لا يتوقف المقياس الحراري الكوني عن تسجيل بيانات جديدة حول ارتفاع درجات الحرارة، التي تقفز بين فترة وأخرى بشكل مخيف. سجلت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بشؤون التغير المناخي في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 0.98 درجة مئوية، فيما تظهر بيانات علمية جديدة نشرها برنامج كوبرنيكوس الأوروبي لمراقبة مناخ الأرض بتاريخ 7 من هذا الشهر، وصول الحرارة الى 1.1 درجة مئوية بالمقارنة مع العصر ما قبل الصناعي. إننا تالياً نلتهم الحرّ. وسجلت الأعوام الأربعة الأخيرة بحسب البيانات الجديدة أعلى درجات الحرارة، وصلت نسبتها الى 0.4 درجة مئوية وهي أكثر من تلك التي سجلتها الفترة الواقعة بين 1981-2010.

وكان عام 2018 من بين الأعوام الأكثر سخونة على الإطلاق، إذ تميز بصيف حرّ وجاف في عدد كبير من البلدان الأوروبية، كما شهدت مناطق محيطة بالقطب الشمالي موجات ساخنة لم تُسجل من قبل، وكان ذلك الرادار الأخطر، كما يقول رئيس برنامج كوبرنيكوس الأوروبي جان-نويل تيبو. وتكمن الخطورة في إطلاق كميات هائلة من الغازات الدفيئة إن استمر ارتفاع الحرارة في القطب الشمالي والمناطق المحيطة به، ذاك أنه يغطي 25 في المئة من الأقاليم الشمالية ويدفن من الغازات الدفيئة، غاز الميثان تحديداً، توازي 15 عاماً من إفراز الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم. وفي الوقت الحالي، يسبب احترار المناطق الشمالية من الكرة الأرضية ذوبان الجليد في (غرينلاند) أسرع بـ 50 في المئة مقارنة مع عصر ما قبل الصناعي. ويقول الأستاذ في جامعة أوتريخت الهولندية (ميشيل فان دين بروكه) في حوار مع صحيفة غارديان البريطانية: إذ ذاب جليد جزيرة غرينلاند كله، سيزيد من مستوى البحر سبعة أمتار. ويقول بروكه إن الذوبان على الإيقاع الحالي يستغرق آلاف السنين، إنما التسارع المستمر في الاحترار يُسرّع الذوبان.

يضاف إلى ذلك كله، ارتفاع مستوى سطح المحيطات بسبب امتصاصه 90 في المئة من الحرارة التي تسببها الغازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري. ويعتبر العلماء بحسب مقال علمي نشرته (الغارديان) بتاريخ 7/1/2019، أن ارتفاع درجة حرارة المحيطات بسبب الاحترار الكوني يوازي حرارة انفجار قنبلة نووية في كل ثانية منذ 150 عاماً. إننا تالياً، أمام بيانات جديدة عن الاحترار الكوني الذي يشق طريقه نحو 1.5 مئوية، وهي الدرجة التي تطمح اتفاقية باريس- 2015 إيقافها وعدم تجاوزها، ولكن إذا استمر الاحترار على الوتيرة الحالية، سيلامس العالم 3 درجات مئوية في تخوم نهاية القرن. هذا ما تؤكده الهيئة الحكومية الدولية المعنية بشؤون التغير المناخي.

 

من شأن التقليل من استهلاك اللحوم أيضاً، لعب دور أساسي في خفض الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري وتقليل الوفيات بسبب النظام الغذائي المعتمد بشكل رئيسي على اللحوم.

 

أمام هذه الزيادة في مقياس الحرارة العالمي المؤثر على الناس، والنظم البيئية وسبل العيش في جميع أنحاء العالم، مع آثار مدمرة ناتجة عن الفيضانات والجفاف في المناطق الأكثر فقراً والأكثر ضعفاً في العالم، ليس أمام البشرية سوى خفض غاز الكاربون بنسبة 45 في المئة خلال 2030، وإنهاءه كلياً في تخوم 2050. من شأن هذا السيناريو وفقاً للهيئة الحكومية الدولية المعنية بشؤون المناخ، تجنب الأسوأ، إنما يقتضي ذلك وفقاً للعلماء، التخلي عن الوقود الاحفوري، أي ترك الأراضي التي تخبئ في جوفها احتياطيات نفطية معروفة.

ليس الوقود الأحفوري وحده سبباً للاحتباس الحراري، فمن شأن التقليل من استهلاك اللحوم أيضاً، لعب دور أساسي في خفض الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري وتقليل الوفيات بسبب النظام الغذائي المعتمد بشكل رئيسي على اللحوم. هذا ما وصلت إليه دراسة جديدة أجرتها Oxford Martin School لمصلحة المنتدى الاقتصادي العالمي. وتؤكد هذه الدراسة التي سبقتها دراسات وأوراق علمية أخرى مشابهة وترى أن البشرية مطالبة بشكل حتمي بخفض استهلاك اللحوم لمكافحة التغير المناخي وإطعام سكان العالم الذي يتعدى في الوقت الحالي 7.5 مليار، فيما تشير إحصاءات إلى أنه يلامس 10 مليارات خلال العقود المقبلة. ويعزو الباحثون الذين أعدوا التقرير لمصلحة المنتدى الاقتصادي العالمي بعنوان (البروتين البديل) سبب زيادة الغازات الدفيئة بنسبة 25 في المئة، إلى صناعة اللحوم التي تشكل بحسب الدراسة “ضغطاً هائلاً على البيئة”، وذلك لأن إنتاج كلغ واحد من لحم البقر يولد 32.5 من ثاني أكسيد الكاربون وفق الدراسة ذاتها، فيما لا تتجاوز كمية الغاز الذي يولدها إنتاج كلغ واحد من الخضرة 0.06 كلغ، ويولد إنتاج كلغ واحد من الرز 1.18 كلغ من الكاربون. وتشير الدراسة الى أن اللحوم تسبب 5 في المئة من بين الوفيات في العالم.

بحسب المدير العام للمنتدى الاقتصادي العالمي دومينيك وغراي، سيكون من المستحيل تلبية الطلب على اللحوم بشكل مستدام في المستقبل، “إنما من الممكن إنتاج ما يكفي من الغذاء لـ10 مليارات شخص وتحسين صحتهم من دون التوقف بالضرورة عن تناول اللحوم”. ويتطلب ذلك تحسين الممارسات الزراعية الخاصة، والنظر في استهلاك المزيد من مصادر الغذاء في جميع أنحاء العالم، والتحول تالياً، إلى نظام غذائي أكثر تنوعاً بما تمكن تسميته المرونة الغذائية. من شأن المرونة الغذائية، أو التنوع الغذائي تقليل انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري كما تذهب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. اختصاراً، إن تربية مليارات الحيوانات من أجل تلبية الطلب المتزايد على اللحوم، تتطلب استغلال أضعاف الأراضي من تلك التي يتطلبها النظام الغذائي النباتي. وفي الوقت الراهن، يتم استغلال ثلث الأراضي الزراعية في العالم لتربية الحيوانات، وعلى رغم ذلك الكرة الأرضية ما زالت قادرة على توفير الطعام لكل فرد، ولكن من دون المزيد من الحرارة.