يثير البابا الجديد الكثير من الجدل حول نظافة اسمه ..حيث يعرف البابا الجديد فرنسيس بتواضعه وأسلوب حياته المتقشف، لكن تطارده أيضًا العديد من الاتهامات أبرزها التواطؤ مع الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، كما ورد اسمه في دعاوى قانونية بشأن سرقة أطفال.
وُصف البابا الجديد بأنه مدافع بسيط عن الفقراء زهد بحياة الترف حين كان اسقف بوينس ايريس وقبَّل أقدام المصابين بمرض الأيدز.  ولكن البابا فرنسيس لم يكن بعيدًا عن الممارسات والآراء المثيرة للجدل. وحين كان كبير اليسوعيين في الأرجنتين خلال سنوات الدكتاتورية العسكرية السوداء أثار خورخه ماريو بيرغوليو تساؤلات حادة عن موقفه من النظام العسكري الغاشم. 
 
وفي عام 2005 يوم كان بيرغوليو أحد الكرادلة المرشحين لخلافة البابا يوحنا بولص الثاني في المجمع المقدس، ورد اسمه في دعوى جنائية في الأرجنتين تتهمه بالضلوع في خطف اثنين من رفاقه اليسوعيين عام 1976 رماهما النظام العسكري في السجن دون علم احد بسبب عملهما في الأحياء الفقيرة.
 
وبصفته رئيس الجمعية اليسوعية في الأرجنتين، وقتذاك تردد بأنه اختلف مع بعض أعضائها حول الموقف من الدكتاتورية العسكرية، بمن فيها أعضاء كانوا يدعون إلى إسقاط النظام بالقوة، وطلب من القسين اليسوعيين أن يتوقفا عن زيارة الأحياء الفقيرة. ويذكر هوريشيو فيربتسكي في كتابه "الصمت" الذي يتضمن أقوال أحد القسين اليسوعيين المخطوفين، أن خورخه بيرغوليو، حين رفض القسان التوقف عن زيارة الأحياء الفقيرة، حجب عنهما الحماية ممهدًا الطريق إلى خطفهما وسجنهما لاحقًا.
 
معارض للتجديد
 
ونقلت صحيفة التايمز عن فورتوناتو ماليكاتشي العميد السابق لكلية علوم الاجتماع في جامعة بوينس ايريس قوله عن خورخه بيرغوليو "إن التاريخ يدينه ويبين أنه معارض لكل تجديد في الكنيسة، وفي المقام خلال عهد الدكتاتورية". 
 
ودأب خورخه بيرغوليو على نفي هذه الاتهامات. وقال المتحدث باسمه حين كان كاردينالاً إن التهمة التي وجهها إليه محامٍ مختص بقضايا حقوق الإنسان "تشهير قديم".  ويذهب المدافعون عنه إلى أنه لا توجد أدلة تؤكد هذه الاتهامات مصرّين على أن بيرغوليو ساعد العديد من المعارضين على الفرار خلال حكم الطغمة العسكرية. 
 
وما إن تولى الكاردينال بيرغوليو منصب البابا يوم الأربعاء حتى أطلق ناشطون أرجنتينيون حملة من الانتقادات اللاذعة.  وقالت منظمة ايخوس كابتال الأرجنتينية لحقوق الإنسان "إن بيرغوليو ما زال موضع تحقيق لمشاركة الكنيسة في جرائم ضد الإنسانية... كما ورد اسمه في دعاوى قانونية بشأن سرقة أطفال"، في إشارة إلى إقدام الدكتاتورية العسكرية على سرقة أطفال سجناء سياسيين لكي يتبناهم مسؤولون في النظام. 
 
ولكن البابا فرنسيس يلقى في أوساط أخرى ثناءً واسعًا على تواضعه ورفضه الترف الذي يقترن بتولي منصب رفيع في الكنيسة.  ويجري التنويه بأن هذا الرجل البسيط الذي ينحدر من عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى وابن عامل سكك، عُرف خلال السنوات الخمس عشرة التي كان فيها أسقف بوينس ايريس بعزوفه عن ركوب السيارات الفارهة واختياره التنقل بالحافلات العامة، والسكن في شقة متواضعة بدلاً من قصر الأسقفية، وكان يطهي وجباته بنفسه.
 
وإذ كان بيرغوليو رجلاً بسيطًا له عادات الناسك المتعبد، فإنه كان يمضي عطلة نهاية الأسبوع في صومعة الابتهال ويُقال إنه لا يحب الأضواء الإعلامية، رغم مسارعته إلى إرسال تغريدته البابوية الأولى على تويتر بعد لحظات من انتخابه. 
 
يستخدم مترو الانفاق
 
ونقلت صحيفة التايمز عن فرانسيسكا امبروغيتي التي شاركت في كتابة سيرة لحياة بيرغوليو "أن نمط حياته رصين ومتقشف وهذه هي طريقته في العيش.  يتنقل مستخدمًا مترو الانفاق والحافلة وعندما يزور روما يسافر في مقاعد الدرجة الاقتصادية". 
 
وعندما رُقي بيرغوليو المدافع عن الفقراء إلى كاردينال في عام 2001 نصح أنصاره بعدم السفر إلى روما للاحتفال معه واقترح عليهم التبرع بتكاليف الرحلة لحملة التخفيف من الفقر في الأرجنتين.  واستأثر بيرغوليو باهتمام واسع حين زار عام 2001 مصحًا للمصابين بأمراض مستعصية قام خلالها بغسل أقدام 12 مصابًا بمرض الأيدز وتقبيلها.  وقالت امبروغيتي إنه شديد الاهتمام باللامساواة الاجتماعية في العالم. 
 
وأضافت "انه يشارك وجهة النظر القائلة إن على الكنيسة أن تضطلع بدور تبشيري وأن تكون كنيسة تخرج إلى الناس، كنيسة نشيطة... كنيسة لا تضبط العقيدة بقدر ما تشجع عليها وتسهلها". ولكن البابا الجديد لا يهرب من المواجهات السياسية.  واختصم مع الرئيسة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر بسبب آرائه المتزمتة حول المثلية عندما حاولت الحكومة الأرجنتينية تشريع قانون يجيز الزواج المثلي. 
 
وكتب بيرغوليو في رسالة إلى أديرة بوينس ايريس "دعونا ألا نكون سذجًا فنحن لا نتحدث عن معركة سياسية بسيطة، بل عن إدعاء مدمر ضد إرادة الله. ونحن لا نتحدث عن مشروع قانون فحسب، بل عن دسيسة حاكها أب الأكاذيب لإشاعة البلبلة وخداع أطفال الله".  وأكد أن تبني المثليين أطفالاً شكل من أشكال التمييز ضد الأطفال.  ولاقى هذا الموقف ردًا قويًا من الرئيسة دي كيرشنر التي قالت إن لهجة الكنيسة تذكِّر "بالعصور الوسطى ومحاكم التفتيش". 
 
لكنّ الاثنين يتفقان على أمر واحد على الأقل هو جهود الرئيسة الأرجنتينية من اجل استعادة السيادة على جزر الفولكلاند. وبمناسبة الذكرى الثلاثين لحرب الفوكلاند العام الماضي قال البابا إن الجنود الأرجنتينيين قاتلوا من اجل استعادة "ما هو ملكهم... وما اغتُصب منهم". 
مكسب لكاثوليك اميركا اللاتينية
 
ويعتبر انتخاب بيرغوليو بمنصب البابا مكسبًا كبيرًا، وإن كان مفاجئًا، لكاثوليك أميركا اللاتينية الذين يشكلون 40 في المئة من كاثوليك العالم البالغ عددهم 1.2 مليار. وتردد أنه في عام 2005 نال أكبر عدد من الأصوات بعد يوزف راتسنغر الذي أصبح البابا بندكتوس السادس عشر، وأنه متخصص منذ زمن طويل بالعمل الرعوي الذي يرى كثيرون أنه مهارة لا بد منها لدور البابا. 
 
وقال كاتب سيرته الرسمي سيرجيو روبن إن الكاردينال بيرغوليو أبدى حسًا سياسيًا مرهفًا فضلاً عن تواضعه إلى حد نكران الذات، الأمر الذي يثمنه نظراؤه الكرادلة تثمينًا عاليًا.  ولاحظ روبن أن من الصعب تصنيف البابا الجديد سياسيًا.  وأضاف "هل أن بيرغوليو لاهوتي تقدمي، بل من أنصار لاهوت التحرير؟ كلا. إنه ليس قسًا من قساوسة العالم الثالث. هل ينتقد صندوق النقد الدولي والليبرالية الجديدة؟ نعم. هل يمضي الكثير من الوقت في الأحياء الفقيرة؟ نعم".  
 
ويبدو ان بيرغوليو انتُخب بسبب مؤهلاته الرعوية وبقائه بعيدًا عن الصراعات التي شهدتها أروقة صنع القرار في الكنيسة الكاثوليكية. لكنّ رجال دين تقليديين ابدوا استياءهم من اختياره حتى أنه وُصف في مدونة كاثوليكية واسعة النفوذ بأنه "عدو التقليد الكاثوليكي".
 
أما اختيار بيرغوليو أن يصبح البابا فرنسيس فهو يحكي مجلدات عن أصوله وأسلوبه في قيادة الكنيسة الكاثوليكية، ولكنه يطرح عليه تحديًا كبيرًا أيضًا.
 
ويعتبر اختيار الاسم تكريما للقديس فرنسيس الأسيزي، المصلح الديني الذي عاش في القرن الثالث عشر ويعتبر من ابرز الشخصيات الدينية في تاريخ المسيحية.  وكان القديس فرنسيس فقيرًا سمع صوتًا يحثه على "إعادة بناء الكنيسة".  وبصفته يسوعيًا فإن اختيار البابا الجديد هذا الاسم قد يكون إشارة الى فرنسيس خافير الذي شارك في تأسيس الجماعة اليسوعية في القرن السادس عشر. 
 
وأياً كان السبب فإن اختيار بيرغوليو أن يكون البابا فرنسيس الأول يعبر عن قناعة بضرورة تواضع الكنيسة بعد سنوات من الفضائح، دون أن تخرج عن عقيدتها المحافظة.
pic