كيف تحولت مكة من مكان محظور فيه السياسة إلى مقرّ لـ3 قمم؟ والتصعيد مستمر بين مصر وتركيا

رئيس التحرير
2019.06.19 08:19

 عقدت السعودية 3 مؤتمراتٍ في مكة نهاية شهر مايو/أيار الجاري. ورأس الملك سلمان القمة العادية الرابعة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي، وهي منتدى إسلامي تأسس برعاية الملك فيصل في ستينيات القرن الماضي.

 
وعُقد كذلك اجتماعان طارئان لمجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية في مكة أيضاً، وتناولت النقاشات الهجمات الأخيرة في الخليج، والقضية الفلسطينية، والتضامن الإسلامي، والأقليات المسلمة وغيرها من القضايا.
 
تناقض في التحرك السعودي الأخير لحظر وتجريم الإسلاموية
يكشف اندفاع الملك لاستدعاء المسلمين في آخر رمضان، شهر الصيام، إلى مكة لمناقشة قضايا سياسية بحتة التناقض في التحرك السعودي الأخير لحظر وتجريم الإسلاموية، بحسب مقال لمضاوي الرشيد، وهي أستاذة زائرة في معهد الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد، نشره موقع Middle East Eye البريطاني.
 
والمؤتمرات الثلاثة لا تُعقد بغرض مناقشة المسائل الفقهية، بل للسعي إلى دعم الملك السعودي في أزمةٍ خطيرة ومثيرة للجدل والانقسام.
 
الخلاصة: تبقى الرغبة في استخدام أهمية مكة الدينية لتحقيق أهدافٍ سياسية استراتيجيةً سعودية ذات قيمةٍ عالية.
 
ويعني إدخال السياسة إلى مكة ومنطقتها إسلامويةً مطلقة، وهي الحركة التي حظرها النظام السعودي ولكنه لا يتوانى عن ممارستها في محيط منطقةٍ ذات قيمة رمزية غالية بين كل المسلمين.
 
هذا يجعلنا نعتقد أن النظام السعودي يريد الإسلاموية بدون الإسلاميين، لأنَّ معظم هؤلاء في السجون حالياً. والملك هو الإسلامي الوحيد الذي يبقى حراً في استغلال مكة لتحقيق أهدافٍ سياسية.
 
ولا حاجة إلى القول إنَّ مكة ليست فقط مكاناً مهماً للعبادة والحج، ولكنها أيضاً مركزٌ رمزي له أهميةٌ بالغة. تعود سيطرة السعوديين على هذا المكان المقدس إلى عام 1925 حين سقط النظام في يد القوات السعودية-الوهابية المنتصرة.
 
منذ ذاك الوقت، يكافح النظام السعودي لبناء شرعيته على أساس خدمة المسلمين في مكة وتوفير الخدمات الأساسية للحجاج. من حق المسلمين أن يقلقوا حيال من يتحكم بمكة لأنَّ السلطة السياسية الحالية تدير وتسيطر على الوصول إلى المكان المقدس.
 
السياسة محظورة كلياً على كل باحث مسلم أو ناشط
على الرغم من أهمية مكة كونها ركناً شرعياً في الرواية السعودية -فالملك هو خادم الحرمين الشريفين منذ عام 1986 حين تبنى الملك فهد هذا اللقب- يصر النظام السعودي على أن مكة هي مكانٌ للعبادة ويجب أن تبقى خاليةً من السياسة.
 
والسياسة محظورةٌ كلياً وكل باحث مسلمٍ أو ناشط يريد استخدام الحج لنشر رسائل سياسية لا يُمنع فقط بل ويعاقب بشدة أيضاً.
 
وحسب الرؤية الرسمية السعودية، يأتي هذا السلوك ضمن الإسلاموية، أي الخلط بين الدين والسياسة، وهي الآن حركةٌ مجرَّمة تنسب إليها كل آفات السعودية خلال الأربعين سنة الماضية.
 
يصر النظام السعودي على أنَّ مكة هي مكانٌ للدين فقط. يجب أن تبقى مكة مفتوحةً على ممارسة نوعٍ من الإسلام يركِّز على العبادة والطقوس والممارسات المتوقعة من المسلمين الذين يزورونها للعمرة والحج.
 
لكن للأسف، لا يلتزم النظام السعودي بما يحرّمه على مواطنيه والمسلمين. لا أحد يستخدم مكة لأغراضٍ سياسية أكثر من النظام السعودي وفقهائه «المتدينين» الذين يتحكمون في منبر مكة.
 
إذ ليست المؤتمرات الثلاثة في مكة إلا استمراراً للممارسات السعودية التي تخلط الدين بالسياسة في مكة نفسها.
 
الترويج لأفكار قادة السعودية عبر منابر الحرم والمساجد
لا يفوت أئمة جامع مكة أي فرصة للترنم والتضرع ومديح الملوك السعوديين. وجمهورهم هو دائماً من المسلمين الذين أتوا إلى المسجد إما بقصد الحج أو ببساطة للقيام بزيارة قصيرة.
 
لذا فإن امتداح الملك السعودي وتَوقُّع باقي المسلمين أن يكرروا «آمين» ليس سوى دعايةٍ سياسيةٍ واضحة مفروضة على المسلمين، ومعظم هؤلاء جاؤوا إلى مكة لأسبابٍ أخرى غير أن يجري إمطارهم بالدعاية السعودية.
 
أما بالنسبة للمنبر، فإنَّ الأئمة السعوديين مشهورون أيضاً بتحذير السعوديين وغيرهم من المشاركة في أي نشاط يعتبر سياسياً في السعودية. وقد يشمل هذا نقاشاً سياسياً بين الحجاج المجتمعين أو هتافاتٍ تدين بلداناً معينة أو قادةً ظلموا المسلمين، ويشمل أيضاً القضية الفلسطينية التي يريد الملك السعودي الآن من ضيوفه أن يناقشوها في المؤتمر.
 
الأشخاص الذين يدعمون الفلسطينيين، أو المسلمين الصينيين، أو حتى الذين يدينون الإسلاموفوبيا وقادة العالم الذين شاركوا في انتشارها، سيتعرضون لعقابٍ شديد. فمثل هذه الأمور من الأفضل أن تُناقش وراء أبوابٍ مغلقة بين ضيوف الملك.
 
ليس من حق المسلمين أن يفرضوا آراءهم الخاصة ويعبروا عن وجهات نظرهم في أي مكان، وخاصةً في مكة. هذا سيُعتبر إسلامويةً خطيرة يعاقب عليها بالمكوث طويلاً في السجن، أو حتى أسوأ، بقطع الرأس.
 
لذا وحسب الرواية الدينية السعودية الرسمية، الحاكم فوق كل هذه القيود ويمكنه ممارسة ما هو محظورٌ على الآخرين.
 
الممارسات الإقصائية وحرمان بعض المسلمين من الوصول لمكة
النظام السعودي يتحكم في من يأتي إلى مكة، والعدد المتزايد من المنفيين واللاجئين السعوديين ليسوا بالطبع على قائمة الزوار الذين سيزورونها قريباً. في الماضي، منع النظام وصول بعض الحجاج إلى مكة وأعادهم من المطار، منكراً عليهم بذلك حقَّ تحقيقِ ركنٍ مهمٍ من أركان الإسلام، ركنٍ بدونه يكون إسلامُ المرء غير مكتمل.
 
أي ناقدٍ مسلم للنظام السعودي يُعتبَّر غير مرغوب فيه وغير مرحب به في مكة. وإحدى الحالات التي تثبت هذا هي حالة الشيخ التونسي راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة الإسلامي، ففي عامي 2007 و2008، رفضت السفارة السعودية في بريطانيا (حيث كان الغنوشي يقيم في المنفى) منحَه تأشيرة الذهاب إلى المملكة للحج.
 
أيضاً ثمة العداء التاريخي تجاه الحجاج الإيرانيين الذين رفضوا منع السعودية للسياسة في مكة والذين تعرضوا للترحيل والمعاملة القاسية عندما هتفوا في ثمانينيات القرن الماضي بعبارة «الموت لأمريكا».
 
الحجاج القطريون كانوا حذرين من زيارة مكة بعد عام 2014 -وفي عام 2017، بعد الحصار الذي قادته السعودية ضد قطر- حين توترت العلاقات بين بلدهم والسعودية. الآن الأمير القطري، تميم بن حمد، كان مدعواً إلا أنه لم يحضر القمة.
 
هذه الممارسات الإقصائية غير العادلة دفعت العديد من القادة والناشطين المسلمين إلى عدم انتقاد سياسات السعودية علناً خشية إدراج أسمائهم على قائمة الأشخاص الممنوعين من زيارة مكة. إنَّ منع وصولهم إلى مكة هو فعلٌ سياسي يعبر عن ظلم وغطرسة السعودية في أكثر الأماكن قداسةً على الأرض.
 
فشلٌ مستمر حتى في قمم مكة المكرمة
أولئك الذين كانوا يتوقعون قراراتٍ جادة في مؤتمرات مكة الثلاثة قد خاب أملهم لأنَّ السجل التاريخي لمثل هذه اللقاءات يدل على فشلٍ مستمر في تحقيق أدنى وحدةٍ إسلامية حول القضايا السياسية الجادة.
 
بالطبع هناك بيانٌ مشترك يؤكد وحدة وتضامن الأمة المسلمة في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي، وهناك ثمة تعبيراتٌ أكثر قوة حول الوحدة والتضامن في الاجتماعين الطارئين الآخرين.
 
كل هذه الخطابات موجهة ضد إيران، التي يرى السعوديون أنَّها المسؤولة عن الهجومين الإرهابيين الأخيرين في الخليج.
 
إن كنا سنعتبر هذه المؤتمراتٍ محاولةً سعودية أخرى للوصول إلى المسلمين في جميع أنحاء العالم والسعي وراء دعمهم لأجندتها المحدودة ولكن الثابتة لهزيمة إيران، فإنَّ السعوديين قد يفشلون.
 
كان العالم الإسلامي دائماً -ولا يزال- معتلاً بالهموم الداخلية والمحلية ولن يندفع لمساندة الحروب السعودية. إن كان الهدف هو السعي وراء دعم ما يسمى «صفقة القرن» الغامضة لإنهاء المشكلة الفلسطينية، فقد يكون هذا وقتاً عصيباً، إذ يتحرك المسلمون على نحو متزايد باتجاه رفض مثل هذه المشروعات الضخمة لمحو إحدى أهم القضايا التي شغلتهم لأكثر من نصف قرن.
 
لا بديل لأمريكا فالجامعة العربية أصبحت اسماً فقط
الجامعة العربية أصبحت حقاً ميتة وظيفياً وهي مبتلاةٌ بانشقاقاتٍ داخلية بين بلدانها، بينما مجلس التعاون الخليجي يحتاج إلى معجزة لإصلاح الصدع الذي تسبب به استبعاد قطر وفرض العقوبات عليها، رغم الدعوة الأخيرة لحضور القمة الطارئة في مكة.
 
المؤتمرات الثلاثة هي احتفالاتٌ كبرى في نهاية رمضان، وربما تكون احتفالاً سابقاً للعيد بالنسبة للقادة الذي آخر أمانيهم هي أن يجري جرهم إلى حربٍ غير متوقعة في الخليج.
 
قد تشعر السعودية بخيبة الأمل بسبب تصريح راعيها، حين عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن احترامه للشعب الإيراني وأكد عدم سعيه لتغيير النظام هناك لكنه يسعى إلى التزام طهران بإنهاء برامج أسلحتها النووية.
 
هذا التصريح يشكّل تبايناً شديداً مع تصريحاته المعتادة التي يصغِّر فيها الملك السعودي ويذكِّره دوماً كيف أنَّه بدون الولايات المتحدة سينهار النظام في الرياض. عودة السعودية إلى الشركاء المسلمين والعرب والخليجيين لن تكون أبداً بديلاً للالتزام الأمريكي بالوقوف إلى جانبها ضد إيران.
 
لهذا السبب لن تُنهي قمم مكة الأزمة الخليجية على الرغم من وجود قطر بتمثيل عالٍ في السعودية
 
في 18 مايو/أيار 2019، دعت القيادة السعودية لعقد اجتماعات عاجلة بين مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية لمناقشة التوترات المُتصاعدة في منطقة الخليج.
 
اقترح الملك سلمان عقد هاتين القمتين في مكة يوم 30 مايو/أيار لمناقشة «الاعتداءات الأخيرة وتبعاتها» في المنطقة.
 
وجاء هذا الإعلان بعد ما بدا أنَّه عملية تخريبية غامضة في وقتٍ سابق من هذا الشهر قبالة الساحل الشرقي لدولة الإمارات العربية المتحدة، والتي استهدفت أربع سفن.
 
بعد يومين، هاجم المتمردون الحوثيون في اليمن خط أنابيب شرق-غرب لنقل النفط في السعودية بطائرات بدون طيار، في حادثة قال عنها مسؤولون في الرياض إنَّ إيران أمرت بتنفيذها.
 
طريقة تعامل قطر مع قمم مكة
أُثيرت تساؤلات كبرى حول الكيفية التي ستتعامل بها قطر، العضوة في مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية، مع هاتين القمتين في السعودية. 
 
في البداية، لم يتلق أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني دعوة في الوقت الذي تلقى فيه رؤساء الدول العربية الأخرى دعوات، مما يشير إلى أنَّ المسؤولين في الرياض سوف يستخدمون هذه القمم لتعزيز الروايات عن كون قطر دولة منبوذة ومُنعزلة بعد مرور عامين على بداية الخلاف الخليجي.
 
ومع ذلك، في 26 مايو/أيار، أرسل الملك سلمان أخيراً دعوة للأمير تميم عن طريق الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي. في اليوم التالي، هبطت طائرة قطرية في السعودية على متنها وفد دبلوماسي قطري، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا منذ اندلاع الأزمة الخليجية في عام 2017. 
 
ويواصل السعوديون حظر الطائرات القطرية من المجال الجوي للسعودية. وسُمح للطائرة القطرية التي هبطت في جدة يوم 27 مايو/أيار بالدخول إلى المجال الجوي السعودي بسبب قمم مكة القادمة فقط، وليس نتيجة لأي تغيير كلي في السياسة السعودية.
 
ببساطة، لا يزال الحصار قائماً، وإن لم يتم رفع الحصار (أو حتى يتم رفعه)، فمن غير المُحتمل أن تبحث قطر عن نية حسنة من القيادة السعودية. 
 
الحصار على قطر خلق ظروفاً ليس من السهل إصلاحها
من دون شك، فإنَّ هذا الحصار الذي دام عامين، والذي صاحبه هجوم الجبهة التي تقودها السعودية والإمارات على قطر من خلال حروب المعلومات وحملات الضغط في الغرب، خلق ظروفاً لن تتمكن الرياض وأبو ظبي من إصلاحها بسهولة. 
 
إنَّ الحصار الاقتصادي وقطع العلاقات الدبلوماسية بين التحالف المُناهض لقطر والدوحة لم يعط الإمارة المُحاصرة أي خيار سوى التكيف والتوجه إلى دول أخرى، مثل تركيا، وإيران، والهند، والصين، وباكستان، وعمان، والكويت، وروسيا، والقوى الغربية، لتوثيق العلاقات والشراكات العميقة من أجل التحايل على الحصار.
 
بالنسبة للقطريين، تشكّل مسألة أنَّ بلادهم تمكنت بشكلٍ أساسي من الحصول على استقلالها من الظلال السعودية والإماراتية ومناطق النفوذ في المنطقة مصدراً للفخر الوطني.
 
في الدوحة، هناك رأي مفاده أن قطر في وضع أفضل على المدى الطويل بدون حلفائها السابقين في مجلس التعاون الخليجي، الذين فشلوا في تحقيق أهدافهم من حيث الضغط على قطر لإجراء تغييرات كبيرة في سياستها الخارجية والداخلية.
 
لو كانت قطر قد استسلمت، لكانت الإمارة ستتخلى بشكل أساسي عن سيادتها أمام الرياض وأبو ظبي لتصبح دولة تابعة تحت سيطرة تلك العواصم. ويفتخر العديد من القطريين بأنَّ قيادتهم لم تستسلم أمام نفوذ السعوديين والإماراتيين.
 
الخلاصة: وعلى الرغم من أن دعوة العاهل السعودي ووصول طائرة قطرية إلى جدة كانت ذات أهمية رمزية، لن يحضر أمير قطر قمم مكة، بالنظر إلى الوضع الحالي للعلاقات بين الرياض والدوحة، وسيُرسل رئيس الوزراء عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني للحضور نيابة عنه. 
 
علاوةً على ذلك، فإنَّ الحديث عن القمم التي تؤدي إلى حل للأزمة الخليجية سابق لأوانه. 
 
مع رفض الأمير تميم دعوة الملك سلمان وإرسال ممثل من المستوى الأدنى بدلاً منه، تُرسل الدوحة رسائل مُهمة.
 
ويُشبه الأمر إلى حدٍ كبير قمة دول مجلس التعاون الخليجي السنوية التي عُقدت في أواخر العام الماضي في السعودية، بالإضافة إلى القمة التي عُقدت العام الماضي في الكويت، تُواصل قطر دعم مجلس التعاون الخليجي كمؤسسة من خلال المشاركة في هذه الاجتماعات.
 
وربما تعتقد قيادة قطر أنَّه في المستقبل، حتى لو كان ذلك بعيداً، يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تعود إلى وضعها السابق كمؤسسة ذات صلة في السياسة الإقليمية، وتود الحكومة في الدوحة أن تؤكد بثقة أن قطر، كعضو مؤسس في المجلس، لم تبتعد عن المجلس أبداً رغم أزمة الخليج.
 
ومع ذلك، فإنَّ هذا التفكير بعيد المدى لا يُغير واقع المشهد الحالي للخليج و(انعدام) أمن المنظمة. تنظر قطر إلى السعودية باعتبارها تهديداً بليغاً وتنظر إلى مجلس التعاون الخليجي كمؤسسة غير فاعلة وغير قادرة تماماً على تزويد الإمارة بشكل الحماية الذي كانت جميع الدول الأعضاء الست (بما في ذلك قطر) تريده من مجلس التعاون الخليجي عندما جرى تأسيس المجلس في أوائل الثمانينيات.
 
وبدلاً من الاعتماد على البحرين، والسعودية، والإمارات كحلفاء وشركاء دفاع في مواجهة التهديدات المُشتركة، تنظر قطر إلى الدول الأخرى -وعلى رأسها الولايات المتحدة وتركيا- كحلفائها الأمنيين الرئيسيين في مواجهة التهديدات التي تُشكلها دول أعضاء مجلس التعاون الخليجي.
 
إن انعدام الثقة داخل دول مجلس التعاون الخليجي، والذي يتضح من تصورات قطر للدول التي تفرض الحصار عليها، وكذلك وجهات نظرهم حول الدوحة باعتبارها تهديداً كبيراً لنظمهم الحاكمة – لن ينتهي بسبب مشاركة قطر في قمتي دول مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية هذا الشهر.
 
من الصعب أن نتخيل أن مواقف السعودية أو الحكومة القطرية بشأن الأزمة الخليجية يمكن أن تتغير بأية طريقة ملحوظة بسبب اجتماعات الطوارئ هذه.
 
في جميع الأحوال، فإنَّ هذه الاجتماعات الطارئة في السعودية لن تُنهي أزمة مجلس التعاون الخليجي.
 
يجب أن تتكيف القيادة في الرياض وأبو ظبي مع حقيقة أن تصرفاتهم المتهورة ضد قطر في مايو/أيار ويونيو/حزيران 2017، قد أدت إلى ديناميكيات جديدة لم تُغير النظام الجيوسياسي لشبه الجزيرة العربية فحسب، بل أدت أيضاً إلى زيادة عدم الاستقرار والاستقطاب في جميع أنحاء العالم الإسلامي الكبير بدايةً من المغرب العربي إلى بلاد الشام والقرن الإفريقي وصولاً إلى الساحل.
 
إذا كان هناك جهد حقيقي من جانب العاهل السعودي لدعم وحدة الخليج العربي في مواجهة تهديد إيراني مُتصور للمملكة، فإنَّ سلوك ولي العهد السعودي ونظيره في أبو ظبي، محمد بن زايد، تجاه قطر على مدار العامين الماضيين بإمكانه أن يقوض قدرة الملك سلمان على تحقيق هذا الهدف.
ا
التصعيد مستمر بين مصر وتركيا.. كيف نتجنب المواجهة المسلحة في شرق المتوسط، ويربح الجميع؟
 
مصر بدأت تشكيل تكتل ضد تركيا فاستفزت أنقرة
التصعيد قد يؤدي لعمل استفزازي يتسبب في مواجهة مسلحة
لكن كيف يمكن تجنب الكارثة؟
ثمة منافع جيوسياسية أبعد لهذا الأمر أيضاً فما هي؟
قد يكون التوازن الاستراتيجي الذي أبقى شرق البحر المتوسط هادئاً نسبياً على مدار السنوات القليلة الماضية على وشك الاضطراب. ففي الثالث من مايو/أيار الجاري أعلنت تركيا أنَّها ستشرع في عمليات تنقيب عن الغاز الطبيعي قبالة الساحل الجنوبي لقبرص، في المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تطالب بها الحكومة المعترف بها دولياً في جنوب قبرص الذي تسيطر عليه اليونان. 
 
تقول أنقرة إنَّها تدافع عن حقوق القبارصة الأتراك في النصف الشمالي من الجزيرة المنقسمة عرقياً الذين لهم ملكية مشتركة شرعية للغاز الطبيعي في الجزيرة لكنهم ممنوعون من المشاركة في تطوير القطاع الغاز. في الثاني عشر من مايو/أيار ضاعفت تركيا جهودها وأعلنت أنَّها سترسل حفارةً ثانية إلى المياه القبرصية.
 
مصر بدأت تشكيل تكتل ضد تركيا فاستفزت أنقرة
في تقرير لها تشير مجلة Foreign Policy  الأمريكية إلى أن  السياسة التركية المحفوفة بالمخاطر  تأتي استجابةً لمحاولاتٍ من مصر، واليونان، وقبرص وإسرائيل لخلق منظومة طاقة إقليمية ستستبعد تركيا من تسويق الغاز الطبيعي من شرق البحر المتوسط. فعلى سبيل المثال في عام 2017 وبداية عام 2018، أجرت مصر وقبرص محادثاتٍ حول اتفاقٍ لبيع الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا عبر محطات الغاز الطبيعي المسال المصرية، وهو ما يضمن أن الغاز البحري في المنطقة لن يمر عبر الأنابيب التركية في طريقه إلى أسواق الاتحاد الأوروبي. وفي فبراير/شباط من عام 2018، أعلنت شركة الطاقة الإيطالية العملاقة، إيني، التي اكتشفت في عام 2015 حقل غاز «ظُهر» المصري بالقرب من المياه الإقليمية القبرصية، العثور على كميةٍ كبيرة من الغاز في حقل كاليبسو القبرصي المجاور للحقل المصري.
 
بسبب شعوره بأنَّه محاصر، منع الجيش التركي حفارةَ إيني قبل أن تصل إلى موقع حفرها في المياه القبرصية، مجبراً الشركة على سحبها. لكن هذا دفع نيقوسيا إلى التقرب من مصر أكثر، فوافقت قبرص على تزويد مصانع الغاز الطبيعي المسال المصرية بالغاز القبرصي بغرض تصديره. بعد أن وافقت قبرص على ذلك الاتفاق، سارت إسرائيل التي كانت تفكر في خط أنابيب إسرائيلي-تركي تحت الأرض، على خطى قبرص وعقدت اتفاقاً لبيع غازها إلى مصر أيضاً.
 
التصعيد قد يؤدي لعمل استفزازي يتسبب في مواجهة مسلحة 
والتصعيد الأخير في هذا الخلاف مثيرٌ للقلق، إذ قد يؤدي أي عمل استفزازي من أي طرف إلى نزاع مسلحٍ في المنطقة التي تعاني بالفعل من شبكةٍ معقدة من النزاعات والمنافسات الإقليمية.
 
لكن كيف يمكن تجنب الكارثة؟
يمكن تجنب الكارثة اذا مُنحت كل الأطراف طريقاً للازدهار من رخاء الغاز الطبيعي في المنطقة
 
يمكن  للأطراف أن تجتمع إذا جرى التعامل مع الغاز الطبيعي والكهرباء الناتجة عنه على أنَّهما سلعتان إقليميتان يجري الاتجار بهما عبر مركزٍ افتراضي تجري إدراته بصورة مشتركة من المنطقة المحايدة في قبرص.
بعكس المركز الحقيقي، الواقع حيث تلتقي العديد من الأنابيب وحيث يُفترض بكل الأطراف أن تقوم بتبادلات مباشرة بحيث تصل إلى نقطة كمية الغاز نفسها التي ضُخت إلى المنظومة من نقطةٍ محددة أخرى من ذلك الموقع المحدد، يتيح المركز الافتراضي للباعة والشراة فرصةَ حجز كمياتٍ مختلفة من الغاز سواءٌ ذاك الذي يُضخ أو الذي يُسحب دون تحديد وجهةٍ مسبقة.
يشكل المركز الافتراضي كل نقاط الضخ والسحب في منطقة السوق هذه. وهذا النوع من المراكز (الشبيهة بـ»نقطة التوازن الوطنية» (NBP) الناجحة للغاية والتي تتبعها بريطانيا)، يتمتع بالمرونة ويجعل التجارة أسهل، وهو بالضبط ما يلزم لتطوير مركزٍ إقليمي في المناطق التي تتردد فيها الدول في ربط بُناها التحتية وأسواق تصديرها.
يتميز التعامل مع الغاز الطبيعي باعتباره سلعة إقليميةٍ مشتركة بمكاسب عديدةٌ. فبتجميع مخزونها في المنطقة، ستحصل كل دولةٍ على سعرٍ أفضل لغازها. أيضاً، سيفرض مركز التجارة الافتراضي الشفافية في أسواق الغاز في المنطقة لأنَّه سيكون كيانها المحايد الخاص المستقل الخاضع للقانون السويسري، أو القانون البريطاني أو سيكون خاضعاً للمحكمة التجارية الدولية في ستوكهولم، كما هو متعارف عليه في اتفاقاتِ تجارة الطاقة. وسيساعد الانفتاح في تقليص الفساد ويسهل الاتفاق حول مشاركة العائدات، وهذا مكوِّن رئيسي لأي خطةٍ لتوحيد قبرص.
وقد يضيف إنشاء مركز للتبادل التجاري الافتراضي في المنطقة المحايدة من قبرص زخماً لعملية توحيد قبرص بطرقٍ أخرى أيضاً. فالمكاتب والحواسيب التي ستكون موجودةً هناك يمكن أن يديرها بصورة مشتركة قبارصة الشمال والجنوب لتكون آليةٍ لبناء الثقة. وحين يكون التبادل مزدهراً، فإن كلا الطرفين سيصبح مساهماً في التطوير السلمي للتنقيب عن الغاز الطبيعي القبرصي وإنتاجه.
ستتجاوز المنافع حدود قبرص بكثير. فتبادل العقود يمكن على الأقل جزئياً أن يجري عبر شركة Energy Exchange Istanbul التركية التي تديرها شركة EPIAS. وباعتبارها مؤسسة رائدة في شرق المتوسط، تقود EPIAS مسيرة تحرير سوق الطاقة في تركيا وقد أسست سجلاً ممتازاً في تشغيل سوق تجارة الكهرباء بما يضمن الشفافية والظروف الموثوقة للسوق والوصول المتكافئ لكل المساهمين فيه.
بربط المنظومة بشركة الطاقة التركية وأيضاً بمثيلاتها في الإسكندرية وأثينا والقاهرة وتل أبيب وأماكن أخرى في المنطقة فإنَّ المركز الافتراضي سيزيد من سيولة سوق الطاقة في شرق المتوسط ويخلق حوافز للتعاون بين دوله. ليس القصد من المركز الافتراضي أن يجري استبداله بالمشروعات القائمة أو المخطط لها، بل زيادة فعالية مثل هذه المشروعات إذ سيوفر هذا المركز أفضل منصةٍ لاستكشاف الأسعار.
علاوةً على ذلك، قد يؤدي التعامل مع الغاز الطبيعي في المنطقة على أنَّه سلعةٌ مشتركة إلى أكبر استفادةٍ عملية من البنية التحتية الموجودة بالأصل في دول شرق المتوسط، فمثلاً ورغم أنَّ مصر تمتلك مصنعين كبيرين لإسالة الغاز، فهي لا تمتلك المرافق المناسبة لتخزينه، بينما لدى تركيا الكثير منها. إنَّ تجميع هذه البنى التحتية يبدو منطقياً أكثر بكثير من بناء مرافق متكررة في عدة دول.
ثمة منافع جيوسياسية أبعد لهذا الأمر أيضاً فما هي؟
سيساعد المركز التجاري الافتراضي في تطوير إنتاج الغاز الطبيعي في غزة بتوفير منفذ للتصدير لا يعتمد على إرضاء المصالح المصرية والإسرائيلية، وبفضل الشفافية التي يمنحها المركز التجاري الافتراضي يُرجَّح أنَّ تستثمر حكومة غزة عائدات تصدير الغاز في تحسين حياة سكانها.
بالمثل، يُمكن للتسويق الإقليمي والمركز التجاري الافتراضي أن يساعدا إسرائيل ولبنان في التغلب على نزاعهما على حدودهما البحرية وذلك بتوفير آليةٍ لمشاركة العائدات في الحقول المتنازع عليها. وأخيراً فإن المركز التجاري الافتراضي يمكن أن يجذب الاستثمار الخاص اللازم للتنقيب وتطوير الغاز الطبيعي قبالة سواحل سوريا، وهو ما لم يجر حتى الآن. بيع هذا الغاز قد يساعد لاحقاً في إعادة إعمار البلد بعد الحرب.
وبتشجيع تجارة الكهرباء بين دول الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط، يمكن للمركز الافتراضي أيضاً أن يشكل جسراً مهماً للتسويق واسع النطاق للكهرباء التي يجري إنتاجها من الطاقة الشمسية في الشرق الأوسط والمغرب العربي.
أخيراً، سيخلق هذا المركز فرص أعمالٍ في مجالات الغاز الطبيعي المسال، الخدمات التقنية والخدمات المالية للشركات المحلية وللشركات الأجنبية من روسيا والاتحاد الأوروبي، وهي شركات استثمرت الكثير بالفعل في مجال الطاقة في شرق المتوسط.
الرؤية الأكثر فعاليةً تجارياً لتطوير وتسويق الغاز الطبيعي الشرق أوسطي هي أيضاً الرؤية التي قد تحفز أكثر التعاون الإقليمي: السوق الافتراضية يمكن أن تخلق سلاماً حقيقياً في الشرق الأوسط.
 
 
 

مواضيع تهمك


اقرأ أيضاً

اقرأ ايضا
كلمة التحرير مواضيع تهمك مختارات من الصحافة كتاب واراء
حول العالم لبنان سورية صحة بيئه ابراج نهفة اليوم
 راموس يدخل قفص الزوجية.. حفل الزفاف الذي أراده نجم ريال مدريد مختلفاً مفاجات في حفل زفاف راموس نعم يمكن للنساء حلاقة وجوههن مثل الرجال. يشعل النار في نفسه أمام البيت الأبيض بوجود الشرطة الأمريكية الصور الفائزة في معرض التصوير الفوتوغرافي في اكاديميه كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو حقيقة وجود حلقة تكميلية مسلسل Game of Thrones امنيات فابريغاس ينشر صورته مع قصي خولي: أتمنى انتهاء مسلسل خمسة ونص بسبب زوجتي مورينيو يعود الي تشيلسي ليتمتع بالحلاقة وليس ليحل مكان ساري زلزال يرحب بترامب في طوكيو لكنه يدعو لمزيد من الاستثمارات في أميركا «Game of Thrones»أسطورة وتاريخ و14 مسلسلاً ينافسه وسيلفستر ستالون: ممثل فاشل