شادي ربيع تلحوق 

قلّما يشهد الحديث عن اللاجئين السوريين، وهو موضـــوع ســياســي بامتياز، صراحة كما حصل في حفل إطلاق مركز «كارنيغي للشرق الأوسط» دراسته عن آراء اللاجئين السوريين في لبـــنان والأردن في بـــيروت بتاريخ 16 نيسان (أبريل) الجاري، وأحوالهما في هذين البلدين، بعنوان «أصوات مهمّشة: ما يحتاجه اللاجئون السوريون للعودة إلى الوطن». تحديداً، نطق مراد أردوغان مؤسس ومدير سابق لجامعة هاسيتيبي ومركز هوغو لأبحاث الســــياسات والهجرة، بالكلمات المفتاحية في هذه القضية: «لا أمل لدي كخــبير في الهجرة، في عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم. سيبقون للأبد في تركيا ولبنان والأردن».

بالنسبة إلى مراد أردوغان، فإن هذا الاستنتاج المنطقي الوحيد لأي باحث في قضية اللاجئين، إن كانوا سوريين أم أفغان أم عراقيين أم فلسطينيين. اللاجئون لا يعودون إلى ديارهم في أغلب الأحيان، بل يبقى معظمهم حيث بنوا حيوات جديدة أكثر أمناً ورخاء. بالنسبة لأردوغان، فإننا اليوم من دون حل سياسي في المدى القصير على الأقل، في حين يبني اللاجئون حياة جديدة بعيداً من موطنهم. في تركيا اليوم أكثر من 800 ألف عامل سوري (من أصل ثلاثة ملايين ونصف المليون لاجئ) باتت موارد رزقهم محددة، في حين يرغب أكثر من 60 في المئة من اللاجئين السوريين في تركيا بالحصول على الجنسية التركية. ولو أضفنا إلى هؤلاء حقيقة أن أكثر من 350 ألف طفل سوري وُلد في تركيا، فإن المحصلة لا تؤشر إلى عودة قريبة للاجئين السوريين، لا بل بالعكس.

لذا، ووفقاً لهذا الخبير التركي، فإن على أنقرة أن تركز على استراتيجية شاملة لاستيعاب اللاجئين ودمجهم بالمجتمع التركي «لأنني أتوقع بأن يغادر تركيا 10 في المئة فقط من اللاجئين باتجاه سورية أو دول أخرى».

في مقابل آراء أردوغان، أدلت مؤلفة التقرير مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت مهى يحيَ بدلوها في القضية، إذ خالفت أردوغان بقولها إن اللاجئين «ليسوا مهاجرين اقتصاديين، بل تركوا ديارهم بحثاً عن الأمان، وبالتالي هم مهاجرون سياسيون». ذاك أن يحيَ تُعدد عقبات أساسية أمام عودة شرائح محددة من السكان. على سبيل المثال، «إحدى أعظم العقبات أمام عودة اللاجئين الرجال، تتجسد بخوفهم من التجنيد الإجباري والانخراط في القتال على الجبهات».

ولفتها في سياق عملها الميداني قبل كتابة التقرير أن لاجئاً سورياً قال لها بالحرف الواحد: «هل يسير المرء برجليه إلى موته المُحتم؟».

لكن شروط اللاجئين للعودة، بحسب تقرير يحيَ، ما تلبث تتراكم لتُشكل صورة مُعقدة. فوفقاً لتقريرها، فإن «لدى اللاجئين السوريين في لبنان والأردن رؤية واضحة حول سورية التي يتوقون إليها، لكنهم يقرّون بأن بلوغها في الظروف الحالية شبه مستحيل. ولضمان مستقبل أفضل، يجب أن تعالج مساعي التوصّل إلى تسوية سياسية مستدامة جذورَ النزاع وتبعاته على اللاجئين في الدول المضيفة». والأهم، بحسب يحيَ، «هو تمكين هذه المساعي اللاجئين من العودة عودةً آمنة وسالمة إلى منازلهم».

ما يُثير قلق يحيَ أن كثيرين في الدول المضيفة، تحديداً في لبنان والأردن، يُصرّون على عودة اللاجئين السوريين إلى مناطق «آمنة» في بلدهم، بما أن النظام السوري يستعيد السيطرة على أجزاء من سورية. لكن مديرة مركز «كارنيغي» في بيروت ترى أن «هذه الدعوات تضطر اللاجئين إلى الاختيار بين العودة وتعريض حياتهم للخطر أو القبول بمنفى تتفاقم فيه المعاناة والمهانة بسبب تدهور الأوضاع في البلدان المضيفة».

بيد أن «الظروف الأمنية الراهنة في سورية مُتقلبة وتعصى على التوقّع. لذا، لا تشكّل بيئة ملائمة لعودة معظم اللاجئين»، وبالتالي يواجه اللاجئون في لبنان «أحوالاً تزداد صعوبةً، فالقادة السياسيون والسكان في كلا البلدين لا يرغبون في استقرار اللاجئين على نحو دائم».

واللافت أن يحيَ حدّدت ثلاثة عوامل مترابطة تُعرّض اللاجئين إلى خطر كبير إذا أجبروا على العودة. الأولى هي «إمكان منع اللاجئين من الدخول لدى عودتهم إلى مسقط رأسهم أو اضطهادهم، في وقت تؤدّي قوات النظام دوراً في النقل القسري للسكان، من طريق الحصار واتفاقات السلام المحلية». والثانية هي «عودة اللاجئين بالغة العسر بسبب تشظي الأراضي، ودمار النواة الحضرية والمناطق الريفية، والتشريعات الأخيرة حول حقوق الملكية». وأخيراً، تتحدث المؤلفة عن «رحلة العودة بالغة الخطورة مع انتشار العصابات والميليشيات في مناطق النظام والمعارضة».

هكذا يُفقد مبدأ العودة الطوعية، «وهو الركن الرئيس للاتفاقات الدولية حول اللاجئين، مغزاه والقصد منه».

 

لا إعادة إعمار في سورية

رئيس تحرير موقع «التقرير السوري» جهاد يازجي شدد على أن المستقبل المنظور لن يشهد أي عمليات إعادة إعمار في سورية، إلا في حال حصول اتفاق سياسي «ولا أرى ذلك ممكناً خلال الفترة الراهنة». وأساس هذا الكلام أن لا مال «لدفع تكاليف عمليات إعادة الإعمار، فلا الحكومة ولا المصارف قادرة على التمويل». في المقابل، تنحصر الأطراف الدولية القادرة على الاستثمار في إعادة الإعمار، في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وهذان الطرفان يُحتسبان على الجانب الذي خسر الحرب. الدول المنتصرة في هذه الحرب، أي إيران وروسيا، لا تملكان الأموال الكافية لإعادة الإعمار. كما أن تمويل هذه العملية من خلال الموارد الطبيعية (النفط والغاز) في سورية غير محتمل نتيجة العقود التي ستمنح حلفاء النظام السوري معظم موارد التنقيب. وهذه الوسيلة الأساسية التي سيُكافئ النظام بها حلفاءه.

يازجي يشير إلى المرسوم التشريعي السوري رقم 66 (مشروع بساتين الرازي) باعتباره وسيلة لمكافأة رجال الأعمال الداعمين للنظام. والتشريعات الحالية في هذا المجال تتيح للسلطات المحلية تحديد منطقة جغرافية معينة للاستملاك وإنشاء مشاريع خاصة عليها.

مثل هذه الجهود وفي إطارها هذا لا تُمهّد لعودة اللاجئين، بل تنحو أكثر باتجاه تعزيز نزوحهم ومأسسته. ذاك أن العودة، كما تؤكد يحيَ في تقريرها عن محنة اللجوء، مسألة سياسية في الصميم. و «بقاء النظام المتهم بجرائم ضد الإنسانية»، كما جاء في التقرير، يُفاقم صعوبة العودة وتحدياتها.