتقلاته بأعداد غير مسبوقة بالمملكة من قبل؟
 
هل كان ناشطا سياسيا يعقد المؤتمرات، يعلن عداءه لنظام الحكم في بلاده ويطالب بتغييره؟
 
هل كان ضيفا مستديما على وسائل الإعلام العالمية، والتي يعمل في أهم صحفها كاشفا مساوئ وأكاذيب من يدّعون الإصلاح ثم هم يحيلون البلاد لسجن كبير؟
 
الحقيقة أن الصحفي السعودي الحر جمال خاشقجي الذي اختفى في ظروف غامضة لم يكشف عنها النقاب حتى هذه اللحظة داخل قنصلية بلاده؛ ليس أيا من ذلك. فلم يكن معارضا، وهو الذي يعلن دائما أنه لا يعادي النظام السعودي الحاكم، ولا يرفض تحكم محمد بن سلمان ولي عهد بلاده بالأمور، وإنما كما يصف هو نفسه بـ»الناصح الأمين» الذي يرفض تورط في بلاده في ما قد يؤثر في علاقاتها بجيرانها الذين تربطها بهم علاقات متجذرة تاريخية ودينية ولغوية ومصيرية..
 
كل ما نصح به خاشقجي حكام بلاده أن يخرجوا من تلك البؤرة المشبوهة في اليمن، بالتعاون مع دولة الإمارات التي تحيطها الشبهات في الإنفاق ضد رغبة الشعوب العربية في التحرر من ربقة التبعية التي قيدتها بها أنظمتها، والبحث عن حياة كريمة. كل ما أراده خاشقجي لبلاده هو عدم التورط في خصومة مع قطر الشقيقة، ومحاربة أهل السنة لمجرد خلافات فرعية.. كل ما فعله خاشقجي هي أمنيات ونصائح هادئة لتحسين وجه بلاده على يد نفس النظام، دون المطالبة بتغييره.
 
ومع ذلك، لم يستطع النظام السعودي أن يحتمل ذلك الصوت الهادئ في المطالبة بأي إصلاحات، فاختفى الرجل دون أن يترك أي أثر بمجرد دخوله قنصلية الوطن في الأراضي التركية. الوجه القبيح للنظام الإصلاحي لن أستطيع في تلك السطور أن أقدم رواية لما حدث للسيد جمال خاشقجي، بينما التحقيقات لم توضح بعد النتائج التي توصلت إليها إن كان ثمة نتائج، ولا أحد يستطيع أن يجزم بمصير الرجل في ظل الخطاب المبهم للسلطات التركية، رغم تصريحات الرئيس الطيب أردوغان المقتضبة وتهديداته غير المباشرة بأنه أصبح لزاما علي القنصلية السعودية أن تقدم دليلا على خروج الرجل أو عدم خروجه، وأنه سوف يتعرض الجميع للعقاب بمن فيهم المسؤولون السعوديون، وفي ظل ورطة النظام السعودي الذي يتحمل المسؤولية كاملة بما أنه اختفى داخل القنصلية وليس خارجها..
 
ذلك النظام الذي يطوف العالم بالشركات الدعائية التي تنفق ملايين الدولارات لتسوق عالميا «الرجل الذي سينتقل بالمملكة من عصور الظلام إلي عصور الحداثة والتقدم والتغرب والانفتاح». وإنما ما يهمني هنا هي تلك المهمة التي قام بها الصحفي الحر جمال خاشقجي، والذي يعمل ككل صحافيي العرب – خاصة الأنظمة الاستبدادية – في مهمة تعد من أصعب المهمات في ظروف وأجواء تحيط بالصحفي الكثير من المخاطر على حريته ومصدر رزقه وتهديدات تحيط بأسرته، بل وحياته في أحيان كثيرة.
 
 فالإعلامي الحر في بلاد الاستبداد ليس مجرد ناقل للحقيقة، وليس مجرد فاضح للفساد والمفسدين، وإنما تمتد مهمة الصحفي للقيام بعمليات التوعية اللازمة لإيقاظ الشعوب المستبَد بها لتنتفض على حالة الظلام، وترفض الأمر الواقع المفروض وتعلم حقوقها وتطالب بها.
 
 لا تقتصر مهمة الصحفي على كشف الحق، وإنما عليه التعريف بطريق الوصول إليه. ويشهد العالم اليوم على الوضع المتردي للصحفي والإعلامي العربي الذي يتحرك في مساحات من التضييق لا تسمح له بمجرد النطق إلا وسيف الاعتقال والملاحقة تطارده، وتطارد ذويه؛ لدرجة أن تجبر زوجة الإعلامي خاشقجي على طلب الطلاق منه بينما كانت في طريقها إليه، بمطار الرياض أو السجن هي وابنها، فيضطر الرجل لتطليق زوجته في مقابل عودتها لبيتها سالمة، كما كشف الإعلامي محمد ناصر في حلقة الأحد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، في برنامجه بقناة مكملين (مصر النهاردة)، ولدرجة أن المعتقلات في معظم بلاد الربيع العربي مليئة بالصحفيين وأصحاب الرأي والمختلفين فكريا مع الأنظمة الشمولية، فمنهم من دفع حياته ثمنا لكلمة أو كاميرا نقلت جزءا ضئيلا من الحقيقة المرة، على سبيل المثال مصعب الشامي وأحمد عاصم بمصر، ومنهم من دفع حريته ثمنا فيجدد له بالسجن دون تهم أو أدلة، ومنهم من ترك البلاد والعباد ولم يعد آمنا على نفسه حتى في بلاد المهجر، فيدخل سفارة بلاده لإنهاء بعض أوراقه الخاصة فلا يخرج منها، مثل جمال خاشقجي، لتتم مهمته التي لم يسع إليها هذه المرة. المهمة الأخيرة تلك المهمة التي قدمها خاشقجي في ثوب هادئ يشهد له العالم بها، وهي أنه ليس صوتا معارضا، وإنما صوت إصلاحي ناصح أمين لأمته وبلاده ونظامه الحاكم. ينجح خاشقجي في مهمته الأخيرة التي كتبها، بإخفائه قسريا بالقتل أو التعذيب أو الحبس..
 
 لسنا ندري بعد. مهمة فضح أي ادعاء لهذا النظام بأنه نظام يسعي للديمقراطية أو نقل بلاده من أي ظلام يدعيه، وإنما هو نظام شمولي إجرامي يأبى أن يسمع أي صوت غير صوته، حتى لو كان صوت ناصح له.
 
 نجح خاشقجي في مهمته الأخيرة، وهي تضييع الملايين على محمد بن سلمان، والتي أنفقها في تحسين صورته والتسويق له كبديل متنور عن الوجه الاستبدادي لحكم آبائه وأجداده. ينجح خاشقجي بغير كلمات؛ أن يقدم للعالم الصورة الحقيقية عن وجه أسود لنظام مستبد سوف يمثل للعالم، إن هو نجح في الوصول للحكم المطلق، خطرا شديدا على أرواح آلاف الأبرياء، طالما أنه ينتهج القتل والتغييب وسيلة للتعامل مع معارضيه، بل ربما يمتد خطره إلى معارضين له من جنسيات أخرى غير الجنسية السعودية.
 
 نجح خاشقجي كصحفي وإعلامي وكإنسان في تبليغ العالم رسالة أن يحذر من هذا الذي يدعي الحداثة، بينما هو في حقيقته يحمل فكرا إجراميا يعيد به عصور الظلام الحقيقية وعلى العالم ليس فقط أن يحذر في التعامل معه، وإنما يجب عليه أن يوقفه عن الوصول لما يريد بكشف الحقيقة كاملة، فيجيب أين جمال، حيا أو شهيدا، قبل أن تؤول له الأمور، فيصبح الجميع في خطر. أتممت رسالتك يا خاشقجي حتى وأنت مختف، فهل يتم أحرار العالم ما عليهم بكشف الحقيقة حتى لا تضيع دماء الرجل هدرا؟ هذا ما نتمناه

 

 

 

 

 

تناولنا العشاء في مطعم تركي ثم ودَّعتُه أمام الفندق.. صديق خاشقجي الذي كان معه آخر مرة علناً يروي تفاصيل اليوم الأخير

 

عندما تصافحنا وودّعنا بعضنا الآخر أمام فندق Ambassadors يوم السبت 29 سبتمبر/أيلول، لم يكن من بين أسوأ كوابيسي أنني لن أرى جمال خاشقجي مرة أخرى. كنا انتهينا لتونا من تناول العشاء في مطعم تركي بمنطقة بلومزبري في لندن مع الزملاء والضيوف الذين شاركوا في مؤتمرنا في وقت سابق من ذاك اليوم.

 

مر أسبوع الآن منذ اختفاء خاشقجي بعد دخوله القنصلية السعودية في إسطنبول. وعلى الرغم من أنَّ كل من يتابع هذه المأساة كان يأمل حدوث أفضل النتائج، يتضح يوماً بعد يوم أنّه ربما وقع له أمرٌ مروَّع.  

 

ولأنني كنت مضيفه في آخر ظهور علنيّ له، أشعر بأنَّ الواجب يحتم عليّ أن أسجِّل أفكاري الخاصة وانطباعاتي عن هذا الشخص المميز.

 

الانطباع الأول الذي يشعر به من يتعامل مع خاشقجي عن قرب هو طاقته الفكرية ودوافعه المتقِّدة. لم تكن مشاركته في مؤتمرنا ضمن الخطة المبدئية، لذا عندما اتصلت به في إسطنبول لأعرض عليه دعوتنا، عرضت عليه المشاركة كضيف وليس كمعلق.

 

وقبل الدعوة بتواضع جمّ. وفي هذه اللحظة قررت أن أستغل وجوده معنا وأطلب منه أن يكون عضواً في لجنة النقاش.  

 

وبخبرة السنين الطوال في تغطية أكبر الاضطرابات في الشرق الأوسط، كان خاشقجي مؤهلاً بلا ريب ليقدّم إسهاماً نفيساً في مؤتمرنا، وهذا ما فعله باقتدار وتميز.

 

عند الحديث عن انخراط دولته في القضية الفلسطينية، اهتم بتأكيد الدعم الثابت الذي يقدمه الشعب السعودي، موضحاً الفرق بين موقف شعبه وموقف القيادة السياسية الحالية. بالطبع استدعى بشيء من الحنين سبعينيات القرن العشرين عندما كانت السعودية تحت قيادة الملك فيصل في مقدمة الدعم العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية، والدفاع عن الأماكن المقدسة المهددة من جانب الاحتلال العسكري الإسرائيلي.

 

في عام 1972، أسس الملك الراحل مؤسسة التعاون الإسلامي، وفي العام التالي أدت السعودية دوراً محورياً في حظر النفط الذي نفذته منظمة الدول المصدرة للبترول (الأوبك)   ضد الدول التي ساندت إسرائيل في أثناء حرب أكتوبر/تشرين الثاني من عام 1973. وبعد عامين، اغتِيل فيصل.

 

كان خاشقجي واقعياً. كان يعلم أنَّ السعودية رغم ثروتها الضخمة ومكانتها الدينية ليست صاحبة القول الفصل في مستقبل فلسطين. كان يقول إنَّ هذا ظهر في بداية عام 2018 عندما تراجعت القيادة السياسية أمام «صفقة القرن» مع ترمب، والتي تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، واقتراح بلدة أبوديس كعاصمة لدولة فلسطين المستقبلية.

 

لن يقبل الشعب الفلسطيني بهذه الترتيبات، لا توجد سلطة سياسية أو دينية لها القدرة على فرضها عليهم.

 

وبينما كنا جالسين لتناول العشاء بعد المؤتمر، أطلعني خاشقجي على بعض التغريدات السلبية من منتقديه السعوديين. مثل الكثيرين من أبناء وطنه، جهر خاشقجي بانتقادات للحصار الذي تقوده السعودية ضد قطر، ودعمها حكم العسكر في مصر، وانتقد اعتقال مئات من علماء الدين، ومحاضري الجامعات، والصحافيين، ونشطاء حقوق الإنسان.

 

إذا اتضح أن خاشقجي قُتل حقاً، سيثبت هذا أيضاً لماذا هذه المنطقة، على الرغم من مواردها الطبيعية الهائلة، فشلت في التطور وظلت معتمدة على نحو يرثى له على الرعاية الغربية. فبدلاً من الاستثمار في المواهب الإعلامية المحلية من أصحاب الفكر الحرّ، اختار حكام المنطقة الاستثمار في المعدات العسكرية لتدمير حياة البشر.

 

بمعرفته الهائلة بالمنطقة وتأثيره الذي لا يحتمل الشك على الرأي العام، كان من الممكن أن تسخر المؤسسة السعودية قدرات خاشقجي ليس فقط من أجل الصالح الوطني، ولكن من أجل شعوب المنطقة التي أكنَّ لها محبة بلا حساب. ولكن عوضاً عن ذلك أخرست الدولة صوته بطرده من الوظائف والمهن التي يحبها، والآن، حسناً، لا أحد يعرف ما حدث له.

 

مر أسبوع واحد على اختفائه، لا يمكننا الجزم بأنَّ جمال خاشقجي ميت، ولكن يمكننا أن نقول بكل تأكيد إنه في موته وحياته سواء، ستلهم أفكاره، وتعاطفه، ونشاطه ملايين الأشخاص المحرومين من أصواتهم في مختلف بقاع المنطقة.

 

  • هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independentالبريطانية.

كلمة التحرير كتاب واراء مختارات من الصحافة حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم إعلانات تصويت
بانتشار الكتب الالكترونية في العالم هل ما زلت تفضل قراءة الكتب الورقية؟


القائمة البريدية
البريد الالكتروني

مضمون الصورة التي عرضها بشار الجعفري في مؤتمره الصحفي؟ خطاط سوري يحيك نسخة قرآن من القماش في 12 عاماً المناولة المقدسة قد تسبب عدوى الانفلونزا  بعد الألماسة الوردية  50 مليون $ تفتح "زهرة تيتانيوم" عملاقة في إحدى مزارع إندونيسيا  انتخاب أول مثلي ومثلية ومسلمتان ولاجئة في مجلس النواب ولعضوية الكونغرس الأميركي..إحداهما فلسطينيه والاخرى ترتدي الحجاب  صلاح بن جمال خاشقجي يلقي اللوم بمقتل والده على ولي العهد بحضور الملك خلال لقائهم هجرة الجنوب الى الشمال وترامب يغلق الحدود وويستدعي الجيش ارني نظارتك اقل لك من انت :موضة ام طبية ام أداة لتحسين الرؤية ام أسلوب حياة للمشاهير.. هكذا تختار الإطار الأنسب لوجهك افضل اصغر صورة فيديو