خالد سليمان يكتب عن قمّة المناخ في بولونيا: فرح على التويتر وخوف على الأرض

رئيس التحرير
2019.06.26 17:11

 

أمام مندوبي خمس وأربعين دولة مشاركة في مؤتمر الرابع والعشرين حول مناخ الكوكب في بولونيا، عبّر الرئيس البولوني للمؤتمر اندريه دودا عن فرحه بالوصول إلى إعلان التضامن البيئي والانتقال العادل والمتوازن بالقفز على طاولة القمة. وأصبحت خفة دودا في قفزه أمام مندوبي الدول وابتساماتهم أهم من مضمون أعمال المؤتمر حيث انتشرت صورته على موقع التويتر مثل راقص يحترف إغواء الجمهور، فيما بقيت أوراق المؤتمر ومقرّراته أسيرة “دليل إرشادي” لا يبدّد خوف العلماء من كارثة بيئية تواجه الأرض بحلول نهاية القرن.

يقتصر “الدليل الإرشادي” الذي وصل المندوبون الى الاتفاق عليه، على خطوات من شأنها تفعيل اتفاقية باريس حول البيئة لعام 2015. ويحدّد “الدليل” سبل تقديم البلدان معلومات حول مساهماتها المحدّدة التي تصف سياساتها المناخية المحلية. وتتضمّن هذه المعلومات، إضافة الى تفاصل الدعم المالي للإجراءات المناخية في البلدان النامية، تدابير التخفيف والتكيّف. كما يتضمّن الاتفاق تحديد أهداف جديدة بشأن تمويل الدول النامية اعتباراً من عام 2025 فصاعداً لتتماشى مع الهدف الحالي، وذلك من أجل جمع 100 مليار دولار أمريكي سنوياً اعتباراً عام 2020، ناهيك بسبل إجراء الجرد العالمي لفعالية العمل المناخي في عام 2023، وكيفية تقييم التقدم المحرز في تطوير ونقل التكنولوجيا.

ويعتبر التوصّل إلى توافق في الآراء بين حوالي 200 دولة بشأن الحاجة إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة في مؤتمر باريس حول البيئة عام 2015، إنجازًا “تاريخياً”. وفي عام 1997، قد حدّد بروتوكول (كيوتو) أهدافاً لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة لمجموعة من الدول المتقدّمة، إنّما، وبسبب انسحاب الولايات المتحدة، أخفقت الدول في الامتثال للتوجيهات التي حدّدها بروتوكول كيوتو.

قلقي الأكبر هو فشل المحادثات في الأمم المتحدة في مواءمة الطموحات مع العلوم

وتتلخّص المفاتيح الرئيسية لاتفاقية باريس التي جمعت دول العام بشأن التغير المناخي للمرة الأولى في التاريخ: أولا، الحفاظ على درجات الحرارة الكونية بأقل من 2.0 من درجة حرارية بالمقارنة مع عصر ما قبل الصناعي والسعي للحد منها وإيقافها في تخوم 1.5 درجة. ثانياً، الحد من كمية الغازات الدفيئة المنبعثة من النشاط البشري إلى مستويات بإمكان الأشجار والتربة والمحيطات امتصاصها بشكل طبيعي بين 2050 -2100. ثالثاً، مراجعة مساهمة كل بلد في خفض الانبعاثات الغازية كل نصف عقد من أجل رفع التحدي. رابعاً، قيام الدول الغنية بمساعدة الدول أكثر فقراً ومنحها “التمويل المناخي” بغية التأقلم مع التغير المناخي والاعتماد على الطاقة المتجددة.

يمكن القول تالياً، بأن القفز على طاولة القمة كان احتفاءً متأخراً باتفاقية باريس حيث أعيد لها قليل من الحياة، إنما كان قفزاً على جميع التقديرات بشأن اقناع الدول المارقة بيئياً، بالتوقف عن استخدام الوقود الاحفوري والصناعات الملوّثة. ففي قلب المؤتمر ذاته، تحالفت كل من الولايات المتحدة وروسيا مع المملكة العربية السعودية والكويت وتخلّتا عن الموافقة على تقرير تاريخي حول الحاجة إلى الحفاظ على ارتفاع درجة حرارة الأرض أقل من 1.5 درجة مئوية. وأشار التقرير الذي أصدرته الهيئة الدولية الحكومية المعنية بشؤون المناخ بداية شهر تشرين الأول الماضي (أكتوبر 2018) إلى إن العالم سيصل إلى أكثر من 3 درجات مئوية في ظل التصاعد الحالي للاحترار الكوني. وحذّر علماء بارزون كتبوا التقرير من حصول الكثير من الجفاف والفيضانات والعواصف، ناهيك بارتفاع مستوى البحر وانقراض الكثير من التنوع الأحيائي في حال بلوغ الحرارة 1.5 درجة مئوية، فيكف إذاً للعالم أن يكون حين تبلغ الحرارة 3 درجات مئوية.

يقول يوهان روكستروم، مدير قسم الأبحاث البيئية في معهد بوتسدام، “قلقي الأكبر هو فشل المحادثات في الأمم المتحدة في مواءمة الطموحات مع العلوم. ما زلنا نتبع مساراً يقودنا إلى 3-4 درجات مئوية بحلول نهاية القرن، حينها سيكون العالم بالغ الخطورة”. ويحذّر يوهان روكستروم من نفس المخاوف التي حذّر منها زملاءه العلماء: لقد ضربت أحداث مناخية عنيفة الناس في جميع أنحاء العالم ببلوغ الحرارة درجة مئوية واحدة، فكيف ستكون الحياة على الأرض حين تتجاوز ذلك وتصل الى ثلاث أو أربع درجات مئوية. تالياً، لسد الطريق أمام مثل هذه الكوارث البيئية القادمة وإبقاء درجات الحرارة في تخوم درجة ونصف، يحتاج العالم الى تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 50% في السنوات العشر القادمة؛ ولن يفيد دون ذلك، الفرح على التويتر.

الى ذلك ورد في الاخبار

موجة حر شديدة تجتاح أستراليا والسكان يهربون إلى الشواطئ

وتتجه العاصمة كانبيرا نحو أكثر أيام ديسمبر حرارة على الإطلاق يوم السبت حيث من المتوقع أن تسجل الحرارة 39 درجة.

 

وقالت ديانا إيدي خبيرة الأرصاد الجوية في مكتب الأرصاد "سنشهد ارتفاعا شديدا في مستويات الحرارة في ديسمبر".

وديسمبر- كانون الأول هو بداية فصل الصيف في نصف الكرة الجنوبي. وقد يكون يناير- كانون الثاني وفبراير- شباط أكثر حرا. وتفرض درجات الحرارة المرتفعة على نحو غير معتاد ضغوطا على اقتصاد قائم على الزراعة ويعاني بالفعل بسبب عام من الجفاف.

وأدرج مكتب الأرصاد الجوية سيدني في تحذيره من "موجة حرارة شديدة" على مدى الأيام الثلاثة المقبلة وهو أعلى درجات التحذير بشأن درجات الحرارة. ومن المتوقع أن تسجل الحرارة في ضواحي سيدني ما يصل إلى 40 درجة مئوية.

رجّح رد دونالد ترامب على تقرير أعدّه العلماء الأميركيون في 13 ولاية أميركية حول التغير المناخي، الكفّة لمصلحة “شعبويته الاقتصادية”. تحدّث التقرير عن خسارة ميليارات الدولارات في أميركا بحلول نهاية القرن بسبب الاحترار الكوني. وجاء رد الرئيس الأميركي كنفي قاطع للنتائج التي توصّل إليها التقرير وقطع الطريق أمام حدوث أي سجال في وسط الرأي العام، قائلاً: “لا أصدّقه”. وذهب أبعد من ذلك في قمّة الدول العشرين (2/12/2018) في أرجنتين، إذ اعتبر أن ما يثار بشأن التغير المناخي “مجرّد خدعة”، مؤكّداً عزمه على تنشيط صناعة ملوّثة مثل الفحم ما دامت قادرة على إيجاد وظائف جديدة، تالياً، اختتمت القمة أعمالها وسط تباعد بين الولايات المتحدة وشركائها بسبب رفض هذه الأخيرة دعم التحرّك لحماية المناخ.

ليس لرفض دونالد ترامب التقرير المذكور حول التغيّر المناخي أي قيمة علمية، إنما يعرّض مستقبل الكون وحياة أكثر من 7 مليارات إنسان لخطر الجفاف والسخونة والتلوّث وحروب البيئة. وذهبت مجلة “فورين بوليسي” إلى أن الظروف الكونية تحدّدها قوانين الفيزياء والكيمياء وليست تغريدات ترامب، أو إنكاره، أو صخبه، أو نهجه المتمثل بوضع الرأس في الرمال تجاه كوكب سريع الاحترار. وتقول المجلة في مقال بعنوان: الاحترار البيئي يشب النار في القيادة الأميركية، “بطبيعة الحال، لن يكون ترامب معنا في الوقت الذي تحدث أسوأ الآثار، إنما الأجيال المقبلة هي التي تعاني من النتائج”.

من تظاهرة ضد التغيّر المناخي في بانغكوك، أيلول 2018

ولكن لماذا لا يصدّق دونالد ترامب التغير المناخي ولماذا يصدّقه الكثير في العالم؟ إنه سؤال يحمل الكثير من التعقيدات الاقتصادية، السياسية، الثقافية والدينية. يقول الأستاذ المساعد للعلاقات الدولية في جامعة الشارقة في الإمارات العربية المتحدة شيركو كرمانجي: “هناك أسباب عدة تدفع دونالد ترامب لعدم تصديق التغير المناخي، قد يكون الدين أوّلها، يعني أن التغييرات البيئية أمر إلهي ولا يستطيع الإنسان إصلاحها، السبب الثاني هو اقتصادي ولا يريد دونالد ترامب إلزام إدارته بالتكلفة المالية العالية التي تحتاجها الشركات العملاقة المنتجة للطاقة الاحفورية في الانتقال إلى الطاقة المتجددة، السبب الثالث هو أن ترامب ينظر إلى العالم على أساس الربح والخسارة، وتخلو سياسته من أي بعد أخلاقي، أما السبب الرابع والأخير فهو الدور الذي تلعبه لوبيات شركات النفط والغاز في رسم سياسات الرئيس الأميركي”.

ليس ترامب وحده من لا يصدّق التغير المناخي وينفي التقارير العلمية حوله، أو يضع رأسه في الرمال، هناك أوساط كثيرة وأشخاص كثيرون -بمن فيهم السياسيون الماضون على خطى ترامب- يرفضون الاعتراف بالأدلة والوقائع التي تتبدى كبرج ناصع حول التغير المناخي وتفاقم صحة الأرض. ويكمن جزء من المشكلة بحسب المحلل النفسي النرويجي بيير أ‌سبن ستونكيس، في حواجز نفسية تمنع غالبية الناس من إدراك مخاطر التغير المناخي، ومن بين هذه الحواجز هو “التنافر المعرفي”، إذ يتم غالباً قمع المعلومات أو طمسها، لتجنب التفكير والتصرّف تجاه المشكلة؛ نحن أمام الوعي بالمشكلة والاعتراف بالحاجة إلى التصرّف أو ردود الفعل تجاهها.

تركّز اتجاهات عالمية اليوم في مواجهة التحديات البيئية، على الاتصال بالمجتمعات المحلية حول المخاطر، وإعطائها شعوراً بأنها قادرة على التصرّف

هنا، وعلى رغم وجود إجماع على أن تغير المناخ حقيقة، تختلف الدوافع باختلاف هوية الشخص واتجاهاته ومصالحه. يقول أستاذ الفلسفة في جامعة واترلو بول تاغارد في هذا السياق: “إذا كنت سياسياً محافظاً، فأنت لا تريد أن تصدّق التغير المناخي، لأنه إذا كان هناك بالفعل تغير مناخي يسبّبه النشاط البشري، فعلى الحكومة أن تتخذ خطوات لإصلاحه”. هذا كل ما في الأمر. هناك مخاوف أخرى تمنع الناس من فعل شيء تجاه ما يحصل، كالوظائف المرتبطة بالوقود الأحفوري مثل البترول، الغاز والفحم ويخشون من تعرّض وظائفهم للتهديد. ولا يرغب البعض بدفع الأموال للحكومة لتمويل المشاريع المتعلقة بالطاقة أو إصلاح البيئة.

إضافة إلى ذلك، يتم غالباً نشر معلومات قد تكون منحازة وتُكرّس الأفكار والقناعات السياسية المحافظة والثابتة حول المناخ، من دون الوعي بصحتها بطبيعة الحال. والناس عموماً، يصدّقون معلومات تحمي وظائفهم، وتُكرّس إيمانهم أو قناعاتهم السياسية والإيديولوجية، ولا يحبّذون معلومات، وإن كانت موثّقة وعلمية، تزعزع تلك القناعات.

برأي أستاذ علم النفس في جامعة باركلي في ولاية كاليفورنيا الأميركية مايكل باني، يتعلق جانب من جوانب عدم تصديق التغير المناخي بنقص المعرفة لدى الناس. وأسّس هذا البروفيسور الأميركي موقعاً إلكترونياً لإنتاج مقاطع فيديو قصيرة تظهر آليات حدوث التغير المناخي.

تبدو القصة وسبل روايتها في هذا السياق، القصة المصورة تحديداً، الأكثر تأثيراً على الرأي العالم في ما خص التغير المناخي. ومن هنا يبرز دور الصحافة والحلول القائمة على القصة في إيصال الحقائق حول أزمتنا البيئية المتفاقمة الى الناس. ويؤيد أستاذ العلوم السياسية في جامعة سانتا- باربارا الأميركية ماتو ملدينبيرغر، التوجّه الى المجتمعات المحلية وليس العلماء، أي أنه يؤيد مشاهدة واقع التغير المناخي بدل الاستماع إلى العلماء. و”عجز المعلومات” في إقناع الناس بما حصل من التغير المناخي بالنسبة إليه يشرح كل شيء. تالياً، يكمن حل المشكلة بالنسبة إليه في وصول المواطنين إلى الأشخاص الموثوق بهم قائلاً: “لا أتحدث عن العلماء، بل أتحدث عن الناس في المجتمعات المحلية”. وتركّز اتجاهات عالمية اليوم في مواجهة التحديات البيئية، على الاتصال بالمجتمعات المحلية حول المخاطر، وإعطائها شعوراً بأنها قادرة على التصرّف.

 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 ترودو يوزع هدايا على مسؤولين أمريكيين لفوز فريق كندي للسلة بالدوري الأمريكي  راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا