كان عبد الغني القوتلي، جد الرئيس الراحل شكري بك القوتلي، من أعيان ووجهاء مدينة دمشق في القرن التاسع عشر. كان يقيم في داره كل يوم مائدة عامرة للفقراء والمحتاجين، دون السؤال عن اسمعم وعملهم وظروفهم المعيشة.
ذات يوم في شهر رمضان المبارك جائه رجل يرتدي معطف ثمين "فرو" وجلس مع المحتاجين يتناول طعامه بصمت. نظر اليه صاحب الدار وأمر احد المساعدين بوضع عشر ليرات ذهبية في معطفه المعلق الى جانب المائدة، شرط أن لا يشعر الضيف بهذا الفعل.
استغرب المساعد وقال: "عشر ليرات يابيك؟ مو كتير؟"
ابتسم الرجل الدمشقي واجاب: "اجعلهم عشرون ليرة اذاَ"
حاول المساعد التدخل مرة أخرى وقال: "عشرون ليرة؟؟"
رده عبد الغني بك وقال: "ارفع المبلغ الى ثلاثون ليرة اذاَ"
نفذ المساعد ما أُمر به، وعند الانتهاء من تناول الطعام شعر الضيف بوزن في جيبه ونظر اليه ليرى كيساَ من النقود يحتوي على ثلاثون ليرة ذهبية. لم يصدق عيناه وخرج سريعاَ من البيت فامر عبد الغني القوتلي أحد رجاله بمتابعته عن بعد لمعرفة ماذا سيفعل الرجل بهذا المال.
وصل الضيف الى لحام الحي واخرج اول دفعة وسلمه ياها معتذراَ عن التاخير في تسديد الدين، ثم اشترى بعض الطعام، واعاد نفس التصرف مع السمان وبقية المتاجر ثم وصل الى بيته فاستقبلته ابنته الصغيرة بالقول: "ناطرينك يا أبي ورح نموت من الجوع ما اكلنا من أيام."
عرف عبد الغني بك أن الرجل المسكين كان من الاكابر الذين ضاقت بهم الدنيا ومنعه كبريائه من مد يده الى أحد، وردد قوله الشهير: "ارحموا عزيز قوم ذل!"
هذه أخلاق دمشق واهلنا منذ الأزل، ليس فقط في رمضان بل في كل عصر وكل وقت.