نوبل: تصدّوا للكارثة المناخيّة والاحتباس الحراري أصبح بخطورة قنبلة ذرية.. ماهي عواقبه

رئيس التحرير
2019.06.16 22:17

 الاحتباس الحراري في المحيطات أصبح بخطورة قنبلة ذرية

 
 
 

خلُصت دراسة حديثة إلى أن الاحتباس الحراري في المحيطات أصبح بخطورة قنبلة ذرية ، حيث كشفت أنه أدى إلى زيادة درجة حرارة المحيطات بما يعادل انفجار قنبلة ذرّية واحدة كل ثانية على مدار الـ 150 عاماً الماضية.

تمتص البحار أكثر من 90٪ من الحرارة المحتبسة بسبب انبعاثات الغاز من الصوبات الزراعيّة التي يستخدمها البشر، في حين يمتص كل من الهواء والأرض والأغطية الجليدية على التوالي نسبة قليلة من الحرارة.

تؤدي كمية الطاقة الضخمة التي تُضاف إلى المحيطات إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، وتزيد من شدة الأعاصير والعواصف.

تخزن معظم تلك الحرارة في أعماق المحيطات، لكن قِياسها قد بدأ فقط في العقود الأخيرة، والتقديرات الموجودة حالياً لمجموع حجم الحرارة التي امتّصتها المحيطات تعود فقط إلى حوالي العام 1950.

أمّا العمل الجديد فيقوم بتحليل بيانات تمتد إلى العام 1871.

وقال العلماء إنّ فهم التغيّرات الماضية في حرارة المحيطات أمرٌ مهمّ للتنبّؤ بالآثار المستقبليّة للتغيّر المناخي.

ووفقاً لحسابات The Guardian، فإنّ متوسّط ارتفاع الحرارة على مدى 150 عاماً كان يُعادِل الحرارة الناتجة عن انفجار حوالي 1.5 قنبلة ذريّة في الثانية بحجم تلك التي ألقيت على هيروشيما.

إلّا أنّ الاحترار قد تزايَد خلال تلك الفترة مع ارتفاع معدّل انبعاث الكربون، وصار الآن يُعادِل ما بين ثلاث إلى ستّ قنابل ذريّة في الثانية.

طاقة هائلة تُخزنها المُحيطات

تقول البروفيسورة لور زانّا، من جامعة أوكسفورد والتي كانت تقود عملية البحث الجديدة، ”أحاول ألّا أجري هذا النوع من الحسابات، ببساطة لأنّي أجده مقلِقاً. عادةً ما نحاول مقارنة الاحترار باستخدام الإنسان للطاقة، لنجعل الأمر أقل إثارةً للفزع“.

وأضافت ”إلّا أنّنا بوضوح نقوم بإضافة الكثير من الطاقة الزائدة إلى النظام المناخيّ، وكثير منها ينتهي به المطاف مخزوناً في المحيطات. لا شكّ في هذا“.

تصل الحرارة الكلّيّة التي امتّصتها المحيطات خلال الـ 150 سنة الماضية إلى ألف ضعف الطاقة السنويّة التي يستخدم مجموع السكّان في العالم.

وقد نُشِر البحث في مجلّة Proceedings of the National Academy of Sciences، وحوَى قياسات لحرارة سطح المحيطات منذ العام 1871 باستخدام نماذج محاكاة حاسوبيّة للدوران المحيطيّ.

قال البروفيسور سمر خاتيوالا، من جامعة أكسفورد وأحد أفراد فريق البحث، إن «نهج دراستنا يشبه ‘طلاء’ أجزاء مختلفة من سطح المحيط بأصباغ مختلفة الألوان، ثم مراقبة كيفية انتشارها إلى الأعماق مع مرور الوقت.

إذا علمنا الانحراف في درجة حرارة سطح شمال المحيط الأطلسي في عام 1871، يمكننا ذلك من تحديد مقدار مساهمته في ارتفاع درجة حرارة أعماق المحيط الهندي في عام 2018، على سبيل المثال».

لطالما كان ارتفاع منسوب مياه البحر من بين أكبر الآثار طويلة الأمد للتغير المناخي، إذ يهدد حياة مليارات البشر ممن يعيشون في المدن الساحلية، كما أن تقدير الارتفاعات المستقبلية لمستوى سطح البحر أمر حيوي للاستعداد لها.

بعض تلك الارتفاعات تنتج من ذوبان الجليد في غرينلاند وغيرها من الأماكن، إلا أن هناك عاملاً رئيسياً آخر، وهو التمدد الفيزيائي للماء مع ارتفاع درجة حرارته.

على الرغم من ذلك، لا ترتفع درجة حرارة البحار بانتظام مع نقل تيارات المحيطات للحرارة حول العالم.

إن معرفة كمية الحرارة التي امتصتها المحيطات على مدار الـ150 عاماً الماضية أمر مهم إذ يوفر بيانات أساسية.

ففي المحيط الأطلسي على سبيل المثال، اكتشف فريق البحث أن نصف مقدار الزيادة منذ عام 1971 في المناطق القريبة ومتوسطة البعد عن خط الاستواء، كانت نتيجة الحرارة المنتقلة إلى المنطقة بفعل التيارات.

«قد تأتي بعواقب وخيمة»

يُتوقع أن تساعد تلك الدراسة الحديثة الباحثين في وضع توقعات أدق لارتفاع مستويات البحار في مناطق مختلفة في المستقبل.

قال الباحثون، «إن التغيرات المستقبلية في انتقال تيارات المحيط قد  تأتي بعواقب وخيمة تتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحار الإقليمية، ومخاطر الفيضانات في المناطق الساحلية».

إن فهم التغير في درجة حرارة المحيط ودور الدوران المحيطي في تشكيل أنماط احترار مستمرة، يُعد  مدخلاً أساسياً للتنبؤ بالتغيرات المناخية العالمية والإقليمية، وتحديد ارتفاع مستوى البحر».

قالت دانا نوكيتيلي، وهي عالمة بيئة لم تشارك في هذه الدراسة الحديثة، «ازداد معدل ارتفاع درجة حرارة المحيط مع تسارع وتيرة الاحتباس الحراري، ففي بعض الأماكن، كان مقدار الارتفاع يتراوح ما بين 3 إلى 6 قنابل هيروشيما لكل ثانية خلال العقود الأخيرة، اعتماداً على مجموعة البيانات والإطار الزمني المُستخدم.

تُقدر هذه الدراسة الحديثة معدل احترار المحيط بنحو ثلاثة قنابل هيروشيما لكل ثانية خلال الفترة من 1990 إلى 2015، وهو الحد الأدنى لبعض التقديرات الأخرى».


العالم سيشهد قريباً تأثيرات خطيرة للاحتباس الحراري.. وقتها ستكون الأعاصير المدمرة والجفاف أمراً عادياً ومتكرراً
 

بحلول سنة 2300، ستصبح الظواهر المناخية القاسية مثل الأعاصير المدمرة والجفاف الذي يمتد سنوات طويلة، بالإضافة إلى الحرائق الهائلة، شائعة لدرجة أنها لن تكون مهمة لتتصدر عناوين الأخبار وقتها.

أما آخر مجموعة من الأشخاص الذين ظلوا على قيد الحياة بعد الهزات الأرضية التي ضربت المناطق الموجودة بالقرب من خط الاستواء، فسيَحزمون أمتعتهم وينتقلون نحو الأقطاب ذات الكثافة السكانية العالية.

وقد نشرت صحيفة Proceedings of the National Academy of Sciences مقالاً جديداً بعنوان «أبرز 9 طرق يمكن أن ينتهي بها العالم«، تحدثت فيه عن هذه الحالة التي تسمى «حالة الدفيئة»، حيث ترتفع درجات حرارة كوكب الأرض لتصل إلى حدود 4 إلى 5 درجات مئوية (أي 7 و9 درجات فهرنهايت)، وتتجاوز مستويات درجات الحرارة قبل الثورة الصناعية.

كما سترتفع مستويات سطح البحر لتصل إلى حدود 10 إلى 60 متراً، وهو أعلى من مستوياته في الوقت الحالي.

نعم، من الصعب جداً تخيُّل ذلك، لكننا من السهل أن نصل إلى هذه المرحلة.

إذ قال مجموعة من العلماء في هذه المقالة، إن درجات الحرارة ستتجاوز عتبة درجة الحرارة العادية التي لها تأثير في الحفاظ على برودة الأرض، وعند الوصول إلى هذه النقطة، ستقود سلسلة من الظواهر المناخية الكوكب إلى حالة الدفيئة.

وعلى الرغم من أن العلماء لا يعرفون بالضبط ما هي هذه العتبة، فإنهم قالوا إنها قد تكون في حدود درجتين مئويتين (أي 4 درجات فهرنهايت)، وهي تتجاوز مستويات درجات الحرارة في فترة ما قبل الثورة الصناعية، حسب ما نقله موقعLive Science الأميركي.

اممم.. درجتان مئويتان؟ تذكّرنا بأشهر اتفاقيات المناخ الدولية

قد يبدو الأمر مألوفاً، فمستوى درجة الحرارة الذي يبلغ درجتين مئويتين يلعب دوراً كبيراً في اتفاقية باريس للمناخ، وهو اتفاق تم التصديق عليه سنة 2016 من قِبل 179 دولة؛ سعياً لمكافحة تغير المناخ، من خلال الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (وهو الاتفاق الذي أعلنت الولايات المتحدة انسحابها منه السنة الماضية«2017»).

هذا يعني ببساطة أن دول العالم تعاونت من أجل الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض حتى لا تتجاوز درجتين مئويتين، وإبقائها في حدود 1.5 درجة مئوية، وهو ما يفوق مستويات درجات الحرارة ما قبل الثورة الصناعية.

وقد أخبر يوهان روكستروم، وهو المؤلف المشارك في تحرير هذا المقال ومدير مركز Stockholm Resilience، وأستاذ أنظمة المياه والاستدامة العالمية في جامعة ستوكهولم بالسويد، موقع Live Science، بأن «هذا الاتفاق يقدم دعماً علمياً قوياً جداً؛ لذلك يجب أن نتجنب الاقتراب من درجتين مئويتين أو بلوغهما».

الأرض في انتظار عصر دفيء بدلاً من الجليدي؟!

على مدى ملايين السنوات الأخيرة، كانت الأرض تشهد العصر الجليدي كل 100 ألف سنة أو نحو ذلك، وكان آخر مرة غطى فيها الجليد كوكب الأرض، منذ نحو 12 ألف سنة، أما الآن، فهو في فترة ما بين الجليدين والتي تسمى فترة هولوسين. وخلال هذه الدورة، تقوم الأنظمة الطبيعية بإبقاء الأرض باردة، حتى خلال الفترات الدافئة.

لكن العديد من العلماء يقولون إنه نظراً إلى التأثير الهائل للبشر على المناخ والبيئة، يجب أن يُطلق على العصر الجيولوجي الحالي اسم الأنثروبوسين (وهي مأخوذة من كلمة Anthropogenic، التي تعني النشاط البشري).

في حين قال روكستروم إن درجات الحرارة تقترب من درجات الحرارة القصوى خلال دورة ما بين الجليدين، وأضاف روكستروم أنه «إذا استمرت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون دون أي رادع، فإنه لن يعود هناك وجود لدورة ما بين الجليدين؛ ما قد يدفع الأرض إلى عصر جديد يُطلَق عليه (الأرض الدفيئة)».

كما تابع قائلاً: «في الوقت الحالي، وصلت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون جراء حرق الوقود الأحفوري في السنة إلى 40 مليار طن، حيث تقوم المحيطات والأشجار والتربة بامتصاص نصف تلك الانبعاثات. مع ذلك، فنحن بصدد مشاهدة علامات تدل على أننا -نحن البشر- نضغط على النظام البيئي كثيراً، وهو ما يظهر من خلال قطع الكثير من الأشجار وإتلاف عدد كبير من الأراضي، فضلاً عن هدر كميات هائلة من المياه العذبة وإطلاق الكثير من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي».

ويضيف روكستروم أن «العلماء يخشون من أنه إذا ما وصلنا إلى مشارف درجة حرارة معينة، فسيترتب على هذه العوامل الطبيعية انعكاسات، وستصبح الأرض (ساخنة بصفة ذاتية)، وسينجرُّ عن ذلك إطلاق الغابات والتربة والمياه كميات ثاني أكسيد الكربون التي تخزنها».

كما شدد روكستروم على أنه «عندما يصبح كوكبنا مصدراً لانبعاث غازات الاحتباس الحراري، وكذلك نحن البشر، يمكن لك أن تتخيل كيف ستتسارع الأمور بشكل كبير في الاتجاه الخاطئ».

العديد من نقاط التحول

في حين دعم روكستروم وفريقه البحوث الموجودة حول ردود الفعل المختلفة للطبيعة، واستنتجوا أن العديد منها يمكن أن يعتبر بمثابة «عوامل حاسمة»، أي عند ظهور عامل واحد، تتبعه العديد من العوامل الأخرى.

وتمتلك الطبيعة آليات لردود الفعل، مثل قدرة الغابات المطيرة على خلق الرطوبة والمطر الخاصة بها، الأمر الذي يُبقي الأنظمة الإيكولوجية في حالة توازن.

وحيال هذا الشأن، قال روكستروم إنه في حال تعرضت الغابات المطيرة لارتفاع متزايد في درجات الحرارة وعمليات إزالة الغابات، فستصبح هذه الآلية أضعف تدريجياً.

وأشار روكستروم إلى أن الوصول إلى نقطة تحوُّل معينة، يمكن أن يتسبب في تغير اتجاه آلية ردود الفعل التابعة للطبيعة، وتتحول الغابات المطيرة من محرك للرطوبة إلى مصدر لجفافها، وفي نهاية المطاف، تتحول الغابات المطيرة إلى السافانا.

وعند وصولها إلى هذه المرحلة، ستطلق الغابات غازات ثاني أكسيد الكربون، ما قد يصبح بدوره جزءاً من سلسلة يمكنها التأثير على العمليات الطبيعية الأخرى حول العالم، على غرار التيار المحيطي وظاهرة «إل نينيو-El Niño«. وتشمل نقاط التحول الأخرى ذوبان الجليد الدائم وفقدان الجليد البحري في أثناء الصيف بالقطب الشمالي، فضلاً عن فقدان الشعاب المرجانية.

نداء عالمي للمساعدة.. وأميركا تهرب!

في حين أشار روكستروم إلى أن «أول وأهم هدف يجب أن يتمثل في وقف انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بشكل تام بحلول سنة 2025». لكنه أكد أن ذلك لن يكون كافياً؛ حيث إنه «يتعين على العالم بأَسره أن يبدأ في مشروع كبير، ليضمن استدامة جميع القطاعات»؛ حتى نستطيع تجنُّب نقاط التحول هذه.

وذكر روكستروم أن هذه الخطوة يمكن اعتبارها تحدياً، خاصة أن البلدان، في جميع أنحاء العالم، أصبحت ذات نزعة قومية بشكل متزايد. وبدلاً من التركيز على أهداف وطنية ضيقة، يجب أن يعمل العالم بشكل جماعي على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، كإنشاء صناديق استثمار يمكنها مساعدة الدول الأكثر فقراً التي لا تملك الوسائل لخفض هذه الانبعاثات كما تفعل الدول الأكثر ثراء.

وأضاف روكستروم قائلاً: «هذا ما يعني أنه من الناحية العلمية، يبدو من غير المقبول أبداً انسحاب بلد مثل الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ؛ نظراً إلى أننا نحتاج، الآن وأكثر من أي وقت مضى، مشاركة جميع الدول في العالم للتخلص من ثاني أكسيد الكربون من أجل ضمان كوكب مستقر».

وقد أخبر مايكل مان، وهو أستاذ بارز في علم الأرصاد الجوية بجامعة ولاية بنسلفانيا، والذي لم يشارك في هذه الدراسة، موقع Live Science، عبر البريد الإلكتروني، بأن «هذه الدراسة لا تتضمن أي بحث جديد، لكنها تستند إلى الأبحاث الموجودة مسبقاً».

وحيال هذا الشأن، قال أستاذ علم الأرصاد الجوية إنه «وفي ضوء ذلك، يقوم مؤلفو هذا البحث، من وجهة نظري، بتقديم حالة موثوقة تؤكد أننا من المرجح، وفي ظل غياب جهود مكثفة على المدى القريب للتخفيض من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، أن نواجه تغيراً مناخياً خطيراً ولا رجعة فيه، في غضون عقود معدودة».

أووف! يجب علينا إذاً إنقاذ العالم قبل أن يحترق بأبنائنا وأحفادنا

 

كيف يتصورون ذلك؟ لأنه إذا تسبب انهيار المناخ في تجويع مئات الملايين من الأفارقة والآسيويين الفقراء وتهجيرهم، فإن ذلك سوف يُسجل كنقطة صغيرة جداً في الناتج المحلي الإجمالي. فبعد كل شيء، لا يضيف الفقراء “قيمة” كبيرة للاقتصاد العالمي. وينطبق الشيء نفسه على كائنات مثل الحشرات والطيور والحياة البرية. من وجهة نظر رأس المال، ما يراه معظمنا على أنه مشكلات أخلاقية ووجودية كبيرة، لا يؤخذ في الاعتبار فعلياً.

 

والأدهى من ذلك، إن الأسباب التي دفعت نوردهاوس لهذا الفكر، من وجهة نظره، أن القطاعات الأكثر عرضة للاحتباس الحراري – وهي القطاعات الزراعية والحراج وصيد الأسماك – لا تساهم إلا قليلاً نسبياً في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يقرب من 4 في المئة فقط. لذا حتى لو تسبب هذا الأمر بانهيار النظام الزراعي العالمي بأكمله في المستقبل، فإن التكاليف، بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ستكون بسيطة.

 

إذاً، ماذا لو تبين أن نوردهاوس مُخطئ؟ ماذا لو أدى الاحتباس الحراري العالمي الشديد إلى زعزعة استقرار حضارتنا وانهيار الاقتصاد؟ فعلى سبيل المثال، يتوقع “تقرير ستيرن” بشأن اقتصاديات تغير المناخ أن خسائر الناتج المحلي الإجمالي قد تصل إلى 20 في المئة سنوياً. إن حدث ذلك، فسنتعرض لمساوئ كلا العالمَيْن: الأجيال الآتية ستكون أكثر فقراً، وسينتهي الأمر بكوكب الأرض. يا له من رِهان خطير يتعلق بمستقبل البشرية- إِذْ تتجاوز المخاطر المترتبة على هذا الرهان حدود مخيلتنا.

كيف يتصورون ذلك؟ لأنه إذا تسبب انهيار المناخ في تجويع مئات الملايين من الأفارقة والآسيويين الفقراء وتهجيرهم، فإن ذلك سوف يُسجل كنقطة صغيرة جداً في الناتج المحلي الإجمالي. فبعد كل شيء، لا يضيف الفقراء “قيمة” كبيرة للاقتصاد العالمي. وينطبق الشيء نفسه على كائنات مثل الحشرات والطيور والحياة البرية. من وجهة نظر رأس المال، ما يراه معظمنا على أنه مشكلات أخلاقية ووجودية كبيرة، لا يؤخذ في الاعتبار فعلياً.

 

والأدهى من ذلك، إن الأسباب التي دفعت نوردهاوس لهذا الفكر، من وجهة نظره، أن القطاعات الأكثر عرضة للاحتباس الحراري – وهي القطاعات الزراعية والحراج وصيد الأسماك – لا تساهم إلا قليلاً نسبياً في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يقرب من 4 في المئة فقط. لذا حتى لو تسبب هذا الأمر بانهيار النظام الزراعي العالمي بأكمله في المستقبل، فإن التكاليف، بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ستكون بسيطة.

 

إذاً، ماذا لو تبين أن نوردهاوس مُخطئ؟ ماذا لو أدى الاحتباس الحراري العالمي الشديد إلى زعزعة استقرار حضارتنا وانهيار الاقتصاد؟ فعلى سبيل المثال، يتوقع “تقرير ستيرن” بشأن اقتصاديات تغير المناخ أن خسائر الناتج المحلي الإجمالي قد تصل إلى 20 في المئة سنوياً. إن حدث ذلك، فسنتعرض لمساوئ كلا العالمَيْن: الأجيال الآتية ستكون أكثر فقراً، وسينتهي الأمر بكوكب الأرض. يا له من رِهان خطير يتعلق بمستقبل البشرية- إِذْ تتجاوز المخاطر المترتبة على هذا الرهان حدود مخيلتنا.

 

في ما يبدو وكأنه مصادفة غريبة، وعلى نحو غريب، أُعلِن فوز نوردهاوس بجائزة نوبل في اليوم نفسه من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الذي نشرت فيه اللجنة الدولية للتغيرات المناخية ” IPCC” أحدث تقريرٍ لها عن تغير المناخ. يمثل هذا التقرير في الوقت الراهن أكثر القضايا إلحاحاً لدى الأمم المتحدة، إِذْ يدعو التقرير إلى خفض انبعاثات الكربون إلى النصف بحلول عام 2030، وخفض الانبعاثات إلى مستوى الصفر بحلول منتصف العقد الحالي. وفي حين أمضى نوردهاوس معظم العقود الأربعة الأخيرة وهو ينادي باتباع النهج التدريجي للحفاظ على ظروف النمو الاقتصادي، فإن اللجنة الدولية للتغيرات المناخية تدعو إلى اتخاذ إجراءاتٍ فوريةٍ وجذرية من أجل الحفاظ على ظروف الحياة. النمو الاقتصادي مقابل الحياة. لم يسبق أن كان الصراع بين علم الاقتصاد والعلوم بهذا الوضوح من قبل.

 

في السنوات الأخيرة، خفف نوردهاوس من وجهات نظره إلى حدٍ ما، متبنياً فرض ضرائب على انبعاثات الكربون أعلى مما كان يطالب به في الماضي، حتى وإن كان أقل بكثير مما تطالب اللجنة الدولية للتغيرات المناخية بفرضه. غير أن موقفه العام في هذا النقاش الدائر لا يزال واضحاً. وعندما أُعلِن خبر فوزه بالجائزة، قال لتلامذته ناصحاً “لا تدعوا أي شخصٍ يصرف انتباهكم عن القضية الحالية، ألا وهي النمو الاقتصادي”.

 

ألا يمكننا تحقيق المطلبين معاً؟ ألا يمكننا تحقيق النمو الاقتصادي والحفاظ على درجة الحرارة أقل من 1.5 درجةً مئوية؟ في الواقع، ربما كان ذلك ممكناً قبل عقود، لكن الآوان قد فات على ذلك الآن. لقد ماطلنا كثيراً في عملية التحوّل في مجال الطاقة، وهذا بفضل نوردهاوس ومن على شاكلته من دعاة التأجيل.

 

علينا أن نستخدم طاقاتنا لمعالجة هذه المشكلة. نحتاجُ إلى استنفارٍ عام، كالاستنفار الذي حدث في القطاع الصناعي خلال الحرب العالمية الثانية؛ علينا إنتاج الألواح الشمسية وتوربينات الرياح كما لم نفعل من قبل. في الوقت الحالي، تقوم الولايات المتحدة بإدخال نحو 16 غيغاوات من الطاقة النظيفة كل عام. وهذا المعدل يحتاج إلى أن يزيد12 ضعفاً، ويجب أن يحدث ذلك على الفور. هناك دولٌ أخرى تواجه تحدياتٍ مماثلة.

 

إن الأمر ممكن بالتأكيد. لكننا بعيدون من المسار لتحقيق ذلك. فلماذا إذاً نزيد من صعوبة هذا التحدي على أنفسنا لثلاثة أضعاف؟ لماذا نختار أن نصعد التل من أشدّ نواحيه انحداراً؟

 

كل هذا يقودنا إلى طرح سؤال جوهري. يصر الاقتصاديون ممن هم على شاكلة نوردهاوس على أن النمو المستمر للناتج المحلي الإجمالي أمرٌ ضروري لتحقيق الرفاهية للبشر. لقد تأخر اتخاذ خطواتٍ فعلية بشأن المناخ لثلاثة عقودٍ بسبب هذا المبدأ. لكن هل يعد هذا المبدأ صحيحاً أصلاً؟ هل يعتبر الاعتماد على الناتج المحلي الإجمالي خيارنا الوحيد؟

 

من اللافت للنظر أن نوردهاوس ـــ مثله مثل معظم الاقتصاديين المحافظين ـــ لم يكلف نفسه عناء التفكير هذه النقطة. إن شعار “النمو الاقتصادي أمرٌ جيد” أصبح متغلغلاً في وَعيِنا لدرجةٍ تجعل التشكيك به ضرباً من الجنون.

 

لكن هذا بدأ تغير. ففي السنوات الأخيرة، تبنى الاقتصاديون البيئيون رؤيةً بديلة. يقولون إنه سيكون لدينا فرصة أفضل بكثير لتحقيق أهدافنا المتعلقة بالمناخ إذا تخلت الدول الغنية عن سعيها إلى تنمية الناتج المحلي الإجمالي. وإن قمنا بذلك على النحو الصحيح، فلن نتمكن من حماية رفاهية للبشرية فحسب، بل سنتمكن حتى من تحسينها. ربما يكون تحرير أنفسنا من حتمية النمو هو أفضل خيار لنا للازدهار في القرن الحادي والعشرين.

 


تتمثل الخطوة الأولى في إدراك أن المستويات العالية من الناتج المحلي الإجمالي لا تعني بالضرورة مستويات معيشة عالية للبشر. صحيح أن المؤشرات الاجتماعية ترتبط بوجه عام بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه يمثل منحنى تشبع السوق: بعد الوصول إلى نقطة معينة، فإن تحقيق المزيد من الناتج المحلي الإجمالي لا يضيف سوى القليل إلى مستوى معيشة البشر.

 

والمثير أكثر للاهتمام، أنّ بعض الدول تتمتع بمستويات عالية من التنمية البشرية في ظل انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي – ويمكن الولايات المتحدة أن تتعلم الكثير منهم. ويعتبر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا أقل منه في الولايات المتحدة بنسبة 40 في المئة، ومع ذلك فهي تتمتع بمؤشرات اجتماعية أفضل بالنسبة إلى كل الفئات تقريباً.

 

كيف حدث هذا؟ يعتمد الأمر برمته على التوزيع. عام 1975، أعطت أميركا العمال حصة من الدخل القومي أكبر من الحصة التي يأخذونها في الوقت الحاضر. وتستثمر أوروبا في الخدمات الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والتعليم أكثر مما تستثمره الولايات المتحدة. يثير هذا سؤالاً: إذا تمكنت أوروبا من التفوق على الولايات المتحدة على رغم دخلها الأقل بشكل ملحوظ، فهل يحتاج الاقتصاد الأميركي إلى مواصلة النمو؟

 

إذا كانت رفاهية البشر هي ما نسعى إلى تحقيقه، إذاً فالنمو ليس هو الطريقة الأكثر فعالية لبلوغه. الدول الغنية تمتلك بالفعل مستويات نمو أكثر مما يكفي، لكن تكمن المشكلة في أن كل شيء تستحوذ عليه الفئات الأعلى، وهذا لا يُساهِم بشيء تقريباً في تحسين مستوى معيشة الناس. هناك طريقة أخرى. يمكننا تحسين حياة الناس في الحال، من دون أي نمو إضافي على الإطلاق، وذلك ببساطة من خلال توزيع الدخل الحالي بمزيد من الإنصاف.  

 

إذا فكرنا في لغز النمو من هذه الزاوية، ستؤول الأمور إلى مفاضلة أكثر وضوحاً: بين العيش في مجتمع أكثر إنصافاً من ناحية، والمخاطرة بكارثة مناخية من ناحية أخرى. أتصور أنّ معظم الناس لن يواجهوا صعوبة كبيرة في الاختيار.

 

بالطبع، قد يغير أحدهم هذا النهج المتبع ويقول إن النمو هو السبيل الوحيد لتعبئة الموارد المالية اللازمة للتحول إلى الطاقة النظيفة، وهو السبيل الوحيد للحصول على الابتكارات التكنولوجية التي نحتاجها لجعل اقتصاداتنا أكثر كفاءة. في الواقع، يعد هذا جزءاً أساسياً من حجة نوردهاوس.

 

لكن من غير المنطقي أن نعمل على زيادة الناتج المحلي الإجمالي ونأمل بسذاجة أن ينتهي الأمر إلى استثمار هذا الناتج في مصانع الألواح الشمسية.

 

وإذا كان الهدف هو تحقيق أنواع محددة من الابتكارات التكنولوجية، فمن المنطقي أكثر أن تستثمر في تلك الأنواع مباشرة، أو أن تحفز الابتكار من خلال إجراءات سياسية موجهة، بدلاً من تنمية الاقتصاد ككل من دون تمييز (بصورة عشوائية) ثم تتمنى التوصل إلى نتيجة محددة.

 

مرة تلو الأخرى، يتضح أنّ إصرار الاقتصاديين على ضرورة النمو بات غير مبرر على نحو لافت للنظر. إن أمثال نوردهاوس على استعداد للمخاطرة بكل شيء حرفياً من أجل تحقيق شيء لا نحتاجه من الأساس.

 

هل سيكون هناك دعم سياسي من أجل خطة ما بعد النمو؟ يفترض معظم السياسيين أن الإجابة لا. هم يفترضون أن الناس يريدون النمو، وهذا هو السبب في أنهم يتحدثون عن ذلك طيلة الوقت تقريباً. لكنهم لم ينظروا إلى البيانات. يُظهر أحد الاستطلاعات الجديدة المثيرة للدهشة التي أجراها برنامج ييل للتواصل في مجال تغير المناخ أنّ 70 في المئة من الأميركيين يعتقدون أن الحماية البيئية أكثر أهمية من النمو –وهذا حقيقي حتى في الولايات الجمهورية العميقة. كما توصل استطلاع آخر إلى أنّ 70 في المئة من الناس في الدول ذات الدخل المتوسط والمرتفع يعتقدون أنّ الإفراط في الاستهلاك يعرض كوكبنا ومجتمعنا للخطر. وتعتقد أغلبيات أخرى أيضاً أننا ينبغي أن نسعى إلى شراء أشياء أقل، وبذلك لن يتأثر مستوانا المعيشي.

 

هذه النتائج رائعة. كما أنها تؤكد ما ظلت تنادي به أبحاث الأنثروبولوجيا وعلم النفس على مدار عقود، أن ما يهم معظم الناس هو الصحة الجيدة والعلاقات الحميمية والعمل الهادف وإمكان الوصول إلى الطبيعة وقضاء بعض الوقت في فعل ما يحبون، والأهم من ذلك هو الحياة في بيئة تنعم بالاستقرار ويشعرون فيها بالأمان. والجميل أننا لسنا بحاجة إلى النمو للإيفاء بهذه المتطلبات، وذلك على الأقل في الدول ذات الدخل المرتفع.

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا «Game of Thrones»أسطورة وتاريخ و14 مسلسلاً ينافسه وسيلفستر ستالون: ممثل فاشل