لا يتوقف الصخب عن الدوران حول «ألف ليلة وليلة»... ولا يزال كتاب العالم الكبار بمعظمهم يكشفون كل يوم أكثر وأكثر عن الدور الذي لعبته حكايات ألف ليلة في حياتهم وأدبهم. فمرة، قال غابريال غارسيا ماركيز أن «الحكايات» لعبت دوراً رئيسياً في مسيرته الروائية. وقبله لم يخف فيكتور هوغو وكولردج وستيفنسون وعشرات غيرهم دور «الحكايات» في مسيراتهم. ولكن، يبقى الكاتب الأرجنتيني الضرير والكبير خورخي لويس بورخيس، واحداً من كبار المعجبين والمتأثرين بـ «ألف ليلة وليلة». صحيح أن ذلك تجلى في كثير من روائعه الأدبية، إلا أنه تجلى في شكل خاص في محاضرة ألقاها ذات يوم في بوينس آيرس، وفيها يكشف عن عميق حبه لليالي، كما يكشف عن مسيرة هذا الكتاب في الأدب الغربي وعن مسيرة ترجماته، ويقدم لنا فرضيات حول أصوله.

 

 

> بدأ بورخيس يومذاك محاضرته، مؤكداً أن اكتشاف الشرق كان واحداً من الحوادث الأساسية في تاريخ الأمم الغربية. وهو بعدما يستعرض تاريخ هذا الاكتشاف من هيرودوتس إلى ماركو بولو يصل إلى «ألف ليلة» ليقول أنها جاءت من أماكن شرقية متنوعة. «وقد تكون رويت أولاً في الهند، ثم في فارس ثم في آسيا الصغرى... وفي نهاية الأمر، ربما تكون قد كتبت بالعربية وجمعت في القاهرة. ويضيف بورخيس هنا: «أحب أن أتوقف عند هذا العنوان. فهو واحد من أجمل العناوين... فهو يتّسم بنوع آخر من الجمال... وأعتقد أن هذا الجمال آت من واقع أن كلمة «ألف» تكاد ترادف بالنسبة إلينا كلمة «لا نهاية». وأن تقول: «ألف ليلة. معناه أننا نتحدث عن عدد من الليالي لا ينتهي، ليال عدة... بل لا تعد ولا تحصى. وفكرة النهاية فكرة أساسية في هذا الكتاب».

 

 

> «هنا، يتوقف بورخيس عند اكتشاف الغرب الليالي، فيفيدنا بأنه في عام 1704، نشرت الطبعة الأوروبية الأولى، أي المجلد الأول من أصل ستة مجلدات وضعها المستشرق الفرنسي أنطوان غالان. ومع الحركة الرومانطيقية دخل الشرق كلياً في الوعي الأوروبي». وحسبي هنا للدلالة على هذا أن أذكر اسم بيرون في علاقته الحاسمة بالكتاب. وقد تتالت بعد ترجمة غالان ترجمات أخرى، ثم كان كشف جديد عن الشرق جاء به روديارد كبلنغ حوالى عام 1890 حين قال: «إذا سمعت نداء الشرق... فإنك لن تسمع بعد ذلك أي نداء آخر».

 

 

> ويعود بورخيس ليقول لنا هنا أن أصل «ألف ليلة» لا يزال مجهولاً، موضحاً: «والآن، لنتحفص هذه المعلومة الغربية التي نقلها إلينا المستشرق هامر بورغشال الذي يأتي على ذكره كل من لين وبورتون المعتبرين أشهر من ترجم «ألف ليلة» إلى الإنكليزية. فذلك المستشرق يتحدث عن رجال يسميهم «رجال الليل الذين يروون الحكايات»، ويقوم عملهم على رواية القصص والحكايات خلال الليل. وهو يورد نصاً فارسياً قديماً يفيدنا بأن أول الناس الذين أنصتوا إلى الحكايات تروى، وجمع الرجال في الليل لكي يرووا له حكايات تسلي أرقه، كان الإسكندر المقدوني. ومما لا شك فيه أن تلك الحكايات كانت من نوع الخرافات. وافترض هنابأن سحر الخرافات لا علاقة له بعظتها الأخلاقية. إن ما سحر إيزوب ورواة الخرافات الهنود كان تصورهم حيوانات تشبه أناساً صغاراً، وتعيش مآسيها وملاهيها. أما فكرة النية الوعظية الأخلاقية فقد أتت لاحقاً: «المهم كان يتكلم الذئب إلى الحمل والثور إلى الحمار أو الأسد إلى العندليب».

 

 

> هكذا، تتابع بالنسبة إلى بورخيس، سلسلة من الحكايات: سلسلة الهند، حيث تتشكل النواة الرئيسية، تبعاً لما يقوله بورتون، «ولكن كاسينو – آسين، واضع إحدى أجمل الترجمات الإسبانية لألف ليلة، يقول أن الحكايات الأساسية تحدث في فارس؛ وهنا يتم تغيير الحكايات وإغناؤها؛ وهنا يتم تعريبها وتصل الحكايات أخيراً إلى مصر. وهذا الوصول يحدث في نهاية القرن الخامس عشر وإلى ذلك العهد نفسه تعود مجموعة يبدو أنها تتحدث من مجموعة أخرى، هي «هزار أفسانه» أي «الألف حكاية». فلماذا أولاً ألف حكاية، ثم ألف حكاية وحكاية؟» يتساءل بورخيس ليتابع قائلاً: «المرء يرغب في أن يضيع في ثنايا «ألف ليلة وليلة»؛ لعلمه أنه إذ يدخل في هذا الكتاب سيكون في إمكانه أن ينسى بؤس مصيره الإنساني؛ ويدخل في هذا العالم، هذا العالم المكون من عدد من الوجوه التي بعضها نمطي وبعضها متفرد فرداني».

 

 

> إن في «ألف ليلة وليلة»، في قول بورخيس، شيئاً شديد الأهمية هو الذي يوحي لنا بأننا أمام كتاب لا ينتهي. والعرب يقولون أن ما من أحد يمكنه أن يقرأ «ألف ليلة وليلة» حتى النهاية. وليس لهذا علاقة بالسأم. بل هو نابع من كون الكتاب لا ينتهي. ويتوقف الكاتب عند فكرة السحر المهمة جداً في الكتاب، متسائلاً: ما هو السحر؟ ويجيب: «إنه سببية مختلفة. إنه افتراض أن ثمة، خارج العلاقات السببية التي نعرفها، علاقات أخرى. وهذه السببية الأخرى قد تكون ناتجة من حوادث مصادفة، عن خاتم، عن مصباح. نفرك خاتماً أو مصباحاً فيظهر جني. وهذا الجني عبد هو في الوقت ذاته كلي القوة، يدفعنا إلى التحرك... وللمناسبة، يذكرنا الكاتب بحكاية الصياد والجني. فللصياد أربعة أطفال وهو فقير جداً. نراه يلقي كل صباح شبكته قرب الشاطئ. و «لنلاحظ هنا أن عبارة «الشاطئ» هي في حد ذاتها عبارة سحرية تضعنا في عالم جغرافي غير محدد. والصياد لا يقترب من حافة البحر، أنه يقترب من شاطئ ما ويرمي شبكته». ذات صباح، نراه يرمي الشبكة ويسحبها ثلاث مرات: مرة يخرج حماراً ميتاً، وفي المرة الثانية يخرج أدوات مستهلكة... أي إنه على الدوام يخرج أشياء غير مفيدة. فيرميها للمرة الرابعة (وهو في كل مرة يتلو في البداية قصيدة) وفي هذه المرة، تصبح الشبكة ثقيلة الوزن. فيأمل الرجل بأن يكون صيده وفيراً هذه المرة، لكنه لا يسحب من الشبكة سوى جرة من النحاس الأصفر مختومة بخاتم سليمان. يفتح الجرة فتخرج منه أكوام من الدخان الكثيف. يقول في نفسه أنه سيكون في إمكانه أن يبيع الجرة... غير أن الدخان يطلع حتى السماء ثم يتكثف ويتخذ شكل جني. يقول الجني: «الحمدلله، ولنبيه سليمان» ويسأله الصياد كذلك لماذا هو مسجون في الجرة. فيجيبه الجني بأنه كان واحداً من أولئك الجن الذين ثاروا ضد سليمان فأسره هذا الأخير في الجرة، ثم اختتم الجرة ورمى بها في قعر البحر. مرت أربعمائة سنة أقسم الجني خلالها أنه سوف يعطي من يعتقه من أسره كل ذهب العالم... لكن أحداً لم يأت لإنقاذه. فأقسم أنهم سيعلم ذاك الذي سينقذه نشيد العصافير... ثم مرت مئات السنين وتراكمت الوعود. وفي النهاية أتى اليوم الذي أقسم فيه الجني أنه سوف يقتل من يخلصه. «والآن، علي أن أفي بوعدي، جهز نفسك لملاقاة وجه ربك يا مخلّصي». والحال أن لمسة الغضب هذه تأتي هنا لتعطي الجني طابعاً إنسانياً غريباً... بل وودوداً. يرتعب الصياد؛ ثم يزعم أنه لم يصدق هذه الحكاية ويقول: «إن ما رويته ليس صحيحاً، إذ كيف يمكنك أنت الذي تلامس رأسك السماء، وتطاول قدماك الأرض، أن تكون بالفعل قد أُسرت داخل هذا الوعاء؟» فيجيبه الجني قائلاً: «أيها الرجل القليل الإيمان... سوف ترى» ويتقلص الجني ثم يدخل في الجرة... وعلى الفور يعمد الصياد إلى إغلاق الجرة مهدداً الجني برميه في البحر من جديد.

 

 

> وتتابع القصة وتأتي لحظة لا يعود فيها بطل الحكاية صياداً بل ملكاً، ثم ملك جزر السود... وفي نهاية الأمر يختلط كل شيء بكل شيء. وهذا الأمر نمطي في «ألف ليلة وليلة»... و «هو يذكرنا بتلك الكرات الصينية التي تحتوي كل واحدة، على التوالي، كرة أصغر منها، أو بالدمى الروسية. إن لدينا شيئاً شبيهاً بهذا في «دون كيشوت» لكنه غير مدفوع إلى أقصاه كما هي الحال في «ألف ليلة وليلة»... وكل هذا موضوع في حكاية مركزية عريضة يختتم بورخيس محاضرته قائلاً: «هي تلك التي نعرفها جميعنا: حكاية السلطان الذي خانته زوجته، ولكي يتفادى أن تخونه امرأة أخرى، يقرر الزواج كل ليلة بامرأة جديدة يأمر بقتلها في صبيحة اليوم التالي... وتظل الحال هكذا حتى تقرر شهرزاد إنقاذ بنات جنسها وتقبض على الملك من طريق الحكايات التي لا تنهيها أبداً... ويمضي الزوجان ألف ليلة وليلة معاً، وينتهي الأمر بشهرزاد إلى إنجاب طفل للملك (...)».